الرئيسية / صوت العالم / السودان: شعب ينتصر ومنظومة تناور وتتآمر

السودان: شعب ينتصر ومنظومة تناور وتتآمر

بكل جرأة نضالية، أعلن تجمّع المهنيين السودانيين وشركائه في المجتمع المدني السوداني من القوى المدنية والسياسية يوم 25 ديسمبر 2018 في بيان معبّرا عن الانتفاضة الشعبّية الجارية بالمدن تحت عنوان ” ارحل” وجاء فيه ” نطالبك أنت وحكومتك بالتنحي فورا” مخاطبين بذلك اعلي هرم السلطة السودانية عمر البشير الذي اختار مواجهة الاحتجاجات كعادته بالقمع المفتوح والقتل بكل برودة دم.

 الاحتجاجات: أسبابها المباشرة والقوى الفاعلة فيها

انطلقت موجة الاحتجاجات بالمدينة الساحلية بورتسودان بسبب ارتفاع سعر الخبز بين 3 و5 جنيهات بعدما كان بجنيه واحد، إضافة إلى نقض في كميات “الطّحين” مما أدّى إلى تحديد “حصّة” خاصة بكل فرد وهي لا تتعدى 20 قطعة ذات 70 غرام للواحدة منها مما أدى إلى طوابير طويلة. كما ارتفع سعر البنزين ونقصه مما أدى بدوره إلى شلل في الحركة طالت كافة القطاعات. علما وان نسبة التضخّم بالسودان بلغت 70 بالمائة، كما سجل تراجع سعر الجنيه السوداني مقابل الدولار الأمريكي وسائر العملات الأجنبية حيث بلغ 47.5 جنيه بالمصارف الرسمية و60 جنيه للدولار بالسوق السوداء. ووفقا لتقرير للأمم المتحدة جرت الأحداث الأخيرة في بلد ومنذ سنة 2016 تجاوزت نسبة السكان اللذين يعانون الفقر به 46 بالمائة من مجمل السكان. وعلى إثر اندلاع الاحتجاجات يوم 16 ديسمبر 2018 أطلق نظام عمر البشير العنان لقوات الأمن والمخابرات والجيش لتركيع الحركة الاحتجاجية، وبسرعة بدأت أخبار قتل المتظاهرين بالرّصاص الحيّ تنتشر وتعم البلاد مما جعل تجمّع المهنيين والنقابات يدعون إلى الإضراب العام خلال اليوم السابع من انطلاق الحركة الاحتجاجية، ولكن النظام الدّموي لعمر البشير الذي ألف إخماد الحركات الاحتجاجية بالقمع، سرعان ما أسقط 37 متظاهرا خلال الأيام الأولى. كما بدأ حملة تنكيل واسعة بتوسّع الحركة التي بلغت الخرطوم عاصمة البلاد. منذ الأيام الأولى للحركة الاحتجاجية، كان تجمّع المهنيين السودانيين يوجّه المتظاهرين ويجذّر الحركة الشعبية حتى انه تمكن من تحويلها من مجرد احتجاجات إلى المطالبة برحيل النظام وتسليم السلطة إلى الشعب وذلك خلال العشرة أيام الأولى، حيث أصدر بيان بتاريخ 25 ديسمبر 2018 وهو عبارة عن مذكّرة تتوجه بها الجماهير المنتفضة إلى القصر الرئاسي لمطالبة البشير بالتنحي وتسليم السلطة إلى مدنيين يسهرون على نبذ الحرب والحفاظ على وحدة السودان والقيام بإصلاحات اقتصادية. وقد دعّم هذا التوجه، القوى السياسية المعارضة الأساسية في السودان من بيتهم الحزب الشيوعي السوداني. ويمثل تجمّع المهنيين السودانيين تشكل نقابي، مهني غير قانوني ينشط بعدة مدن ويضم عناصر حزبية من المعارضة. تأسست النواة الأولى للتجمّع سنة 2012 كرد على منع النشاط النقابي وتوظيفه من قبل النظام، ثم توسّع سنة 2016 وظلّت قيادته في السريّة (غير علنية) بعدما اعتقل عمر البشير قياداته الأولى.

نساء تنتصر على نظام معادي للنساء

 يعتبر نظام عمر البشير من أكثر الأنظمة عداوة للنساء، فباعتبار انه يمارس المرجعية الدينية الإسلامية فقد قام منذ وصوله إلى السلطة بقهر المرأة السودانية حارما إيّاها من كافّة حقوقها، وفارضا عليها نمط العيش الاقتصادي والاجتماعي والسلوكي، ومشجّعا العادات والتقاليد القبليّة والعشائريّة الموروثة والمعادية للمرأة. فالمرأة السودانية في عهده تعرضت إلى الجلد في الساحات العامّة والرمي بالحجارة والتعذيب والقتل دون أن يطال مرتكبي ذلك أيّة عقوبة، بل كان ذلك هو النظام السائد في ممارسته القروسطية. لقد بلغ به الأمر خلال حربه على دار فور إلى اغتصابها دون رادع وحرقها وهي حيّة. أما في مجال التعليم فقد أقام الكتاتيب الخاصة بالفتيات وهي عبارة عن محتشدات للتطويع والاستغلال لتدريبهنّ على الطاعة. وخلال الثورة الشعبية الجارية إلى حد الآن، كانت المرأة تصنع من جديد ملحمتها، فكانت “كنداكة”إشارة إلى الملكة النوبيّة الحرّة والمحاربة وتشير كذلك إلى الزيّ الأبيض الذي ترتديه النساء، ويعنى الحرية والسلام، أما أقراط الأذن فهي تعني صورة الشمس والأنوثة” السودان احد أهم عناصر تأجيج الاحتجاجات عبر قيادتها لها والتواجد بها وعبر التعاطف الشعبي بكافة مناطق العالم وهم يشاهدون في الإعلام فتيات سودانيات في الساحات العامة وهنّ ينشدن رايات النصر والانتصار ومن بين أشهرهنّ “آلاء صالح” وهي تغنى قصيد الثورة السودانية “حبوبتي كنداكه”. لقد كان الاتحاد النسائي السوداني في مقدمة الحركة لذلك تم اعتقال عدد منهن مثل زعيمته” عدلية الرئبق” ورئيسة الاتحاد النسائي الديمقراطي للسودان ” منيرة سيد علي” وعضو الاتحاد النسائي والحزب الشيوعي «حنان محمد نور “والشاعرة “سمية اسحق” والمحامية وعضو الاتحاد النسائي “حنان حسن” وعضو الاتحاد النسائي والحزب الشيوعي ” أمال جبر الله” وغيرهن كثيرات. كما فرضت النساء وهنّ مستمرات في ذلك مطلب تمثيل النساء في الحكم المدني الجديد للسودان نسبة تمثيل بـ50 بالمائة بمجلس الحكم الانتقالي.

اندلاع صراع حول طبيعة الدولة القادمة بين المرجعية الدينية والعلمانية

لم يحسم الصراع بعد بين قوى الثورة التي تمكنت من فرض رحيل البشير والاستمرار في التظاهر لنقل السلطة إليها حتى بدأت قوى الإسلام السياسي من جديد العمل على تقسيم المجتمع السوداني على قاعدة دينية مذهبية. حيث اعتبر عدد من الأئمة الموالين للنظام السابق بدعم المؤسسة العسكرية من خلال دعمهم للمجلس العسكري وتحريضهم على قوى الثورة معتبرين إياّهم “شيوعيون وعلمانيون ويريدون دولة بلا أخلاق” كما أنهم دعوا إلى التظاهر يوم الجمعة بقولهم” إن كانوا يحشدون فنحن على الحشد اقدر (…) وسنهتف كما يهتفون لكننا نهتف باسم الله” وأجمعت القوى الإسلامية وأئمّة الجوامع على مطلب “تثبيت الشريعة ودعم المجلس العسكري الانتقالي” وهو رد على مطالب قوى الحرية والتغيير وهو ائتلاف للمعارضة التي تقود الثورة والتي دعت استجابة لشعارات الثورة إلى حكم مدني ديمقراطي يضمن عدم الاستمرار في الحرب ومن اجل السودان موحد. ومن بين الخلافات التي يستغلها المجلس العسكري نقطة مدنية الدولة رغم أن الشعارات التي رفعها المتظاهرون منذ البداية هي الثورة على استغلال الدين والفصل بين الدين والدولة لضمان الحرية للجميع.

السّودان لن يعود إلى ما كان عليه

 لن يعود السّودان إلى ما كان عليه، حتى لو آلت الأمور إلى انتصار نسبي للقوى الإسلامية التي تعمل على تحريك الشارع لإنقاذ دولة مارست الإجرام ضد شعبها باسم تطبيق الشريعة الاسلامية ودعم قيادة المجلس العسكري لتنفيذ ذلك، لان المرتكزات التي قام عليها نظام البشير سقطت دون رجعة، دخل بمقتضاها السّودان مرحلة جديدة من تاريخ تحديد مستقبله. كما أنّ اعتبار ما حصل على رأس السلطة ليس إلاّ انقلابا عسكريا، يبقى موقف غير سليم رغم أن المؤسسة العسكرية لا تزال ماسكة بالسلطة من ناحية وهي التي نحّت عمر البشير من ناحية أخرى، لان ما أقدم عليه الجيش هو نتيجة ثورة شعب تمكنت من قلب موازين القوى لصالحها ولكن لم تتمكن من الخطوة الحاسمة أي افتكاك السلطة لأنها انتفاضة سلمية في مواجهة نظام دموي، رغم ذلك فلقد فقد كافة عناصر استمراره على الشاكلة التي كانت لديه.

وتبقي المرحلة القادمة رهينة موازين القوى رغم أن كافة المؤشرات تؤكد على استمرار الثورة في تحقيق الانتصار تلو الآخر لعلّ أهمّها فرض تراجع القيادة العسكرية عن برنامجها الذي أعلنته يوم 11 افريل 2019 وقبولها بالتفاوض وعدم قدرتها على فرض قانون الطوارئ وحضر التجول في حين أن الاعتصام المستمر أمام وزارة الدفاع بالخرطوم لا يزال مستمرا حتى تحقيق المطالب المرفوعة. إن إرادة الشعوب لا تقهر مهما طال الاستبداد وان قوة الكنداكة السودانية برهنت على أنها قادرة على قلب موازين القوى السياسية والاجتماعية. فالمستقبل بيدها نحو التقدم.

جمهورية السودان
معطيات ضرورية
عدد السكان: 39.419.625 نسمة (تقديرات سنة 2017)
المساحة: 1.886.06 ك.م
1989-عمر البشير: ينفذ انقلاب عسكري ويطيح بحكومة الصادق المهدي
2003-اندلاع مواجهة مسلحة فيما يعرف بحرب دارفور والتي اندلعت نتيجة اضطهاد مستمر لأهالي دارفور من قبل السلطة المركزية لنظام البشير واتخذت طابع قبلي وعرقي وأدت إلى مقتل وتشريد الآلاف من الدارفريين وحرق منازلهم. وصنفت تلك الجرائم بأنها ضد الإنسانية من قبل محكمة العدل الدولية والتي أصدرت في حق عمر البشير وقيادات من نظامه بطاقة جلب.
2009-المحكمة الجنائية الدولية تصدر مذكرة اعتقال ضد عمر البشير في سابقة أولى في العالم لشخص ما يزال يشغل منصب رئيس جمهورية
2011-تصويت الجنوب بالأغلبية من اجل الانفصال وميلاد دولة جنوب السودان
2013-اندلاع احتجاجات شعبية ضد حكم عمر البشير بسبب ارتفاع أسعار المحروقات وخلال تلك الحركة الشعبية تم اعتقال آلاف من العمال والطلاب ومارس عليهم النظام الاخوانى أبشع عمليات التنكيل والتعذيب كما أجمعت عدة مصادر عن قتل حوالي 200 من المتظاهرين من قبل قوات الأمن السوداني –خلال تلك الفترة ولاستيعاب الغضب أعلن عن عدم نيته للترشح للرئاسية سنة 2015.
2018-خلال شهر ديسمبر اندلعت الاحتجاجات في بعض مدن السودان ردا على تري الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتوسعت بسرعة لتشمل العاصمة الخرطوم
2019-اعتقالات واسعة وتنكيل بالمتظاهرين واعتقال قيادات ومناضلين من الحزب الشيوعي السوداني
11 افريل 2019-إعلان الجيش خلع عمر البشير من السلطة لكن الاحتجاجات تواصلت رافضة لرموز النظام القديم بما فيها القيادات العسكرية.

لطفي الهمامي 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى