الرئيسية / صوت الوطن / احتجاجات المعطلين تسفّه كل دعاوي النجاح الحكومي المزعوم

احتجاجات المعطلين تسفّه كل دعاوي النجاح الحكومي المزعوم

تعود ذكرى الاحتفال بالعيد العالمي للعمّال وأوضاع الشعب التونسي والفئات المفقّرة والكادحة، ومنهم المعطلين عن العمل، “حدّث ولا حرج” فغير خافٍ على أحد أنّ الأوضاع الاجتماعيّة راهنا هي في أشد درجات السّوء والتعفّن والتأزّم.

احتجاجات عامّة:

تشهد البلاد منذ أشهر احتجاجات اجتماعيّة على خلفية المطالبة بالشغل وبالتنمية عموما. وهي احتجاجات لم تعد مقتصرة على الأشهر المعتادة والتقليديّة (شهر جانفي وما تبعه)، بل إنها لم تهدأ ولم تخفت على مدار السنة.

ففي مدينة الكاف مثلا، يعتصم المعطّلون عن العمل منذ قرابة الشهرين أمام مقرّ الولاية مطالبين بحقّ أبناء الجهة في الشّغل. وقد صمدت خيمة المعتصمين أمام كلّ محاولات الهرسلة والتّهديد وأمام الظّروف المناخية القاسية. ومنذ أسبوع، وأمام تعنّت السّلط الجهويّة في الإنصات لمطالبهم، دخل البعض منهم في إضراب جوع مفتوح في خطوة تصعيديّة.

وفي المهديّة، يخوض شباب ملّولش اعتصام مفتوح منذ قرابة الشهرين. وقد لاقى حراكهم التفاف مدني وحزبي ونقابي واسع، ممّا أحرج السّلط الجهويّة ودفعها لتنظيم لقاء مع ممثّلين عن المعتصمين. ولكن، حكومة لا تملك الإرادة ولا تملك البرنامج الشعبي أنّى لها أن تحلّ مشاكل النّاس. فاللّقاءات التي انتظمت لم تتجاوز جلسات إنصات وتسويف. ممّا فتح باب التّصعيد أمام المحتجّين وبالتّالي مزيدا من الصّمود والإصرار على انتزاع حقّ الشّغل.

في مدينة جندوبة، انتصبت خيمة “جندوبة تريد تنمية حقيقيّة” أمام مقّر الولاية منذ أكثر من شهرين. وقد طالبت المنظّمات والهيئات التي أشرفت على الاعتصام بضرورة مجلس وزاري يعرض مشاكل الجهة ويطرح معالجات حقيقيّة لواقع التهميش والفقر والخصاصة بالجهة. ولكن “قد أسمعْتَ لو ناديت حيّا”. فحكومة مسلوبة الإرادة سيكون آخر اهتماماتها هو تلبية هذه المطالب، التي هي أساسا مطالب جوهريّة لن تحلّها مجرّد جلسات وزاريّة ولا زيارات حكومية فلكلوريّة، بل ترتبط رأسا بتغيير منوال التنمية.

وفي سيدي بوزيد والقصرين وقفصة وتطاوين (الكامور) وبير علي بن خليفة (صفاقس) وحاجب العيون (القيروان) تجتاحها منذ شهرين، وإلى الآن، تحرّكات للمعطّلين عن العمل، تراوحت بين الاعتصامات والمسيرات وإضرابات الجوع.

وأمام وزارة الشباب والرّياضة انتظمت عديد الوقفات الاحتجاجيّة لكلّ من خرّيجي معهد التنشيط الشبابي والثقافي ببير الباي ولمربّي الطّفولة بدرمش مطالبين بانتداب خرّيجي المؤسّستين، والتي أغلقت أبواب التّوظيف لهذين القطاعين منذ عشر سنوات. وقد جابهت “قوّات البوليس” المكلّفة بحماية الوزارة المصونة بالاعتداء على المحتجّين، بل ولفّقت تهما لمجموعة منهم في محاولة لترهيبهم و”تأديبهم على تجاسرهم” على الاحتجاج.

أمّا المفروزين أمنيّا، فإنّ الاحتجاج هو خبزهم اليومي. فمنذ أكثر من ثلاث سنوات تتواصل الوقفات أمام قصر الحكومة من أجل فرض تطبيق الاتّفاق الممضى بتاريخ 18 جانفي 2016 والذي ينصّ على الانتهاء من انتداب القائمة المقدّمة في أجل ستّة أشهر من تاريخ الإمضاء. ولكن مازال قسم منهم إلى الآن يناضل من أجل تطبيق الاتّفاق وغلق باب الإقصاء الذي امتدّ من زمن حكم بن علي إلى الآن.

أمام تواتر الاحتجاجات، مسار الفشل متواصل

لا يمكن أن نعزو التحركات والاحتجاجات فقط للاستعدادات الذاتية للمعطّلين عن العمل، بل إنّ الفشل المتواصل للحكومات المتعاقبة في تأمين حياة الناس وتوفير الأدنى المعيشي وتقليص الفوارق الطبقية والجهوية الصّارخة هي القادح الحقيقي لكلّ هذه التحرّكات. فالمؤشّرات والأرقام الرّسمية ذاتها تكشف الواقع القاتم الذي يدين كلّ تبجّح بالنّجاح الحكومي ويدعو فعلا للكفّ عن المغالطات وعن تزييف الواقع والوعي. فالبطالة لم تتراجع نسبتها عن 15.5% ويعيش قرابة المليون و700 ألف تونسي تحت خطّ الفقر وتجاوزت نسب الأموال المتدفّقة عبر شبكات الاقتصاد الموازي كلّ حدود المعقول وانفلت عقال التّداين حتّى أصبحنا نتداين من أجل تسديد الدّيون وفوائضها في الأساس.

أمام كلّ قرائن العجز والفشل للحكومات المتعاقبة، والتي أصبحت فضائحيّة في عهد يوسف الشاهد، إلاّ أنّ هذا الأخير وزمرته ماضون في تأبيد هذا الواقع، بل يصمّون آذانهم أمام كلّ التحذيرات والاحتجاجات وأمام ناقوس الخطر المحدق بالبلاد في صورة انفجار اجتماعي غير مستبعد. في ظلّ هذا الانسداد والتّأزّم تتصاعد حمّى توظيف مقدّرات الدولة ومؤسّساتها لفائدة حزب يوسف الشاهد الفتيّ. فما يسلكه رئيس الحكومة ومعاونوه ومستشاروه لم يجرؤ عليه حتى بن علي في أوج استبداده. فالدّولة، هذا الكيان الجامع لكل المواطنات والمواطنين، أضحى متاع خاصّ لهذه الزّمرة، توظّف منابرها ومؤسّساتها ومقدّراتها من أجل ضمان الفوز في الانتخابات القادمة.

في مقابلة التعنّت بالإصرار: من يزرع الرّيح يجنِ العواصف

كلّ الاحتجاجات التي رصدناها وتابعناها، وهي أغلبها تحرّكات مؤطّرة، إمّا تحت قيادة اتّحاد أصحاب الشهادات المعطّلين عن العمل أو تتبنّاها المنظّمة الشغيلة ولجانها (الحظائر، النوّاب…)، فإنّ تحرّكات فرديّة أو “معزولة” تندلع في عديد الجهات وفي كلّ الأوقات. وهي تشترك جميعها في رفضها لواقع البطالة والتّهميش و”الحقرة” والتّمييز الجهوي. بل إنّ الشّعور بأن لا مخرج من واقعهم البائس بغير طريق النّضال والاحتجاج هو الذي أصبح يخامر غالبيّتهم ويقودهم.

إنّ استمرار الحكومة في تجميد الانتدابات في الوظيفة العمومية سنة إضافيّة أخرى (حسب مشروع ميزانيّة 2020) سيفاقم حتما نسبة البطالة وحجم الاحتقان في صفوف المعطّلين عن العمل، والشعب عموما.

شريف الخرايفي 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى