الرئيسية / أقلام / بقلم مرتضى العبيدي: العالم يحبس أنفاسه وهو ينظر صوب اليونان

بقلم مرتضى العبيدي: العالم يحبس أنفاسه وهو ينظر صوب اليونان

الدكتور والباحث والمحاضر: مرتضى العبيدي

الدكتور والباحث والمحاضر: مرتضى العبيدي

كانت الأحداث تتسارع، والجميع يحبس أنفاسه قبل يوم الحسم. الروزنامة التي وضعتها الترويكا للسلطات اليونانية كانت خانقة. هل تستجيب حكومة سيريزا للإملاءات التي تمكّنها من الحصول يوم 28 جوان على القسط الأخير من القرض والذي تبلغ قيمته  7,8 مليون يورو حتى تتمكن بعد يومين فقط من تسديد قسط من ديونها يقدّر بـ 1,6 مليون يورو؟ لا أحد كان بإمكانه الإجابة، فالحذر يسيطر على الجميع. ورغم ما أبداه البعض من تفاؤل في إمكانية التوصل إلى حلّ يرضي الأطراف المتنازعة، فإن الخوف من الاحتمال المقابل كان سائدا لأنّ لا أحد بإمكانه تقدير انعكاسات ذلك ليس على اليونان فحسب، بل على كامل أوروبا. لذلك ارتأينا أن نستعرض بعض الأحداث الهامّة التي سجّلت خلال الأيام الأخيرة التي سبقت موعدي 28 و30 جوان الجاري.

10 جوان:الموسيقار الكبير ميكيس تيودوراكيس يتوجه بنداء إلى الشعب اليوناني من أجل إقامة “جبهة وطنية اجتماعية”

          دعا الموسيقار الكبير ميكيس تيودوراكيس وأحد أبرز وجوه المقاومة المعادية للامبريالية والفاشية في اليونان في نداء توجه به للشعب اليوناني إلى الإسراع بتشكيل ما أسماه بـ “جبهة وطنية اجتماعية” على غرار “جبهة التحرير الوطني” الذي أقامتها مكوّنات سياسية واجتماعية عديدة بمبادرة من الحزب الشيوعي اليوناني لمقاومة الاحتلال النازي في بداية أربعينيات القرن الماضي، والتي التحق تيودوراكيس بصفوفها وهو لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره. وقال إنّ مثل هذه الجبهة التي قادت الشعب اليوناني إلى الانتصار على النازية في وقت سابق ستقوده اليوم حتما إلى الانتصار على كواسر الرأسمال العالمي الذين لا يريدون خيرا بالشعب اليوناني. وأضاف أنّ خلاص اليونان يرتكز على ثلاث مقوّمات:

ـ إقامة الجبهة الوطنية الاجتماعية فورا

ـ استغلال الثروات الوطنية لصالح الشعب اليوناني

ـ إقامة علاقات دولية جديدة مع الدول التي تحترم الشعب اليوناني واستقلال بلاده.

          وأكد أن ما يحاول صندوق النقد الدولي فرضه على اليونان هو في الواقع رسالة موجّهة إلى كافة شعوب العالم وخاصة منها شعوب أوروبا مفادها أنّ اختيار حكّام جدد ذوي توجهات يسارية ليس سوى مغامرة غير محمودة العواقب وجب تلافيها. وقال إنّ ما كان يسمّى بالحرب الباردة لم تنته وأنّ الغرب بدوله ومؤسساته العسكرية والاقتصادية (الحلف الأطلسي، البنك العالمي، صندوق النقد الدولي) مازال يتصرّف بحقد دفين إزاء الشيوعية ويراها شبحا قائما في كل حركة بسيطة تقاوم إن هنا أو هناك سطوة رأس المال وجشعه.

15 ـ 22 جوان: اليسار الفرنسي يضغط على فرانسوا هولاند:

          وفي فرنسا، أصدر خمسون من الشخصيات السياسية والجمعياتية المرموقة من بينهم جان لوك ميلنشون، زعيم جبهة اليسار، وبيار لوران، الأمين العام للحزب الشيوعي الفرنسي بيانا موجّها إلى رئيس الجمهورية الفرنسية طالبوه فيه برفض الانجرار وراء ما يُخطّط للشعب اليوناني المراد عزله على محيطه الأوروبي، ومعاقبته على اختياره بشكل حرّ وواع لقيادة جديدة، وقد  التقى صبيحة يوم الإثنين 22 جوان وفد من أحزاب اليسار الفرنسي ومن النقابات ومن منظمات المجتمع المدني بالرئيس فرنسوا هولاند قبل سفره لحضور اجتماع القمة الأوروبية التي من المفروض أن تقرّر مصير علاقة اليونان بأوروبا. وطالبوه أن تلعب فرنسا دورا إيجابيا لإيجاد حلّ للأزمة القائمة بين اليونان من جهة ومؤسسات الاتحاد الأوروبي وبعض الدول الأوروبية من جهة أخرى. وكانت عديد المدن الفرنسية شهدت ومازالت تشهد طوال الأسبوع مسيرات مندّدة بسياسات التقشف ومساندة للشعب اليوناني في معركته ضدّ أباطرة رأس المال العالمي.

17 ـ 18 جوان: لجنة التدقيق العالمية في ديون اليونان تصدر تقريرها: “ديون اليونان ديون كريهة غير قانونية وغير شرعية”

          صرّح الخبير الاقتصادي “إيريك توسّان” رئيس اللجنة الدولة لفسخ ديون بلدان العالم الثالث، والذي عيّنه البرلمان اليوناني لرئاسة لجنة التدقيق في الديون اليونانية “أنّ الجزء الأكبر من ديون اليونان هي ديون كريهة، غير قانونية وغير شرعية”. وأوضح إبّان تقديمه لتقرير اللجنة التي ترأسها للغرض والتي تشكلت من  خيرة الخبراء الاقتصاديين في العالم أن الخروقات القانونية التي صاحبت إسناد هذه القروض لليونان لا تحصى ولا تعدّ ممّا يؤهّل اليونان ـ طبقا للقوانين الدولية ذات الصلة ـ أن يعلن من جانب واحد رفضه لتسديد تلك الديون. وقد تضمّن التقرير تسعة فصول تعلقت بالديون الحاصلة في الفترة السابقة لمجيء الترويكا، ثمّ بالديون في عهد الترويكا أي بين سنتي 2010 و2015، ثمّ بالدين العمومي، وبميكانيزمات الدين في اليونان، ثمّ بشروط الإقراض المجحفة، ثمّ بانعكاسات برامج الإنقاذ على حقوق الإنسان في اليونان، ثم بالمسائل القانونية المتعلقة باتفاقيات القروض، ثم بتقدير الأجزاء الكريهة من الديون ليخلص التقرير إلى حقّ اليونان في رفض تسديد هذه الديون.

19 جوان: لقاء تسيبراس ببوتين

          بدعوة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تحوّل ألكسيس تسيبراس للمشاركة في المنتدى الاقتصادي العالمي بمدينة سان بطرسبورغ، وهي المرّة الثانية التي يلتقي فيها الرجلان خلال ثلاثة أشهر بعد زيارة تسيبراس الأولى يوم 8 أفريل الماضي والتي كانت أغضبت في وقتها قادة الدول الأوروبية الذين طالبوا الوزير الأول اليوناني بمزيد من الانضباط حتى تواجه أوروبا بصفة موحّدة الخصم الروسي فيما يتعلق بالمسائل ذات الخلاف وخاصة منها المسألة الأوكرانية. إلا أنّ تسيبراس لم يكتف بملاقاة الرئبس الروسي فحسب بل إنّ وزيره للطاقة كان قد أمضى قبل اللقاء بسويعات بروتوكول اتفاق مع نظيره الروسي يقضي بتكوين شركة مشتركة مناصفة في مجال الطاقة تتولى مدّ قنوات الغاز الطبيعي من روسيا حتى اليونان لتصبح هذه الأخيرة قوّة في هذا المجال بمقدورها تزويد كامل بلدان أوروبا الجنوبية بحاجياتها من هذه المادة. كما تمّت الإشارة في البلاغات الرسمية إلى حصول اتفاقات في مجالات عديدة أخرى لم يُفصح عن فحواها. وهو ما اعتبر صفعة حقيقية لبعض الساسة الأوروبيين الذين يدفعون باليونان دفعا للانسلاخ من الاتحاد الأوروبي ومن منطقة اليورو.

22 جوان: في ليلة الحسم، مظاهرات صاخبة في أثينا

          جماهير غفيرة تتوافد على ميدان “سانتاغما”، قبالة مبنى البرلمان اليوناني، مقرّة العزم على التجمّع كامل الليل للتعبير على رفضها لما هو بصدد التقرير في عواصم أوروبية أخرى بشأن بلادهم. وبالموازاة مع توافدها، كانت الجموع تنقسم إلى قسمين إذ كان بعضها يلوّح بالعلم اليوناني فقط كتعبير منه على المطالبة بالانسلاخ من الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو، بينما كانت الأغلبية الساحقة من الحاضرين تلوّح بالعلمين معا علم اليونان وعلم الاتحاد الأوروبي، تعبيرا منهاعلى الرغبة بل المطالبة بالبقاء ضمن الاتحاد الأوروبي، وهو الأمر الذي لم يعد مضمونا منذ مدّة إذا ما واصلت العواصم الأوروبية ضغطها على الحكومة اليونانية وإجبارها على الاستجابة لإملاءاتها.

          والغريب في الأمر أن الجمعين لا يعكسان البتّة توازنات المشهد القائم في البرلمان اليوناني، إذ نجد في الشق الأول مثلا أي المؤيّدين للانسلاخ مناضلي وأنصار الحزب الشيوعي اليوناني، جنبا إلى جنب مع أنصار “حزب اليونانيين المستقلين” وهو الحزب القومي اليميني الذي قبل بالمشاركة في حكومة سيريزا وإلى جانبهم العديد من مكوّنات حزب سيريزا نفسه القائلة بضرورة المغادرة. بينما تقف في الجانب المقابل مكوّنات سيريزا المؤيّدة للبقاء والحزب الشعبي اليوناني اليميني والحزب الاشتراكي اللذان أنهت الانتخابات الأخيرة سيطرتهما على الحكم في اليونان.

19 ـ 27 جوان: أسبوع الغليان الشعبي في العواصم الأوروبية مساندة للشعب اليوناني وتنديدا بسياسات التقشف

          يوم 20 جوان هو اليوم العالمي للاجئين، وقد كان من المقرّر أن يتمّ بالمناسبة تنظيم مسيرات في كبرى المدن الأوروبية، إلا أن تطوّر الأوضاع باليونان في هذا الأسبوع الحاسم، جعل هذه المسيرات لا تقتصر على التعبير عن المساندة لللاجئين حيثما كانوا بل للتعبير كذلك عن المساندة للشعب اليوناني في مواجهته لإملاءات رأس المال العالمي الظالمة. ففي باريس، انتظمت هذه المسيرة يوم السبت 20 جوان وقد اختلطت فيها رايات الأحزاب اليسارية والنقابات الكبرى بأعلام اليونان للتعبير عن التضامن مع هذا البلد وشعبه، وقد كُتب على إحدى اللافتات الشعار التالي: “اليونان، فرنسا، أوروبا: التقشف يقتل، الديمقراطية تموت، فلنقاوم”. وقد شارك مناضلو الجبهة التونسية من أبناء تونس المهاجرين في هذه المسيرة ورفعوا اللافتات المعبّرة عن المساندة لقضايا اللاجئين كما للمعركة التي يخوضها الشعب اليوناني. وقد انتظمت مسيرات مماثلة في عديد المدن الفرنسية وكذلك في برلين وفرانكفورت ولندن. وهكذا تتّضح أنّه كلما عبّر شعب ما عن استعداده للمقاومة إلا وبرزت مجدّدا مظاهر التضامن الأممي معه، لأنّ الشعوب تعي بحسّها أنّ الامبريالية إذا ما استفردت بشعب وأخضعته إلى إملاءاتها، فإنّ الدور قادم على غيره من الشعوب.

صوت الشعب عدد 182، بتاريخ 26 جوان 2015

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى