الرئيسية / أقلام / الثورة عمر جديد لا ترتكب فيه الأخطاء نفسها

الثورة عمر جديد لا ترتكب فيه الأخطاء نفسها

رشيدة التركي

لعله من الواجب عليّ بداية أن أشير الى أنّ الثورات تشبه شعوبها، وهي ابنة مواطنيها، ونتاج لثقافاتهم، وتنوّع أمزجتهم، ولعلني أضيف أنها تتأثر بكياناتهم التاريخية وأوضاعها الجيوسياسية. فليس للثورة يد سحرية لتقلب الواقع السيئ إلى ما أفضل منه، بل إنها لحظات تاريخية قوامها الديمومة والصبر والجهد والعمل والمثابرة. فهي إذن إمّا للتعمير أو للتصحير إذا جاز التعبير.

لكن الزمن هنا يحتمل أيضا معنى الصبر، فهو الذي يشحذ همة الثورة ويؤطرها ذلك التأطير الحقيقي الذي يعقلن الثورات ويشذب هيجانها. ولعل العنصر الأهم هو أنها لا يجب عليها أن تقطع قطعا باتا مع شعبها، تاريخه وثقافته، كيانه الفردي والجمعي بغية أن يستمر تاريخ ذلك الشعب متوجها إلى الأفضل.

الثورة إذن في تونس حدثت في 2011؟

والسؤال إلى أين ونحن في 2019؟

إنّ الواقع السياسي التونسي، وما يتصل به من واقع اجتماعي واقتصادي وثقافي، يمرّ بأكثر فتراته ضبابية. فتحنا أعيننا ذات يوم فوجدنا الثورة المنشودة هنا بيننا، تدخل مدننا وشوارعنا، تتسلل إلى نوافذنا عبر تسلّق عناقيد الغضب فينا وتهدينا أملاً لوضع أفضل. رحل الدكتاتور وعمّت فوضى طبيعية مبشّرة بوضع أفضل. فالناس بدأوا يعبّرون عن مكنوناتهم بكل حرية. وفي غفلة من زمننا الحقيقي نكتشف أنّ هناك من يخوننا، وهو بين ظهرانينا، ينتقد سلوكنا وطريقة التفكير في معتقداتنا لأنه متأثر بثقافات غريبة عنا.

فالثورة نعم.

ثم الخيانة.

تململ الشعب وراجعت مُثُله في لحظة، ما معنى الديمقراطية التي بفضلها رشّح الشعب من يتلاعب بعقله باسم الدين ومن يحكمه باسم ثقافة غريبة لا تخصّنا. ولأنّ الجهل مصيبة وتدنّي الأخلاق مصيبة أعظم والاستهتار يظلّ أعظم المصائب، لم تقع التحولات السريعة التي طلبناها من حضرة الثورة الكريمة. شتمناها مع الآخرين ونزعنا عنها نياشين الياسمين فظلت بلا رائحة. والحصيلة: الموت، القتل، الانتحار، الاغتصاب، السرقات، الخيانات المتكررة، هبوط الدينار واستتباب الفساد. هذه هي الحصيلة النهائية للأحزاب التي استمرت في الحكم يمينا حتى وإن تنوعت. ترهّل النسيج من كثرة ما ناله من ترقيع وعمليات التجميل للتحايل على واقع الناس المتردي وقامت هذه الأحزاب اليمينية رغم عداوتها أحيانا بعضها لبعض بحجب الطريق أمام اليسار المنفتح على ثقافة متأصلة في الشعب ولخدمة مصالحه وأوهموا الشعب – الفئات الجاهلة منه – بأنه “حزب” سينقلنا إلى ثقافة مغايرة يحكمنا بواسطتها.

إذا رجعنا إلى مثال بسيط، حتى وإن كانت المقارنة لا تستقيم، وهو حزب المحافظين البريطاني بقيادة تشرشل وما بعده، منذ 1945، من جهة وحزب العمال “اليساري” بقيادة ريموند آتلي وغيره ممّن جاء بعده، من جهة أخرى فقد كان هذان الحزبان في تنافس كبير، لكن كان كل واحد منهم إذ ينافس الآخر فهولا يلغيه بل يُقرّ أحيانا بميزاته. وهكذا تحسّن الوضع نسبيا في انقلترا، اجتماعيا بالخصوص، وحتى اقتصاديا بفضل برنامج “welfare state” الذي جاء به “اليسار” وتدّخل الدولة في قطاعات مهمة مثل النقل والصحة وغيرها.

نحن في تونس لم نجرؤ بعد على وضع ثقتنا في حزب يساري أو تقدمي رغم أنّ واقعنا الماضي والحاضر ما يزال يشهد التردي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي الذي يعيشه البلد. إذن فوضى وكسل مريع يحجب الإرادة الخلاّقة. يُعتبر اليسار في تونس من أقرب الأحزاب الناشطة للشعب والممارسة والمعاينة لأوضاعه الحقيقة فهو قوّة لا تُنظّر ضمن المكاتب المغلقة لكنها تطوف بالبلد وبجهاته المختلفة فتعاين الأوضاع وتستمدّ منها حلولا ليس لها غيرها ركيزة لنظرياتها استنادا إلى صلابة في التفكير التقدمي الذي يخص الشعوب في كل العالم.

إنّ عمر الثورات لا يقاس بعمر المواليد الجدد. فالثورة اختزال للتاريخ، ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا. هي إرهاصات متكرّرة ومؤلمة ومتعبة تلزمها المثابرة والصبر والشجاعة على المواجهة. تتغذى من جدلية العلاقة بينها وبين أبناء الوطن وبناته الذين يجب أن تكون تدخلاتهم لتغيير أوضاعهم نابعة من واقع الشعب.

الثورة إذن عمر جديد لا يجب أن ترتكب فيه الأخطاء نفسها.

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى