الرئيسية / صوت الثقافة / أي دور للإسلام السياسي في المرحلة القادمة

أي دور للإسلام السياسي في المرحلة القادمة

رشحت أخبار من مصادر مختلفة تفيد بترشيح حركة النهضة رئيسها راشد الغنوشي للانتخابات الرئاسية القادمة. المسالة باتت تطرح للنقاش والدرس في الهياكل القيادية للحركة ويتداولها الإعلاميون والمتابعون للشأن العام باستمرار إلى جانب أخبار أخرى عن تفاهمات بين طرفي الحكم الأساسيين النهضة وتحيا تونس لترتيب المشهد الجديد. فأي حكم ينتظر البلاد للمرحلة القادمة بعد حالة التعطل والتأزم التي تعيشها البلاد منذ 2014 إلى اليوم؟ وهل حسمت حركة النهضة أمرها داخليا أم أن المسألة مجرد جعجعة وفرقعة إعلامية لا أكثر ؟ 
إن إطلاق قيادات الحركة هذه الأيام لشعار الإسلام الديمقراطي في محاولة للتماهي مع “الديمقراطية المسيحية” التي نشأت وتطورت في أوروبا ومحاولات التنصل من الانتماء إلى حركة الإخوان المسلمين وتركيز رئيس الحركة في خطابه يوم 23 جوان الجاري أمام إطارات الحركة على ضرورة دعم الفقراء والالتفات نحو الجهات الداخلية حتى تتحقق العدالة الإجتماعية، إضافة إلى إشادته بالأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل واعتبار أنه الوحيد الذي يتطرق في كل مناسبة إلى قيم العمل والإنتاج والإنتاجية.
الغنوشي صرح في نفس المناسبة بأن الحركة انتقلت من مرحلة الدفاع عن الهوية إلى مرحلة الدفاع عن الحريات وعن المستضعفين والمناطق الداخلية التي دعا إلى فك العزلة عنها. هذا دون أن ننسى مؤتمر الحركة الأخيرالذي أطلق شعار فصل الدعوي عن السياسي في محاولة لإرسال رسائل تفيد بأن النهضة حزب سياسي مدني وليس جماعة دينية.
 هذه المقدمات وهذا الخطاب الجديد وغير المألوف لرئيس الحركة ترجح إمكانية الترشح وتدفعنا إلى الإقرار بأن الموقف حسم داخل قيادة الحركة وأن الإعلان عنه بات مسألة وقت لا غير, خاصة أمام تراجع يوسف الشاهد في نوايا التصويت وتواصل الأزمة داخل نداء تونس وعدم حسم السبسي لموقفه نهائيا تجاه مسألة الترشح، إضافة إلى تقدمه في السن وتدهور حالته الصحية التي لم تعد تسمح بترشحه. فالفرصة إذا سانحة والظروف الموضوعية مواتية أكثر من أي وقت مضى.
ماذا تريد النهضة من خلال هذا الترشح؟
لقد طرحت مسألة سيطرة النهضة على الحكم كجزء من خطة للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين الذي تنتمي إليه الحركة على بساط البحث منذ انقسام نداء تونس وتفكك كتلته النيابية، حيث أصبحت صاحبة الكتلة البرلمانية الأكبر والحضور القوي في الحكومة وفي مختلف مؤسسات الدولة. وظلت إلى وقت غير بعيد مسألة خلافية داخل قيادة الحركة بين شق يرى أن الظروف الموضوعية والحالة التي عليها المشهد السياسي العام مناسبة وتشجع على هذا الاختيار وبين شق آخر يفضل التريث وعدم حرق المراحل حتى لا تصبح الحركة موضع اتهام فتنعت بالتغول مع ما يسببه لها ذلك من قلاقل وضغوطات لا ترغب فيها خاصة وأنها مصنفة من بعض الجهات الغربية حركة إرهابية بفعل انتمائها إلى حركة الإخوان المسلمين.
النهضة وهي تقدم على هذا الخيار تريد الذهاب بعيدا في مشهد الحكم والعودة إلى عهد الترويكا أي السيطرة على الحكم رئاسة وبرلمانا وحكومة في إطار تحالف مع قوى ليبرالية ووسطية مثل تحيا تونس ومشروع تونس والتيار الديمقراطي وكل من يرغب في الانضواء تحت جبتها.
هذا المشهد الذي تخطط النهضة لتأثيثه يستدعي منها بعض التنازلات والقرارات منها الإمضاء على اتفاقية الشراكة الشاملة والعميقة مع الاتحاد الاوروبي والمواصلة في توسيع دائرة التطبيع مع الكيان الصهيوني والإذعان لإملاءات صندوق النقد الدولي. وهي لن تتردد في المضي قدما في مثل هذه المسارات التي ستدعمها داخليا بالعفو العام (خاصة في علاقة بالتجمعيين) وبالتعامل بمرونة مع الجماعات التكفيرية العائدة من بؤر التوتر ومحاولة استيعابها وترويضها وإدماجها في الحياة العامة مع إمكانية استعمالها لصد كل محاولة للإطاحة بحكمها.
إنها استراتيجيا الحركة التي عملت عليها منذ 2011 وفشلت في ذلك  لأن تطور الأوضاع وربما تكتيكات حرق المراحل التي انتهجتها خاصة بمحاولة فرض دستور يعتمد الشريعة الإسلامية مرجعية للحكم لم تكن مساعدة على النجاح.
واليوم تعمل النهضة على إعادة المحاولة من جديد مستفيدة من أخطاء الماضي ومما حصل لها من تجربة في الحكم. وهي في كل الحالات لن تتسرع بل ستتوخى سياسة الخطوة خطوة إلى حين توفر المناخ الملائم لتوجيه الضربة القاتلة لكل ما هو مدني وديمقراطي واجتماعي.
الظروف المحلية مواتية
إن أزمة البورجوازية الكبيرة المحلية الشاملة والعميقة التي أصبحت تنذر بالخطر وربما تفتح الطريق أمام تقدم القوى الثورية والوطنية في اتجاه قلب الأوضاع لصالحها تدفعها بالضرورة إلى التعويل على التنظيمات الأكثر دكتاتورية ورجعية والأكثر جاهزية تنظيمية حتى تسد الباب أمام قوى التغيير وتفرض سياساتها وخياراتها اللاشعبية واللاوطنية على الجميع. وقد يجد التونسيون أنفسهم من جديد في المربع القديم مربع الاستبداد والفساد والعمالة المفضوحة والتطبيع ولو بعناوين مختلفة.
إن المطروح من زاوية مصالح البورجوازية الكمبرادورية هو المضي قدما في تطبيق إملاءات صندوق النقد الدولي التي تعمل على تحميل أزمة الخيارات اللاشعبية واللاوطنية للشعب عبر تحرير الأسعار والضغط على الأجور والتفويت في المؤسسات العمومية للخواص محليين وأجانب والتخفيض في عدد الموظفين وفتح القطاعات الاستراتيجية أمام المنافسة اللامتكافئة من خلال قوانين وإجراءات من شأنها ضرب وتفكيك المؤسسات الوطنية. وهي من هذه الزاوية بحاجة إلى حكم صارم قادر على القمع وتكميم الأفواه وصد الاحتجاجات القطاعية والجهوية وحصر الصراع داخل المؤسسات مع أدوار للإعلام العمومي والخاص داعمة لهذا التوجه.
لا مناص من هذا الخيار أمام فشل الأحزاب الليبرالية (نداء تونس _ آفاق تونس _ الوطني الحر _ مشروع تونس) وضعف الأحزاب الوسطية ومختلف التشكيلات الناشئة خلال الأشهر الأخيرة من رحم الأحزاب القديمة.
ضربة البداية كانت بالتخطيط للإيقاع بالجبهة الشعبية وتفتيتها وترويض الاتحاد العام التونسي للشغل وإخراجه عبر جملة من الاتفاقيات من حلبة الصراع السياسي/الاجتماعي ومحاولة احتواء بعض المعارضات الإصلاحية وإعدادها للمشاركة في الحكم (التيار الديمقراطي).
بهذا الأسلوب الناعم يجري الالتفاف على أهداف الثورة والإعداد لمرحلة جديدة بقيادة حركة النهضة.
لقد كشف تنقيح القانون الانتخابي أسابيع قبل موعد 2019 وتدهور الحالة الصحية لرئيس الدولة ومحاولة استغلالها بطريقة لا أخلاقية ولا دستورية لتهيئة الظروف للفوز بالانتخابات والظفر بأسبقية من خلال قانون مفصل على القياس ضد أحزاب وشخصيات منافسة لا تتفق مع تحالف الشاهد/النهضة.
لقد لوثت الرجعية الحاكمة الحياة العامة وخلقت مناخات مواتية لتفعل ما تريد ولو بالالتفاف على الدستور والقانون والمرور بقوة الأغلبية.
قوى التغييرعائدة بقوة
لقد أثبتت عمليات سبر الآراء الأخيرة تراجع نسب نوايا التصويت لفائدة النهضة والشاهد بقطع النظر عمن يتصدر الترتيب ومدى استجابته لانتظارات الشعب التونسي برنامجا وخيارات وسياسات. هذا التراجع مرتبط بفشل منظومة الحكم وعجزها وعدم قدرتها على الخروج بالبلاد من أزمتها. وهو ما يمكن البناء عليه أولا بالتأكيد على نهاية المنظومة سياسيا وعدم قدرتها على معالجة الأوضاع وأنها جزء لا يتجزأ من الأزمة وثانيا بفضح النزعات الشعبوية وكشف جوهرها المعادي للشعب.فأحزاب “الدستوري الحر” و”قلب تونس” و “عيش تونسي” وغيرها لا تختلف في الجوهر ومن حيث الخيارات مع أحزاب الحكم الحالية وقيادات هذه الأحزاب ومعها بعض الشخصيات الشعبوية التي تتصدر نوايا التصويت لا خبرة ولا تجربة سياسية لها بل ليس لها مشروع حكم أصلا وتكتفي في الغالب بالتركيز على  بعض الشعارات وأشكال الدعاية الأفقية التي ابتدعتها منظمات المجتمع المدني في محاولة للتباين مع “بيروقراطية” الأحزاب.
إن قوى التغيير من أحزاب ومنظمات وفعاليات شبابية ونسائية بما لها من خبرة ورؤية جدية لكيفية تغيير الواقع تحمل على عاتقها مهمة هذا العمل المضني والشاق رغم الصعوبات والانقسامات.
إن احتداد الأزمة وضرورة البحث عن مخارج جدية لأوضاع الفقر والتهميش وتدهور المقدرة الشرائية والخدمات الأساسية إلى جانب استفحال انتهاك السيادة الوطنية والانخراط في مسار التطبيع مع الصهيونية ستعيد الاعتبار لقوى التغيير الحقيقية وتؤهلها للاضطلاع بهذه المهام بنجاح.
لقد عادت الجبهة الشعبية إلى النشاط بعد فترة طويلة من الغياب والتقهقر وبعد صراع مفتوح ضد الانتهازية والنزعات اليمينية المكبلة. وهي بصدد التعافي وتستعد سياسيا وتنظيميا وعمليا للانطلاق من جديد بأكثر وحدة وأكثر عزيمة وأكثر قوة. ستنطلق على قاعدة ما هو إيجابي في تجربتها وعلى أنقاض عناصر الشد إلى الوراء.
والانتخابات القادمة ستكون البروفة الأولى للبدء في عملية التغيير المنشودة من خلال الاجتماعات العامة وحملات التوزيع والحوارات حول البرامج والسياسات وكل سبل التعافي من ازمة البورجوازية الكمبرادورية التي سيحسمها الشعب التونسي لا الاتفاقات الفوقية أو أي شكل من أشكال التطبيع  مع المنظومة بدعوى اختلال موازين القوى مقابل بعض الفتات.
علي البعزاوي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى