الرئيسية / أقلام / الخبير حسين الرّحيلي: “البنوك الوطنيّة: آخر قلاع الاقتصاد الوطني مهدّدة بالبيع”

الخبير حسين الرّحيلي: “البنوك الوطنيّة: آخر قلاع الاقتصاد الوطني مهدّدة بالبيع”

رحيليلقد كشفت حكومة الصيد عن نواياها في التطبيق الحرفي لشروط صندوق النقط الدولي والبنك العالمي المتعلقة بالتفويت في البنوك الوطنية الثلاثة: البنك الفلاحي والشركة التونسية للبنك وبنك الإسكان، ومن خلال ما صرّح به وزير المالية سليم شاكر في الكويت خلال الأسبوع الفارط، فإنّ الحكومة التونسية تبحث عن “شريك استراتيجي” للتفويت في حصّة الدولة أوجزء من حصّتها في البنوك الوطنية الثلاثة.

لماذا كلّ هذا الحرص على التفويت فيما تبقّى من المؤسسات العمومية، وما هي القيمة الحقيقية والدور المناط بكاهل هذه البنوك الثلاثة في المجال التنموي والاستثماري والنشاط المصرفي للبلاد، إضافة إلى محوريّتها في استقلال القرار الوطني؟

يُعتبر القطاع البنكي بشكل عام، أحد القطاعات الرّائدة في الاقتصاد الوطني لأيّ دولة، ليس فقط لدوره الهام في حشد وتعبئة المدّخرات المحلية والأجنبية، وتمويل الاستثمار الذي يمثّل عصب النشاط الاقتصادي، بل لكونه أصبح يمثّل حلقة الاتّصال الأكثر أهميّة مع العالم الخارجي. كما يمثّل أحد الدّعامات الأساسيّة للنّهوض الاقتصادي. فالجهاز البنكي  والاستثمار عنصران متلازمان لإنتاج الثّروة والتنمية على أساس راسخ  ومستدام.

ويشتمل القطاع البنكي في تونس على 21 مؤسّسة بنكيّة مقيمة تتولّى القيام بكلّ العمليات البنكية دون استثناء. وتدير هذه المؤسسات حجم أصول بـحوالي 80 مليار دينار أي ما يعادل تقريبا إجمالي الناتج المحلي للبلاد، وتحتكر البنوك الوطنية الثلاثة – وهي البنك الوطني الفلاحي والشركة التونسية للبنك وبنك الإسكان – 38% من حجم هذه الأصول، إضافة إلى ما تمثّله من دور فعاّل في تمويل قطاعات أساسية للاقتصاد الوطني بنسبة تفوق 40 بالمائة خاصّة في مجالات الفلاحة والصناعات التحويلية والسكن والخدمات.

وبناء على ما تقدّم، يظهر جليّا المكانة الرئيسية والمحورية للبنوك الوطنية في العملية التنموية والاستثمارية المباشرة للبلاد، إضافة إلى ما تمثّله من ثقل تشغيلي، حيث تشغل بشكل مباشر أكثر من 9000 عونا وإطارا من خيرة الكفاءات الوطنية في الميدان.

فلماذا إذا كلّ هذا الحرص على التفويت في هذه البنوك العمومية رغم أهمية دورها؟ كما أنها لم تعد بعد 60 عاما من النشاط والمراكمة، مجرّد مؤسسات بنكية ومصرفية، بل أصبحت ثروة وطنية وتاريخا مصرفيا وجب حمايته والحفاظ عليه وتطويره وتثمينه.

لقد أقرّ صندوق النّقد الدولي خلال منحه لتونس زمن الترويكا القرض الائتماني بحوالي 2.9 مليار دينار خلال شهر جوان 2013، شروط عدّة تندرج ضمن خطة جديدة للإصلاح الهيكلي سيّئ الذكر، وكان من ضمن هذه الشروط القيام بتدقيق للبنوك الوطنية الثلاثة وإعادة رأسملتها من المال العام ، للتفويت فيها جزئيا أوكليا في نهاية المطاف.

ولقد انطلقت عملية التدقيق خلال شهر جويلية 2013 بتمويل ومصاحبة لصيقة من طرف البنك العالمي، وانتهت الدراسة ولا يعلم أحد نتائجها، ولم تنشر إلى حدّ الآن. هذه الدراسة التدقيقية التي على أساسها سنتعرّف على الإشكالات والأسباب الحقيقية وراء العجز الكبير التي تعاني منه البنوك الوطنية من جرّاء الديون الميئوس من سدادها والمقدرة بحوالي 10 مليار دينار.

كما شرعت حكومات الترويكا بكلّ تشكيلاتها، منذ ميزانية 2013 في رأسملة البنوك الوطنية بقيمة 1250 مليون دينار ( 500 م.د سنة 2013، 500 م.د سنة 2014 و250 م.د سنة 2015 ) انتزعت من الاحتياطات الاستراتيجية للشّعب. وبالتالي نفهم جيّدا لماذا قرّرت حكومة النداء – النهضة – وفي تناغم مع شروط صندوق النقط الدولي – الشّروع في إجراءات خصخصة البنوك العموميّة خلال هذه السنة.

ولكن لماذا تعيش بنوكنا الوطنية هذا الوضع، ومن تسبّب في كلّ هذه الأوضاع وجعلها غير قادرة على استرجاع ديونها الضخمة؟ وهل أنّ عمليّات التّفويت حلّ لكلّ هذه الإشكالات؟، أم أنّ العملية مجرّد بيع لحصة الدولة من أجل تغطية عجز الميزانية العامة، مثلما كان يفعل نظام بن علي في إطار الحلول السهلة ولكنها الموجعة بالنسبة للبلاد ولمستقبل الشعب.

لا يختلف اثنان في تونس أنّ منظومة الاستبداد والفساد ومنذ 60 عاما، قد حولت المؤسسات الوطنية إلى غنيمة وملكا خاصا لها ولحاشيتها والدائرين في فلكها. ولقد كانت البنوك الوطنية الثلاث البقرة الحلوب التي يستغل ثروتها وبشكل مجحف كل المنتمين لهذه المنظومة وعلى امتداد كل المراحل السابقة وإلى الآن.

كما تمّ استنزاف المقدّرات والمدّخرات المصرفية للبنوك الوطنية في إطار قروض ضخمة لإنجاز مشاريع وهميّة أو غير مجدية اقتصاديا، وخاصّة في مجالات السياحة والعقارات وغيرها من المشاريع الطفيلية، ومن طرف العائلات الحاكمة والسائرين في ركابها. والأخطر هو أنّ جلّ هذه القروض الممنوحة من طرف البنوك الوطنية لا تستند إلى دراسات جدوى، ولا تتضمّن أيّ ضمانات من طرف المقترضين في إطار منظومة فساد وتخريب ممنهج للمؤسسات البنكية الوطنية، لذلك نجد هذه البنوك اليوم تعاني من صعوبات كبيرة في استرجاع قروضها ممّا يسمّى “رجال الأعمال” الموجودين في البلاد ويديرون مشاريعهم ولكن لهم حماية وغطاءات سياسية من طرف من حكموا ويحكمون الآن انطلاقا من سياسة الابتزاز ووفق نفس المنطق الذي كان بن علي يمارسه مع هؤلاء.

إنّ أموال البنوك الوطنية الثلاثة موجودة لدى هؤلاء وبالتالي فمن الأجدر لو كان الماسكون بالسلطة لهم أبسط الارتباط بالمصالح الوطنية ولهم أدنى درجات الاحترام لهذا الشعب، أن يسترجعوا أموال البنوك المنهوبة فورا وطبقا للقانون باعتبار أنّ هذه الأموال ملكا للشّعب الذي خدعوه بشعارات واهية وبأحلام ورديّة من أجل الوصول إلى الحكم فقط.

إنّ استغلال المدّخرات الاستراتيجية للشّعب من أجل ضخّها في البنوك الوطنية تحت شعار إنقاذها ورأسملتها من جديد، بهدف التفويت فيها وبيعها للرأسمال الأجنبي، يُعدّ التفافا على أهداف الثورة في تحقيق الكرامة الوطنية، ويمثّل تواصلا لمنظومة الفساد التي نحتها بن علي، وبالتالي فإنّ من يحكمون اليوم ليسوا إلاّ الامتداد الطبيعي لمنظومة بن علي بكلّ مقوّماتها وأساليبها ورؤيتها للمال العام على كونه “رزق بليك ” وجب تخريبه من أجل بيعه بأبخس الأثمان للأجنبي، الذي لا يتعامل معنا إلاّ بمنطق الانتهازية والفلكلور وشهائد الدكتوراه الفخرية والمشاركة في مسرحيات سيئة الإخراج والتمثيل.

إنّ التّفويت في البنوك الوطنية التي تمثّل آخر قلاع الاقتصاد الوطني، يرتقي إلى مرتبة الجريمة ضدّ الشّعب والدولة، كما أنه قرار غير دستوري لاعتبار أنّ البنوك الوطنيّة الثلاثة تمثّل ثروة وطنية تدير 38 بالمائة من الأصول المحلية وتساهم بحوالي 40 بالمائة في الاستثمار المباشر للبلاد.

إنّ القوى التقدمية والثورية مطالبة الآن وبشكل ملحّ، خوض معركة حقيقية ضدّ هذا التّمشّي وبكلّ الوسائل المتاحة، لإفشال سياسات وإملاءات صندوق النّقد الدّولي ووكلائه في تونس.

                            الخبير الاقتصادي حسين الرحيلي

                                (صوت الشّعب: العدد 172)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى