الرئيسية / صوت الوطن / العلاقة بين التطرّف الديني والمناهج التعليمية: الاغتراب والإرهاب

العلاقة بين التطرّف الديني والمناهج التعليمية: الاغتراب والإرهاب

هنالك حقيقةمفزعةومقلقةلاجدالفيهاتتمثّل في النّزوع نحو الإرهاب من طرف العديد من حاملي الشهادات الجامعية في الاختصاصات العلميّة، حيث أن عددا كبيرا من الإرهابيين الذين تحوّلوا إلى سوريا والعراق هم من خرّيجي هذه الشعب، نجد من بينهم بالخصوص مهندسين وأطباء. نتساءل هنا عن طبيعة العلاقة الموجودة بين هذه العلوم وهذا السلوك المرضي، هل أن المشكل يكمن في مضامينوتنظيم الأولى أم في كيفية استيعابها من طرف هؤلاء؟

زمن مدرسي مختل وضوارب غير متكافئة

إن هذا الاستنتاج الصّادميبرز من خلال تاريخ الجامعة التونسيةحيث مثّلت دائما مدارس الهندسة، على غرار المدرسة العليا للمهندسين بتونس،وكذلك كليات العلوم والطب،معاقل الطّلبة الإسلاميين المتطرّفين وبالتالي وكر الظلامية والجمود الفكري على عكس كليات الآداب والعلوم الإنسانية وأيضا العلوم القانونية التي تعتبر قلعة الطلبة اليساريين ومنابر لنحت الفكر المستنير وللنقاشات السياسية بين مختلفالتنظيمات السياسية التقدمية والديمقراطية وساحات نضال للحركة الطلابية.untitled-2

في حقيقة الأمر يبدأ هذا المشكل قبل الجامعة بسنوات عديدة،أي منذ السنوات الأولى للدراسة أين يولد ويترعرع الفكر المتشدّد والمنغلق والرافض للآخر المختلف، ممّا يحملنا للتساؤل هنا حول دور المدرسة في صقل العقول والتأطير وتهذيب الأخلاق والسلوك: هل أنها حادت عن كل هذه القيم والأهداف؟

علينا أن لا نتفاجأ من هذه الحقيقة المؤسفة والمخيّبة للآمال بما أن جميع هذه النتائج منتظرة ومتوقّعةبالنظر إلى محتوى المواد الدراسية وطريقة تنظيمها. المثال النموذجي في هذا الإطار يكمن في المرحلة الثانوية أين يغلب طابع التخصّص على برامج الشعب العلمية والتقنية، وفي المقابل لا يترك سوى حيّز بسيط للمواد الأدبية وللعلوم الإنسانية.ولنا أن نتبين ذلك عبر الزمن المدرسي والضوارب الممنوحة لهذه المواد. فبالنسبة للأوّل، لنعلم أن الزّمن المخصّص لتدريس مواد العربيةوالفرنسية والانكليزية لا يتجاوز الساعتين أو الثلاث ساعات في الأسبوع بالنسبة لشعبة الرياضيات وشعبة العلوم التطبيقية،ونفس الشيء بالنسبة لمواد التاريخ والجغرافيا والفلسفة. والوضع أكثر قتامة في شعبة التقنية بما أن هذا الزمن لا يتجاوز الساعتين أسبوعيا بالنسبة لجميع هذه المواد، ولنا أن نتمثّل درجة استيعاب وفهم هذه الدروس من طرف المتلقي في ظل هذاالمناخ الذي لا يشجّع على تغذية روح الاطّلاع وحب المعرفة لدى التلميذ.

هذا يعني أن تدريس هذه المواد لا يعدو أن يكون تلقينا سطحيا وغير قادر أن ينمّي لديه ملكة التفكير النقديالذي يمكنه من إدراكخفايا وأسرار هذا العالم المشوّه بالخدع والأكاذيب.

إن عدم الاهتمام بهذه المواد من قبل المتلقي يتضاعف بسبب الضوارب الضعيفة المسندة إليها والتي ليست الا نتيجة مباشرة للمنزلة الدنيا التي تحتلها في سلم المواد. إذا كما نرى فإن المواد الأدبية ومواد العلوم الانسانية تبقى خارج دائرة اهتمامات تلامذة الشعب العلمية والتقنية الشيء الذي يولد لديهم تفقير فكري يتدعّم أكثر فأكثر بعامل آخر ليس أقل تدميرا للعقول.هذه السبورة السوداء تبرز بصفة جلية عبر الزمن المدرسي أين يحتل التعليم الديني نصيب الأسد بداية من السنة الأولى للتعليم الابتدائي وبدون انقطاع إلى حدود السنوات النهائية للتعليم الثانوي كما سوف نبين ذلك.

إن الاختلال بين المواد يبدأ منذ هذه المرحلة الابتدائية بما أن تدريس التاريخ والجغرافيا والتربية المدنية يستهل في الدرجة الثالثة من هذا التعليمأي في مستوى السنتين الخامسة والسادسة وبطريقة خجولة جدا حيث لا يتجاوز الساعة أسبوعيا بالنسبة لكل مادة.

إصلاح منظومة التعليم العالي والبحث العلمي من الأولويات

أما بالنسبة للمواد الترفيهية مثل الموسيقى والرسم والتربية البدنية فإنها تقبع في مرتبة متدنّية ولا تتجاوز دور الكمبرس وذلك بالنظر إلى المكانة التي تبوّأها ضمن جدول الأوقات،وبالتالي فهي ليست قادرة على لعب دور هام والتأثير إيجابا على التلاميذ بمنحهم التوازن النفسي المطلوب وصقل مواهبهم بالقدر الكافي.

وتستمر هذه الوضعية الغير متكافئة في المرحلة الإعدادية أين يتمتّع على سبيل المثال التعليم الديني بزمن مدرسي وبضارب أهمّ من مادتي التاريخ والجغرافيا.الأسوأ من ذلك هو أن تدريس التربية المدنيةينقطع بداية من السنة الثانية ثانوي في جميع الشعب العلمية وشعبة الاقتصاد والتصرفوتتواصل إلى السنة الموالية فقط في شعبة الآدابلأن جهابذة مصمّمي البرامج التعليمية قرّروا أن تلاميذنا قد استوعبوافي هذا المستوى الدّراسي كل القيم المدنية ولم يعودوا بحاجة إلى تلقين إضافي في هذا الشأن بينما تواصل التربية الدينية طريقها بكل أريحيّة إلى مستوى البكالوريا كما أسلفنا أينيتغير إسمها لتصبح “التفكير الإسلامي”. فيحين أن الفكر الإنساني، أي الفلسفة، لا تدرّس إلا بداية من السنة الثالثة ثانوي وذلك في كل الشعب وبضارب متواضع جدا باستثناء شعبة الآداب طبعا.

لقد تفطّن وزير التربية الأسبق محمد الشرفي إلى الخطورةالتي تمثّلها مادة التربية الإسلامية في المناهج التعليمية والدّور الذي تلعبه في تغذية التطرّف ونشرها للأفكار المنغلقة فسارع بإحداث تغييرات في صلبها ممّا دفع آنذاك قياديي حركة النهضة على غرار حمادي الجبالي إلى اتّهامه ب “تجفيف المنابع”مبرزا من خلال ذلك أن الإسلاميين استوعبوا كما يجب مقولة المفكّر “لويس التوسير”:“المدرسة هي الجهاز الإيديولوجي للدولة”.وفي السنوات الأخيرة قام القيادي النهضاوي الآخر عبد الفتاح مورو بتدعيم هذه الفكرة حينما صرح للوهابي وجدي غنيم بأن ما يهمهم هم أبناء التونسيين.

هذا يعني أن أسلمة المجتمع وقولبة العقولتمرّ بالضرورة عبر المدرسة أينيحرصون كلّ الحرص على الحفاظ على المرتبة المتميّزة جدا التي تتمتّع بها التربية الإسلامية على حساب المواد الأدبية والعلوم الإنسانية. لذلك نراهم يعتمدون تكتيك أفضل طريقة للدفاع هي الهجوم وذلك بالادّعاء أن “التصحر الديني الذي حصل في عهد بن علي هو الذي أنتج التطرف”.

غريب أمر هذا التصحر الذي يتمّ خلاله بناء آلاف المساجد وإهمال المدرسة والمعهد،لكن الأغربمن كل هذا هو أن تتبنّى هذا الموقف شخصيات تدعي العلمانية أمثال وزير التربية الحالي.

إن هذه الوضعية التي تشهدها المدرسة التونسية تجعل من التسريع في إصلاح المنظومة التربوية المعطّل مسألة ملحّة وأساسية، إذ لم نرى منه إلى حد الآن سوى تغيير الزمن المدرسي فيحين لم تنه اللجنة الأهمّ، ألا وهي لجنةالتقييم والبرامج أشغالها. إن هذا التعطّل مدعاة للقلق والتشكيك في نوايا بعض الأطراف السياسية الماسكة بالحكم خصوصا منها الإسلامية.

كل هذه الأسباب تتطلب يقظة عالية من قبل القوى التقدمية والديمقراطية حتى تنخرط في هذا المشروع الاصلاحي للمنظومة التربوية والعمل على تصيبها في الاتجاه الصحيح حتى نتمكن من محاربة التطرف الديني الذي يتطلب مقاربة شاملة يعد التعليممن أهم أركانها إلى جانب العناصر الأخرى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية.

لكن يبقى هذا المجهود منقوصا طالما لم يقع تفعيل مشروع اصلاح منظومة التعليم العالي والبحث العلمي والذي يؤكد على ضرورة تدريس المواد الأدبية والعلوم الانسانية في الشعب العلمية، هذا التفعيل أصبح ملحا أكثر من أي وقت مضى خصوصا بعدما أكّدت دراسة قام بها مرصد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن 70 %من الإرهابيين المتواجدين في سوريا والعراق هم من الطلبة…

فوزي القصيبي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى