الرئيسية / صوت العالم / السودان يمضي إلى ما يريد، وطن حرّ و شعب سعيد

السودان يمضي إلى ما يريد، وطن حرّ و شعب سعيد

حبيب الزموري

دشّن الشعب السوداني مسيرة ثورته المظّفرة يوم 19 ديسمبر 2018 بالخروج في مسيرات ومظاهرات للاحتجاج على غلاء الأسعار و تدهور أوضاع البلاد على كافة المستويات تحت نظام الحكم الرجعي لعمر حسن البشير وحلفائه، ومثلما هو الشأن في كل الثورات طوّر الشعب السوداني وعيه وممارسته خلال الأشهر الأخيرة بسرعة الضوء لتتحوّل الاحتجاجات من التنديد بغلاء المعيشة إلى المطالبة بإسقاط النظام الاستبدادي الفاسد وتتخلّص شيئا فشيئا من طابعها العفوي الاحتجاجي وتتحوّل إلى حركة ثورية واضحة البرنامج والتنظيم تواصل صراعها مع بقايا النظام المتهالك، فما هي إذن الخصائص التنظيمية لقيادة الثورة السودانية ؟ ما هو برنامجها ؟ ما هي التحديات التي تواجهها ؟

قيادة ائتلافيّة للثورة السودانية

برزت قوى ” إعلان الحرية و التغيير ” كناطق رسمي باسم الثورة السودانية وتدعّمت هذه المكانة بالتفاف الجماهير الثائرة حول هذه القوى لا سيما بعد الإطاحة بعمر حسن البشير والتزام هذه القوى بمواصلة المسار الثوري بكافة تعقيداته ومواجهة مناورات المجلس العسكري الذي أستحوذ على السلطة مباشرة بعد عزل البشير في محاولة لإنقاذ النظام بالتضحية برأسه، و تتكوّن قوى إعلان الحرية والتغيير من عدة أحزاب ومنظمات وحركات:

تجمّع المهنيين السودانيين، هو تنظيم نقابي بديل عن النقابات الرسمية التي كانت تحت السيطرة المباشرة لنظام البشير، تأسّس منذ سنة 2013 وكان ينشط في السرية إلى حين الإطاحة بالبشير ويتكون من نقابات المحامين الديمقراطيين وشبكة الصحفيين السودانيين ولجنة الأطباء المركزية ولجنة المعلمين السودانيين وعديد التشكيلات النقابية الأخرى.

طالب تجمّع المهنيين من بداية الاحتجاجات بـــ:

  • تنحّي عمر البشير دون قيد أو شرط
  • تشكيل حكومة انتقالية من كفاءات وطنية لمدة أربع سنوات
  • وقف الانتهاكات وإلغاء القوانين المقيّدة للحريات

قوى نداء السودان، تتميّز بتنوّع المرجعيات الإيديولوجية حيث تتكوّن من “قوى أحزاب الإجماع الوطني” التي تضمّ الحزب الشيوعي السوداني والمؤتمر السوداني المعارض وحزب البعث وحزب الناصريين ومبادرة المجتمع المدني والعشرات من منظمات المجتمع المدني، كما تضمّ قوى نداء السودان حزب الأمة الذي يتزعّمه الصادق المهدي وعدة تنظيمات مسلّحة كحركة تحرير السودان (فصيل مني أركو مناوي ) وحركة تحرير السودان ( فصيل عبد الواحد نور ) وحركة العدل والمساواة والحركة الشعبية لتحرير السودان قطاع الشمال. وقد تجمّعت قوى نداء السودان على قاعدة برنامج سياسي يرتكز على:

  • تأسيس دولة المواطنة والديمقراطية
  • الحوار والحل السياسي الشامل
  • إطلاق سراح المعتقلين سياسيا والأسرى والمحكومين سياسيا
  • إلغاء القوانين المقيّدة للحريات وحقوق الإنسان في السودان
  • تشكيل حكومة انتقالية لإدارة مهام الفترة الانتقالية
  • تكوين إدارة متّفق عليها لعمليّة حوار تفضي إلى تحقيق السلام الشامل والتحول الديمقراطي

لئن كانت هذه الجبهة التي قادت الحركة المناهضة للنظام السوداني الرجعي دليلا  على مستوى النضج السياسي والتنظيمي للقوى السياسية والمدنية السودانية التي كانت في مستوى اللحظة التاريخية التي يمر بها السودان بتحالفها على أرضية برنامج الحدّ الأدنى الذي يستجيب لتطلّعات الجماهير الثائرة في مواجهة العدو المشترك المتمثل في النظام الاستبدادي الرجعي بقيادة عمر حسن البشير، فإن تجّذر المسار الثوري وتمسّك الشعب السوداني باستكمال مهام ثورته المظفّرة حتى بعد الإطاحة بالبشير كان كفيلا بإبراز التناقضات التي تشقّ هذا التحالف ورؤية كل طرف لكيفيّة التعامل مع مهام استكمال المسار الثوري وقد عمل المجلس العسكري على تعميق هذه التناقضات بمناوراته للالتفاف على المسار الثوري.

” تسقط بس”

مثلما تحوّل شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” الذي رفعه الشعب التونسي في مستهلّ مساره الثوري إلى شعار أممي تلقّفته الشعوب والطبقات المتعطّشة للتحرّر السياسي والاجتماعي فإن الشعب السوداني كان حريصا على إبداع شعاراته الثورية وكان في مقدّمتها شعار ” تسقط بس ” الذي اختزل معاناة الشعب السوداني طيلة 30 سنة تحت نير نظام الإنقاذ ألإخواني الرجعي ولكنه اختزل في الآن نفسه الإرادة الصماء لملايين السودانيين التي اتّحدت في هاتين الكلمتين دلالة على حتمية إسقاط هذا النظام وقطع طريق العودة إلى الوراء بخطوتين أو بخطوة أو حتى بنصف خطوة أمام المجلس العسكري أولا، الذي يحاول جزافا إنقاذ ما يمكن إنقاذه من النظام القديم بدعم مباشر من الأنظمة الرجعية العربية وفي مقدمتها السعودية ومصر والإمارات، وأمام القوى السياسية والمدنية المتذبذبة التي هرعت إلى المجلس العسكري لتقاسم السلطة معه بشروطه رغم أن الشارع السوداني لا يزال في قمّة عنفوانه الثوري ورغم تورّط المجلس العسكري في محاولات قمع الإعتصامات والمسيرات بالحديد والنار وبالتّواطؤ مع القوى والميليشيات الأشدّ رجعية في المجتمع السوداني، فالمجلس العسكري على قناعة تامّة أن طاولة المفاوضات مع قوى “إعلان الحرية والتغيير” لن تكون سوى ترجمة مكثّفة لتطوّر الأحداث على الأرض وهي قناعة تشاركه فيه خصوصا قوى “أحزاب الإجماع الوطني” و تجمّع المهنيين ومن هنا انبثق الصراع غير المعلن بينهما.

فمن جهة يحاول المجلس العسكري وضع حدّ للتحرّكات الميدانية دون جدوى وتقديم المبادرة تلو الأخرى لتفكيك معسكر قوى الثورة التي تعمل من جهتها على تجذير المسار الثوري وخلق الأطر التنظيمية الملائمة لتأطير المتظاهرين والمعتصمين يوميا والتي تمكّنت من التحوّل إلى تنظيمات بديلة عن التنظيمات والإدارات الرسمية لاسيما في ميدان الاعتصام المركزي بالخرطوم بتقديمها لكافة أنواع الخدمات للمعتصمين، وهي بذلك تضع المجلس العسكري وبقايا نظام الإنقاذ أمام الأمر الثوري الواقع، فإمّا تسليم السلطة بشروط القوى الثورية وإمّا مواجهة مفتوحة في الشارع عبّر الشعب السوداني عن استعداده اللاّمشروط لخوضها برفعه لشعار ” تسقط بس”.

لا بدّ أن يسقط النظام ليحيا الشعب

استوعبت قوى الثورة السودانية كما ينبغي انتكاسة المسار الثوري في بقية البلدان العربية لتنطلق مباشرة في إعطاء دروس ثورية لشعوب تلك البلدان ستستحقّها في المدى القريب، وخلاصة تلك الدروس هي أن تحقيق التحرّر السياسي والاجتماعي بتغيير العلاقات الاجتماعية المتعلّقة بتنظيم الإنتاج وتغيير القاعدة الاجتماعية للسلطة السياسية أو على الأقل تحسين شروط التحرّر يمرّ حتما بإسقاط النظام القائم وتركيز نظام ديمقراطي وطني وشعبي ولا يمكن للأجهزة التي كانت جزءا من نظام الاستبداد والاستغلال أن تكون شريكا كامل الصلاحيات في إقامة النظام البديل ما لم تعلن انحيازها التام واللاّمشروط لقضايا الثورة والشعب واستعدادها للمثول أمام العدالة وهو ما لم يعبّر عنه المجلس العسكري في السودان ولا قوى النظام القديم في بقية البلدان العربية التي اكتفت بالانحناء في انتظار مرور العاصفة الثورية متناسية أن للعواصف والزوابع والثورات مواعيدها القادمة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى