الرئيسية / منظمات / الاتحاد العام التونسي للشغل / الاتّحاد الجهوي للشّغل بسوسة: الوضع الرّاهن وآفاق المستقبل

الاتّحاد الجهوي للشّغل بسوسة: الوضع الرّاهن وآفاق المستقبل

ما الذي يحدث في الاتحاد الجهوي للشغل بسوسة

تتميّز جهة سوسة بتاريخ نقابي عريق وبثقل اجتماعي واقتصادي تمثّل في انتشار شبكة واسعة من المعامل والشركات والمؤسسات الخاصة والعمومية، يشتغل بها عشرات الآلاف من الأجراء والموظفين، ينخرط منهم حوالي 33000 عامل بالفكر والساعد في الاتحاد الجهوي للشغل، وهو ما يضفي على هذا الأخير أهمية بالغة الخطورة في التأطير النقابي والدفاع عن مطالب منظوريه المادية والمعنوية. و- نظريا – تبوّأ مكانة مهمّة ضمن هياكل الاتحاد العام التونسي للشغل ومنزلة مرموقة بين الاتحادات الجهوية.

 299_149_1458845448لكن، هل كانت المكاتب التنفيذية للاتحاد الجهوي المتتالية منذ ما يزيد عن عقدين في مستوى نتظارات الشغالين بسوسة؟ لماذا تراجع دور سوسة النقابي على المستوى الوطني فيما تقدمت عديد الجهات؟ من يتحمل المسؤولية في ذلك؟ هل هي نوعية المكاتب التنفيذية المتتالية ومن أفرزها؟ أم للقواعد والإطارات النقابية التقدمية دور في عدم إيقاف هذا التدهور في الأداء والتسيير؟ ما مدى مسؤولية المركزيات النقابية المتتالية في ذلك؟

أسئلة كثيرة معقّدة ومتشابكة تُطرح على النقابيين عند كل أزمة جديدة لا يتّسع المجال لتفكيكها وتحليلها كلها ولكننا سننطلق من المباشر منها دون السقوط في الفصل الميكانيكي وتغييب النظرة الجدلية للأشياء.

إنّ الذي حدث في الاتحاد الجهوي للشغل بسوسة ليس حادثة معزولة وهو نتيجة وليس سببا.

وقائع الأحداث:

اعتصام مفتوح أعلنته أعداد غفيرة من الإطارات والقواعد النقابية قدمت يوم الخميس 24/3/2016 من جلّ القطاعات (الثانوي، الأساسي، السياحة، البريد والاتصالات، عملة وموظفي التربية، الصحة، التعليم العالي، النسيج، المعادن…) رافعة شعارات: ياحشاد إيجا شوف الخيانة بالمكشوف، اتحاد مستقل والشغيلة هي الكل، حركتنا حرّة حرّة والسمسارة على برة، حل المكتب التنفيذي واجب…) وغيرها من الشعارات التي تختزل درجة عالية من الاحتقان والغضب على أداء المكتب الجهوي، متهمة إياه كما أوردتها عريضة الإمضاء بـ:

  • غياب الكاتب العام تماما عن مقر الاتحاد ومرابطته ببعض مقاهي المدينة للاجتماع ببعض مقرّبيه وحبك المؤامرات ودسّ الدسائس للنقابيين.
  •  استقالة المكتب التنفيذي الجهوي عن أداء مهامه اليومية في ظل المشاكل المتراكمة والمزمنة منذ انتخاب هذا المكتب في 8 جوان 2013 وفي ظل التسريح الواسع للعمال في عديد القطاعات وخاصة منه عمال السياحة.
  •  عدم إحياء المكتب التنفيذي لأيّ مناسبة نقابية وطنية، بل غلق الأبواب أمام الهياكل والإطارات المتحمسة والنشيطة في المناسبات المختلفة (5 ديسمبر، 3 جانفي، 20 جانفي، 26 جانفي، 8 مارس، أحداث النفيضة، ذكرى وفاة حسين الكوكي، عيد العمال..)
  • تدليس المؤتمرات من خلال التلاعب بالنيابات وتضخيمها في عديد القطاعات (مؤتمر الاتحاد المحلي بالنفيضة، مؤتمر السياحة بنزل قصر الشرق…)
  •  عدم عقد أي سلطة قرار (مجلس جهوي، هيئة إدارية..) لتمكين النقابيين والقطاعات من طرح مشاكلهم وهو ما يمثل خرقا صارخا للنظام الداخلي للاتحاد.

هذا ورابط المعتصمون بدار الاتحاد الجهوي كامل اليوم إلى حدود الثامنة ليلا، وفي الإبان قدمت لجنة النظام الوطنية ثم الأمين العام المساعد المكلف بالنظام الداخلي ووقفت القيادة النقابية على التجاوزات الخطيرة والإخلالات الفظيعة، إذ لم يتواجد الكاتب العام حتى يوم الاعتصام وعند قدوم المركزية النقابية، وظل مكتبه بدار الاتحاد مغلقا على مدار السنة وهو ما تشهد به الصور التي تناقلتها صفحات التواصل الاجتماعي وما سجلته وسائل الإعلام التي غطّت الحدث.

تدخّلت المركزية النقابية وطلبت فكّ الاعتصام ووعدت النقابيين بالتدخل السريع من أجل عقد مكتب تنفيذي وطني يعالج الوضع النقابي المتفجّر في سوسة. وهو ما تم بالفعل حيث تمّ الاتفاق على تكوين لجنة وطنية للنظر في التجاوزات ومراجعة المؤتمرات المطعون فيها وبرمجة المؤتمرات المتبقّية والذهاب مباشرة الى المؤتمر الاستثنائي في موفّى شهر ماي القادم في حين مازال النقابيون يطالبون بتحييد رموز الفساد النقابي الكاتب العام ومسؤول النظام الداخلي وإحالتهما على لجنة النظام.

في الأسباب والمسبّبات:

ما حدث في الاتحاد الجهوي بسوسة نتيجة طبيعية لغياب الديمقراطية النقابية في عمل الهياكل وعلاقتها العمودية  ببعضها البعض، وعدم تدخل المكتب التنفيذي للاتحاد العام في الوقت المناسب لدق ناقوس الخطر.

ومفهوم البيروقراطية النقابية بالمناسبة ليس “سبة ” أو لعنة أو “كليشي” يطلق جزافا أو يتندر به البعض. بل هو تعبير سياسي/ نقابي يقصد به شريحة عمالية انسلخت عن موقعها الطبقي وباعت ضمائرها وخيّرت خدمة البرجوازية وتنكّرت لمصلحة الطبقة العاملة. وهي تتمعّش من عرق العمال وتقتات من الفتات الذي يجود به عليها الأعراف وأصحاب رؤوس الأموال. ثم إنّ رعاية البرجوازية لهذه الشريحة من الأرستقراطية العمالية غير ثابتة ويمكن أن تسحب عنها هذا الامتياز متى إرتأت أنّ “أوراقها احترقت”. ولم تعد تف بالحاجة المطلوبة منها وتحيلها مباشرة إلى من يواصل نفس المهمة ويديرها بأكثر اقتدار. وهو بالضبط ما وقع للكاتب العام للاتحاد الجهوي وكلّ من يدور في ركابه.

الكاتب العام وزمرته الانتهازية تبوّأ هذه المرتبة بإسناد من النقابيّين وعبر صندوق الاقتراع الذي أفرز في ظروف معيّنة رموز الفاشية والديكتاتورية. ولكن أي نوع من النقابيين ساهموا في ذلك؟ النقابيون الذين وقع تضليلهم أو من ذوي الوعي المحدود أو من تقاطعت مصالحهم مع الانتهازيين. أي من كان همّهم الموقع قبل الموقف. وهؤلاء كثيرون في وقت شهدت فيه البلاد عدم استقرار سياسي واجتماعي في ظلّ حكومة الترويكا المتآمرة على الاتحاد والنقابيين في جوان 2013، وفي وقت تشتّت فيه شمل اليسار النقابي ولم يقدر على بناء الجبهة النقابية الموحّدة. بل أكثر من ذلك كاد أن يهجر الساحة النقابية ليتفرّغ للعمل السياسي، وهو ما يجب أن يعود إليه بالتقييم والتصويب بكل جرأة.

أي آفاق للمستقبل؟

ينظر النقابيون اليوم إلى المؤتمر الاستثنائي القادم بعين الشك والريبة، للتجارب السلبية الكثيرة في معالجة مثل هذه الوضعيات. وكانت اللجان الوطنية غالبا ما تمتصّ الغضب وتعيد إنتاج الرّداءة من جديد، لذلك هم يطالبون اليوم بحل المكتب التنفيذي بالكامل وإحالة المتسبّبين في الأزمة على لجنة النظام درءا لكلّ شبهة أو تأثير على مجرى عمل اللجنة والنظر في المؤتمرات المطعون فيها أو التي سوف تنجز في القادم من الأيام، وهو ما يطرح على عموم النقابيين من مزيد اليقظة بل الاستنفار والتأهّب الكامل من أجل تصحيح فعلي شفّاف ونزيه للمسار النقابي الجهوي، تماما وبنفس الإلحاحية رصّ الصفوف النقابية الديمقراطية وتكريس الوحدة أمام المتربصين بأعداء العمل النقابي وأمام  الانتهازيين من كل لون.

إنّ ميزان القوى النقابي ما يزال في صالح الانتهازية النقابية بكل ضروبها، إذ تمارس الضغوط يوميا على النقابيين من أجل حملهم على القبول بالمصالحة وبالحلول الملغومة، كما تغدق الوعود على السائلة لعابهم يمينا وشمالا كي يكونوا ضمن قائمة المرضي عنهم من مراكز القوى النقابية المختلفة في المؤتمرات القادمة وتنسج التحالفات وفقا لشروط المؤتمر الوطني للاتحاد أحيانا. وبطبيعة الحال لا يساعد هذا المناخ على المحاسبة للمتسببين في الأزمة كما لا يساعد على تطوير الديمقراطية النقابية داخل الاتحاد. نسوق ذلك دفاعا منا عن جهة ظلت في وقت ما قلعة من قلاع الاتحاد العام التونسي للشغل استضلّينا بها في زمن الديكتاتورية، ونصونها اليوم من الاستبداد المتغلّف بالدين أو بقشرة الحداثة، كما نحصّنها من الانتهازيين والسماسرة تأسيسا لحياة حرة وديمقراطية في صالح الطبقة العاملة والشعب.

الناصر بن رمضان

عضو لجنة مركزية لحزب العمّال 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى