الرئيسية / صوت الوطن / الأزمة في تونس، أية حلول في الأفق

الأزمة في تونس، أية حلول في الأفق

علي البعزاوي

لا يختلف اثنان اليوم حول وجود أزمة شاملة اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية. أزمة ما تنفكّ تتعمّق وتستفحل لتنعكس سلبا على حياة التونسيات والتونسيين بمختلف فئاتهم. وهناك انطباع شعبي عام بفشل الائتلاف الحاكم وعجزه عن إيجاد المعالجات والحلول الكفيلة بالخروج من الأزمة، عكسه العزوف الواسع عن المشاركة في انتخابات البلدية وتراجع الاهتمام بكل ما يتعلق بالشأن العام.

كلّ الأرقام التي تتعلق بمنسوب المديونية (معدل 70 بالمائة) وميزان الدفوعات والميزان التجاري والبطالة (15,5 بالمائة) والقدرة الشرائية والتضخم (7,7 بالمائة).. في ارتفاع مطّرد ودخلت منطقة الخطوط الحمر. ما اضطرّ الحكومة إلى مغالطة الرّأي العام بتقديم أرقام ونسب حول النمو في الثلاثي الأول من 2018 والميزان التجاري لا علاقة لها بالأرقام الحقيقية في محاولة منها للتأكيد على أنّ الأوضاع في طور التحسّن وأنّ الحلول آتية في ظلّ موسم سياحي واعد ونوايا استثمار جدية..

الحلول المغشوشة

لم تكتف الأغلبية الحاكمة بهذه المغالطات، بل عملت في نفس الوقت على التسويق لفشل الحكومة على أنه السبب الرئيسي للأزمة. إنّ الائتلاف الحاكم المصرّ على انتهاج نفس خيارات النظام السابق، أي الاعتماد على التداين الخارجي وتشجيع المبادرة الخاصة (الاستثمارات المحلية والخارجية) والاستنكاف عن أيّ دور للدولة في قضايا التنمية وإنتاج الثروة وتوفير الشغل لطالبيه ولو بصورة استثنائية وغضّ الطرف عن الفساد وعدم مواجهته بصورة جدية – رغم أنها أدّت في 2011 إلى الإطاحة بنظام الاستبداد والاستغلال المسؤول عن هكذا خيارات – يحاول إيهام الشعب بأنّ الأزمة موروثة عن النظام السابق وأنّ الفشل في تجاوزها يختزل في الأداء السيء للحكومة دون سواه. أي أنّ الأزمة من منظور الائتلاف الحاكم لا علاقة لها بالخيارات اللاّشعبية واللاّوطنية والبرامج والسياسات. بل تختزل بصورة أساسية في مردودية وجدية أعضاء حكومة الشاهد.

في هذا السياق يمضي ائتلاف النهضة والنداء في تطبيق الإملاءات الخارجية مهما كانت موجعة للأغلبية ومضرّة للمؤسسات المحلية التي اضطرّتها المنافسة غير المتكافئة للغلق. ويسعى في نفس الوقت إلى إجراء تغيير حكومي يراه ضروريا “لمعالجة الأزمة” وقد بدا في ذلك عمليا بتدبيج وثيقة قرطاج 2 التي تحمل عناوين عامة وإجراءات لا تتناقض مع وصفة صندوق النقد الدولي، بل تخدمها وتساعد على تفعيلها. خاصة وأنها تُلزم الحكومة القادمة بتنفيذها. لكن هذه النقاط البرنامجية ليست سوى غطاء لمشاركة أوسع طيف سياسي ممكن في تكريس الإملاءات المذكورة. فالمطلوب من وجهة نظر الائتلاف الحاكم الموحّد كما يجب حول هذه الخيارات هو توريط أكثر ما يمكن من الأحزاب والمنظمات في هذه الحلول المغشوشة لخلق حالة من الإجماع الوهمي حول خيارات التبعية والتهميش والاستغلال.

ترتيبات في أفق 2019

إنّ المتابع للشأن المحلي يدرك أنّ الائتلاف الحاكم لا يبحث في الحقيقة عن معالجة الأزمة كأولوية وكهدف رئيسي رغم التسويق لذلك وسلوكه على الأرض وطبيعة الحلول التي يطرحها تؤكّد هذه الفكرة. وفي هذا السياق نفهم غياب الاستشارات حول الملفات الكبرى المتعلقة بالمنوال التنموي والمديونية والتنمية الجهوية والمحلية… وغياب الندوات التقييمية حول الاتفاقيات المبرمة مع الخارج (اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي – العقود البترولية وعقود استغلال الثروات الطبيعية…). إنّ الهدف الرئيسي للطبخة الحالية هو الاستعداد والإعداد لانتخابات 2019. فنداء تونس الذي فقد المرتبة الأولى في الانتخابات البلدية يريد توسيع تموقعه داخل الحكومة القادمة وإزاحة كلّ المنافسين أو على الأقل إضعافهم وفي مقدّمتهم الشاب يوسف الذي بدا في إعداد العدّة لهذه المحطة ويلقى الدعم من القوى الغربية، وترتيب أوضاع الحزب الداخلية إضافة إلى مسعى من مؤسّسه إلى تحوير القانون الانتخابي بما يساعده على الاستفراد بالسّلطة والعودة إلى مربّع النظام القديم.

أمّا حركة النهضة فتعمل على استثمار “فوزها” بالمرتبة الأولى في البلديات لتوفير الضمانات الكفيلة بعدم إخراجها من الحكم. لهذا ترى في بقاء يوسف الشاهد على رأس حكومة سياسية مع إمكانية بعض التحويرات الجزئية أمرا ضروريا لخدمة أهدافها الانتخابية. وهي في نفس الوقت مستعدة سياسيا للقبول بتحوير جذري للحكومة شرط ضمان مصالحها وعدم تهميشها كقوة أولى في الحكم (رئيس حكومة لا يعاديها – حضور مناسب لوزنها داخل الحكومة القادمة…).

إنّ الأساسي في جملة الـ63 نقطة الواردة في وثيقة قرطاج 2 يتمثل في الإجراءات المتعلقة بتطبيق الإصلاحات الكبرى وهي الوصفة التي دُبّجت في مكاتب صندوق النقد الدولي والتي تهدف إلى تحميل أزمة الخيارات الليبرالية للشعب التونسي من خلال تحرير الأسعار ورفع الدعم والخصخصة والضغط على كتلة الأجور وسدّ الباب أمام التشغيل ودهورة الخدمات الأساسية عبر الحد من كلفتها والتخفيض في قيمة الدينار المحلي بدعوى تسهيل الاستثمار والتصدير على حدّ وصف صندوق النقد الدولي.

هذا البرنامج الذي يتخفّى وراء التحوير الوزاري المزعوم من شأنه مزيد دهورة الأوضاع المعيشية للأغلبية وتعميق الأزمة والدفع نحو مزيد الانفجارات الاجتماعية وخلق بيئة حاضنة للإرهاب مع ما يرافق ذلك من اعتداء على الحريات السياسية رغم أنها مكفولة دستوريا.

 لا حلول في إطار المنظومة الحالية

لا حلول جدية في إطار المنظومة الحالية لأنها منظومة في خدمة الأقلية الثرية في البلاد على حساب الأغلبية. إنّ المشروع الوطني البديل الذي يتمثل في خيارات جديدة وطنية وديمقراطية واجتماعية تخدم الأغلبية وتضمن السيادة الوطنية وتحافظ على المكاسب التي حقّقتها الثورة وفي مقدّمتها الحريات السياسية لا يمكن أن يتحقق من خلال حكم الأغلبية الحالية المنخرطة في رهن البلاد للخارج وتهميش الأغلبية ودهورة أوضاعها على كل المستويات خدمة لحفنة من السماسرة الذين يسيطرون على الجزء الأكبر من مقدّرات البلاد، بل يتحقّق على أنقاضها. وهذا يتطلّب جهودا مضاعفة من المعارضة الديمقراطية سواء ما تعلّق منها بالبرنامج الواجب بلورته وتوضيحه للرأي العام وتشريك الشباب في تطويره وإثرائه أو ما تعلّق منها بالتنظيم المبسّط والمرن والديمقراطي الذي من شأنه استيعاب كلّ الحالمين بالتغيير وتوحيد الجهود من أجل ذلك مع فتح أبواب التنسيق والعمل المشترك حول ملفّات ومهمّات محددة بما من شأنه إضافة إلى النجاعة توسيع شبكة الأصدقاء وتضييق معسكر الأعداء. هذا إلى جانب الدفاع المستميت عن المطالب الاجتماعية المشروعة لمختلف القطاعات والجهات والتي شكّلت العنوان الأبرز لثورة الحرية والكرامة، الشرط الضروري لتسهيل الانغراس ولفّ أوسع ما يمكن من الفئات حول المشروع سالف الذكر.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى