أخبار عاجلة
الرئيسية / صوت الجهات / القيروان:نسق الاحتجاجات في تصاعد

القيروان:نسق الاحتجاجات في تصاعد

يمكن للمتابع للتحركات الاحتجاجية في البلاد أن يرى بالعين المجردة أنّ نسق الاحتجاجات خلال هذه الفترة من السنة – شهر أفريل- سجل ارتفاعا مقارنة بنفس الفترة من السنة الماضية.

 المؤشرات دلت منذ البداية أنّ سنة 2019 ستكون سنة المعارك الدامية ضد الخيارات الليبرالية المجحفة لحكومة يوسف الشاهد وإجراءاتها اللاشعبية واللاوطنية. وبالنظر إلى أداء السلطات الذي ما انفك يعمّق الاحتقان الاجتماعي. أتحدث هنا عن ارتفاع وتيرة الحركة خلال شهري سبتمبر وجانفي المنقضيين، إلاّ أنّ الحكومة تنفست الصعداء مع حالة التراجع النسبي للحركة بعيد ذلك معتقدة أنه بانقضاء شهر جانفي يكون موسم الاحتجاجات قد ولىّ. ربما هي سلطة العادة وهو ما وقع تصديره للأسف لبعض القوى الثورية في البلاد التي طوت صفحة الشارع وعدّلت بوصلتها على الإعداد للمحطة الانتخابية لتندلع التحركات وتفند هذه التوقعات. ورغم وجود بعض التحركات الفردية إلاّ أن التحركات ذات الطابع الاجتماعي والاقتصادي كانت هي الطاغية على المشهد. وقد غطت مختلف أرجاء البلاد من جنوبها إلى شمالها وإن بتفاوت.

ولاية القيروان في المرتبة الأولى من حيث عدد التحركات

وسط هذا الزخم، ينحصر نصف التحركات تقريبا في ولايات القيروان وقفصة وسيدي بوزيد، ثالوث الفقر والقهر. كما نجد أن ولاية القيروان تحتل للسنة الثالثة على التوالي الترتيب الأول من حيث التحركات الاحتجاجية والمطلبية الاجتماعية.  ففي شهر سبتمبر المنقضي مثلا استأثرت بـ125 تحركا من جملة 591 على مستوى وطني (عن دراسة لمنتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية) أي ما يقارب ربع التحركات على مستوى وطني. ولعل هذا مفهوم بل ومتوقع باعتبار أنّ القيروان تحتل المرتبة قبل الأخيرة في التنمية والمرتبة الأولى بين ولايات الجمهورية في الفقر المدقع مع ضعف فادح للنشاط الاقتصادي (ليس المشكل منحصرا في عدم تنوعه بل في غيابه تماما وغياب حتى نوايا الاستثمار) وبالتالي عدم تسجيل أي تغيير في الوضع الاقتصادي والاجتماعي للجهة، وذلك سنة فقط قبل الإنتهاء من مخطط التنمية الخماسي 2015-2020 مما جعل تعهدات السلط والحكومة في خانة الوعود الزائفة.

تعدّدت الملفات التي طرحها من رحم المعاناة أهالي القيروان، فشهدنا احتجاجات للمطالبة بالتزود بالماء الصالح للشراب وهي معضلة تعاني منها مناطق عدة بالولاية خاصة مع ملف فساد الجمعيات المائية، تحركات أخرى نددت بالواقع الصحي في الجهة من ذلك اهتراء المستشفيات وغياب المعدات والإطار الطبي والشبه طبي (ولاية دون مبنج لأشهر) وغياب مراكز الصحة الأساسية في عدة مناطق ريفية وغياب سيارة إسعاف مع الاشارة أنّ ولاية القيروان من أكثر الولايات المترامية والتي بها مناطق تبعد حوالي 70 كلم عن مركز الولاية والنتيجة، وفي القرن الحادي والعشرين، حالة وفاة بمعتمدية حاجب العيون إثر لدغة عقرب بسبب التعطل في الوصول للمستشفى!!

تزامنا مع العودة المدرسية انطلقت أيضا احتجاجات بعدة مناطق ومعتمديات تنديدا بنقص الإطار التربوي (بعض المدارس لم يكن بها سوى مدير خلال العودة المدرسية) والبنية التحتية للمؤسسات التربوية وبغياب النقل المدرسي بعدة مناطق “يا وخياني راني تعبت ماعادش انجم نتنفس” كانت هذه آخر كلمات التلميذة بالمدرسة الاعدادية ببوحجلة “أميرة عيساوي” قبل أن تلفظ أنفاسها بعد 5 كلم مشيا على الأقدام نظرا لغياب النقل).

احتجاجات أخرى كانت مرتبطة بمعضلة المشاكل العقارية المتراكمة بالجهة ووضعية بعض الأراضي الدولية وصولا إلى الفساد والمحسوبية في توزيع بعض المقاسم على المعطلين عن العمل وقد أجبرت هذه التحركات السلط الجهوية على التراجع عن القائمة التي متعتها بهذه المقاسم وفتح باب قبول الملفات والمطالب من جديد.

ملف التشغيل في صدارة التحركات

هذا ما يحيلنا على الملف الأخير الذي مثل وما يزال أحد أبرز العناوين التي يطرحها الحراك في الجهة، ألا وهو المطالبة بالتشغيل. وتعددت الأشكال في هذا الصدد من وقفات احتجاجية أمام مقر الولاية واعتصامات وصولا إلى غلق الطريق أمام انسداد الأفق وغياب الحلول أو حتى مؤشراتها.

محمد علي الشهيبي، معطل عن العمل من حاملي الشهادات العليا مازال معتصما إلى حد اللحظة بمقر معتمدية بوحجلة أين أتم بتاريخ 17 أفريل 100 يوما من اعتصام أطلق عليه تسمية: اعتصام ضاع العمر، وهو الذي تعرض رفقة أربعة معطلين آخرين من أبناء جهته لمحاكمة على خلفية تحرك احتجاجي ببوحجلة للمطالبة بالتنمية والتشغيل. ومايزال محمد علي إلى غاية اليوم “يرشم” أيام اعتصامه يوما بيوم على جدران المعتمدية – الزنزانة وسط لامبالاة وتملص تام للسلطة المحلية والجهوية.

مجموعة ثانية من المعطلين يعتصمون منذ ما يقارب الشهر أمام مقر الولاية، في حين اختارت مجموعة ثالثة من المعطلين من الحالات الاجتماعية القيام بوقفات دورية أمام الولاية دون تقدم أو أي بوادر لإيجاد حلول الى غاية اليوم، وصولا الى الأربع معطلات اللاتي شاركن في اعتصام السنة الفارطة دام قرابة شهرين أمام مقر الولاية وأثثن اعتصاما ثانيا في مستهل هذه السنة في نفس المكان ليجدن أنفسهن أمام سياسة التسويف والمماطلة يحضن إضراب جوع من أجل حقهم الدستوري في شغل لائق.

نسق الاحتجاجات يرتفع، وعلى القوى الثورية تحمل مسؤوليتها

إن الخيارات الليبرالية واللاشعبية لحكومة يوسف الشاهد، وتنكرها لمطالب وانتظارات الفئات المهمشة والكادحة والشعبية ما انفك يزيد الأوضاع تعفنا واحتقانا، وإن هذه المؤشرات تنبئ بانفجارات آتية لامحالة  فالأزمة هذه المرة تتجاوز قدرة المنظومة على محاصرة الاحتجاجات في الجهات وتفكيكها، وعزل موجات الغضب خارج المجال السياسي وإحباط الحراك الاجتماعي عبر جره إلى التفاوض حول الجزئيات والمطالب القطاعية أو الفئوية الضيقة للحيلولة  دون طرح مراجعة السياسات الحكومية والخيارات الاقتصادية التي أثبتت مختلف المحطات إفلاسها. كما أن الحل الأمني الذي ما انفكت الحكومة تلجأ إليه في المدة الأخيرة بمحاكمة نشطاء الحراك الاجتماعي أثبت هو الآخر عجزه عن إخماد الاحتجاجات والتحركات، بل وقد تحولت هذه المحاكمات في حد ذاتها إلى محطات نضالية متمسكة بمكسب الحريات والديمقراطية ومشهرة بالائتلاف الحاكم وخياراته وسعيه المحموم إلى العودة إلى مربع ما قبل الثورة، مربع الديكتاتورية.

الحركة لم تخمد بل هي آخذة في التصاعد والتجذر وحريّ هنا بالقوى الثورية وعلى رأسها الجبهة الشعبية التجنّد ورصّ الصفوف ومزيد الإعداد لخوض المعارك القادمة وتسليحها ببرنامج سياسي- اقتصادي واجتماعي، يؤسس للتنمية العادلة بين الجهات كركيزة لمجتمع المساواة والعدالة الاجتماعية في إطار مشروع وطني كبير من أجل بناء وطن يتّسع للجميع، للكادحين به مكان، للمفقرين والمهمشين به مكان، للمعطلين داخله أمل… وطن بحق لا أكذوبة أو غربة مقنعة.

ألفة بعزاوي 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى