الرئيسية / أقلام / أيّ مصداقيّة لعمليّات سبر الآراء؟

أيّ مصداقيّة لعمليّات سبر الآراء؟

66تعتبر عملية قيس نبض الشارع السياسي من خلال عمليات سبر الآراء من أهمّ سبل التواصل بين الطبقة السياسية وعموم المواطنين إلى جانب كونها تُعدّ رافدا هاما في تحديد استراتيجيات الأحزاب في الانتخابات. وإن كانت عمليات سبر الآراء تقوم بها الأحزاب السياسية لتحديد برامجها وسياساتها العامة إلاّ أنّها وفي أغلب الأحوال تمثّل مادّة إخبارية توظّفها وسائل الإعلام لدراسة التغييرات في المشهد السياسي سواء تعلّق الأمر بالشخصيات أو بالأحزاب.

لكن عادة ما تكون نتائج سبر الآراء مختلفة من مؤسسة سبر آراء إلى أخرى لأسباب موضوعية ككيفية اختيار العينة وكيفية طرح الأسئلة وترتيبها وعدد الأجوبة الممكنة ومدى صدق المستجوبين عند الإجابة وإلى ما غير ذلك. لكن نتائج عمليات سبر الآراء كثيرا ما تكون مرتبطة ارتباطا وثيقا بمدى حرفيّة من يقوم بالاستجواب عند القيام بعمله إلى جانب إمكانيّة ما يمكن أن تقوم به المؤسسة لتزوير وتجميل النتائج خدمة لطرف على حساب طرف آخر.

غير أنّ الخطورة الكبرى في نتائج سبر الآراء تتمثل في اعتبارها علما صحيحا ودقيقا ممّا يجعلها مدخلا لتوجيه الرأي العام وتسميم المناخ الديمقراطي بتأثيرها المباشر على النّاخبين وبالتالي على نتائج الانتخابات فوجود مرشّح أو حزب في المقدّمة يعطيه مكانة الفائز الحقيقي ممّا يجعل الناخب المتردّد ينخرط في ما ذهبت إليه المجموعة، ذلك أنّ النّفسيّة الفرديّة التي تتوق إلى الفوز تجعل النّاخب يضرب الخيار الفردي كمقوّم أساسي في العملية الديمقراطية في العمق.

ولا تقف مخاطر عمليّات سبر الآراء في جانب تحديد خيار المتردّدين بل تذهب إلى أبعد من ذلك في تعويض المرشّح أو الحزب الذي تبدو حظوظه ضعيفة بالمرشّح أو القائمة الأكثر حظّا والمتواجدة في المقام الثاني في خيارات النّاخب كتصويت ضروري لتجنّب الهزيمة وهزم المرشّح الذي يجب تجنّبه في كلّ الحالات الشيء الذي من شأنه أن يوجّه السّاحة السّياسيّة إلى استقطاب ثنائي ينتهي بضرب التعدّد.

 إلى جانب كلّ هذا فإنّ تقديم مرشّح ما بصفة مرشّح غير جدّي في نتائج سبر الآراء يرفع في عزوف الناخبين عن المشاركة في العمليّة الانتخابيّة ويمنع تغيير الخارطة السّياسيّة في تضارب كلّي مع أبسط قواعد الديمقراطية. زيادة عن التأثير المباشر لنتائج سبر الآراء هنالك التأثير غير المباشر وهو أكثر أهميّة بما أنه يستبعد النقاشات في المسائل الجوهرية التي تهمّ المواطن ويعطي الأولويّة  لمسائل جانبيّة يطغى عليها البعد الانتخابي.

ونظرا لما تكتسيه عمليات سبر الآراء من أهميّة في تحديد الفائزين في الانتخابات فإنّ أغلب الدّيمقراطيّات عمدت إلى تقنينها لحماية الرأي العام من التّوجيه والتأثير إلى جانب ضرورة توفّر المصداقيّة في مؤسّسات سبر الآراء واحترامها لضوابط المهنة.

ومنذ انتصار الثورة في تونس وهروب المخلوع برزت عمليات سبر الآراء كظاهرة صحّيّة ومكسبا من مكاسب الثورة ورافدا هامّا من روافد الديمقراطية إلاّ أنها بقيت إلى اليوم تفتقد لأيّ إطار ينظّمها حتى يمكنّها من لعب الدور الإيجابي الذي من المفروض أن تلعبه. فالتّباين الصّارخ بين النتائج من مؤسّسة إلى أخرى والذي يتجاوز نسبة الخمسين في المائة في بعض الأحيان إلى جانب التّضارب في نتائج مؤسسة بعينها حيث يحظى حزب بعينه بنسبة تفوق بكثير النسبة التي يتحصّل عليها زعماؤها التاريخيّون يجعل هذه النتائج ضربا من ضروب العبث السياسي إلى جانب انعدام المصداقية والحيادية للعديد من مؤسسات سبر الآراء والوسائل الإعلامية التي تنشرها. زد على ذلك التّفاوت الصارخ بين النتائج التي قدّمتها هذه المؤسّسات قبيل انتخابات المجلس الوطني التأسيسي والنتائج الحاصلة في الانتخابات تجعل معظم هذه النتائج عبثية لا هدف منها سوى النّفخ في صورة بعض الأحزاب والتّسويق إليها لتوجيه الرأي العام وتطويعه.

                                                                                                                                                                                                                                                 سامي بن شعبان 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى