الرئيسية / الورقية / “الماركتينغ والكاستينغ” يعفّن المشهد السّياسي في تونس

“الماركتينغ والكاستينغ” يعفّن المشهد السّياسي في تونس

عندما تصبح السّياسة المهيمنة والمسيطِرة على حاضر الشعب التونسي بيد مجموعات ولوبيات مالية تستعمل الحيل والتمويه والتحيّل عبر تسخير “ماكينة” صناعة رأي عام لصالحها، يصبح المشهد السياسي – بما هو تعبير عن أسس تنظّم المجتمع وسيادة الدولة – متعفّنا إلى درجة العزوف عن المشاركة في أي فعل أو رؤية، بما في ذلك الواجبات المواطنية في اختيار ممثليهم أو ترشيح أنفسهم.

 

ومن بين أخطر عناصر تدمير السّياسة من قبل اللوبيات هي إشاعة فكرة التّسوية بين كافة النشطاء في الحقل السياسي، وتلبيسهم نفس الخصائص السلبية والعمل على ترويج ذلك لمدة طويلة عبر وسائط متعددة حتى تترسّخ تدريجيا في ذهن المواطنين. من بين أهمّ عناصر التّعفن السّياسي كذلك إشاعة الشّك بين الجميع حتى بلوغ فكرة أنّ كل الأحزاب “كيف كيف” وكل السّياسيين “كيف كيف”، وفي نفس الوقت يروّجون لبدائلهم التي تقوم على الأشخاص اللذين اختاروهم عبر “كاستينغ” حتى يتقمّصوا أدوارا تمّ اختيارها لهم مسبقا.

 التّحيّل مع سابقيّة الإضمار والتّرصّد

لقد حوّلوا السياسة وإدارة الشأن العام إلى تجارة. وحوّلوا العلوم التي تهتمّ بالسياسة مثل الاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع السياسي والفلسفة السياسية وعلوم الاتصال والبيداغوجيا وغيرها إلى ذيل من ذيول إدارة الأعمال باستغلال أحد فروعه وهو “الماركتينغ”، أي التّسويق. فالتّسويق السّياسي يتمّ تنفيذه تماما مثلما يتمّ تنفيذ مخططات التسويق للبضائع من قبل المؤسسات التجارية والصناعية.

يُعتبر “الماركتينغ” منظومة ورؤية لها أهدافها ومرجعياتها الإيديولوجية وهو ليس مجرد نسق إجرائي للمؤسسات مثلما يروجون. فـ”الماركتينغ” هي عملية رصد وتكييف للفرص التجارية المربحة لكي تضع خطة عملية من أجل استغلال دائم لتلك الفرص، ومن أجل بلوغ الغاية الربحية يتم تحليل السوق والتخطيط للتوزيع وضبط السعر.

لكنّ أهمّ عملية، هي كيفية تقديم المواد، حيث يتم تقديمها بطريقة تساهم في جعل المستهلك يتخذ قرارا لصالح تلك المواد حتى أنه يمكن أن يشترى عدة نماذج لمادة واحدة ولاستعمال واحد. وكل ذلك ينبني على دراسة نفسية وسلوك المستهلك وعاداته وغيره من جوانب حياته الخاصة والعامة. ومن ثمة يتم تقديم البضائع على ذلك النحو. فالتّسويق يقوم على معرفة مسبقة بخصوصيات المستهلك. من هذا المنطلق تقوم الشركات بتوظيف المال وتركيز وحدات البحث والتجسّس على المواطنين حتى تتمكن من معرفة نفسياتهم وطلباتهم وحتى تتمكن من تغيير تلك النفسيات والطلبات عبر وضع استراتيجيات تستمر في بعض الأحيان عشرات السنين. ومن أجل ترويج وتسويق موادهم يغلفونها بأحسن الصفات والسمات ويتقنون مظهرها الخارجي ويستعملون أحدث الوسائل لإخراجها في أبهي الحلل، فيكون المظهر الخارجي الأساس الذي تباع وتشترى به المواد إلى درجة تغييب سبب طلب تلك المادة من قبل المستهلك أي غرضه من شرائها، وبذلك يكون قد اشترى ما يريدون هم ترويجه.

هذا الأسلوب نقلوه إلى السّياسة، فمن أجل تقديم بضاعتهم السياسية أو من أجل سدّ الباب ضد قوى اجتماعية أو سياسية تهدّد مصالحهم يعملون على تنفيذ “الماركتينغ” لبلوغ هدفهم. هذا ما يفعلونه اليوم في تونس من أجل الاستفادة الدائمة من الوضع الحالي وتحديد ملامح المستقبل حتى يكون بين أيديهم. وذلك عبر تغيير المناخ الذهني الذي تأسس بعد الثورة لدى المواطنين.

ليس اعتباطيا أن يتحول نقد الأحزاب في طريقة تنظمها وأسلوب نضالها السياسي واعتبارها شكلا من أشكال الإضرار بالمصلحة العامة وشيطنتها على كافة الأصعدة بما في ذلك تاريخها. إنه عمل دؤوب من أجل تغيير عادات التونسي “الاستهلاكية” في مجال الرؤية السياسية مقابل تقديم العمل السياسي الفرداني كنموذج. ومن أجل ذلك جعلوا من فكرة العمل الحزبي الجماعي والمنظم شكلا من الأشكال القديمة وهي أي الأحزاب يقدّمونها على أنها مرتبطة بالفساد والدكتاتورية وغيرها من التخريجات. وقدموا العمل السياسي غير المتحزب والجمعياتى الفردي في أبهى حلله كمادة يمكن استهلاكها بكل أريحية. لكن لبلوغ ذلك لابدّ من مناخ، وأحسن مناخ هو إيجاد مناخ يقوم على تغيير مستمر لاختيارات المستهلك عبر سلوك غير قار في الاختيار وأكثر فردانية في سلوك المستهلك خاصة عند اتّخاذ القرار أو الاختيار.

“خليل تونس” و”عيش تونسي”، مواد “مزيانة من برّة” ومتعفّنة من الدّاخل

في إطار عقيدة “الماركتينغ” الربحية يتنزل مشروع “عيش تونسي”. لقد اتبعوا بكل دقة منهجية التسوق السّياسي بمعنى فنّ تجميل البضاعة الفاسدة. إنها عملية تحويل وجهة السّياسة بما هي مشروع فكري وبرنامج ونضال واتصال جماهيري مباشر وصدق ورؤية مستقبلية وقيم. أي أنهم يقومون بعملية تسويق بعد دراسة لما يعتبرونه قريبا أو متطابقا مع ما يرغب فيه “المستهلك” – عفوا المواطن التونسي، باعتبارنا نتحدث عن السياسة وليس عن التجارة والسلع. كما أنّ “الماركتينغ” ولترويج السلعة يعمل على التأثير الإيجابي على المستهلك حتى يجعله يطمئن إلى المواد المقدمة إليه. ويعنى الاطمئنان هنا ألاّ يطرح المستهلك اعتراضا مبنيّا على شك. أليس هذا تماما ما قام به “خليل تونس” وهو يستعمل صورة ابنه الذي توفي إثر حادث مرور وهو في مقتبل العمر، ومن خلال هذه الصورة بعث مشروعا خيريّا تحول إلى مشروع سياسي.

في هذا الإطار بالذات لا نجد المرجعية الفكرية ولا البرنامج الشامل الذي يعالج كافة القضايا الأساسية للدولة ولا نجد قيما واضحة ولا مشروعا مجتمعيا. كلّ ما نجده هو تقديم بضاعة مشهدية لا تقبل الطعن في أحد زواياها لأنّ ذلك سوف يظهر محتوياتها المتعفنة والتي يريدون ترويجها على أنها البضاعة المناسبة. ومن أجل تسويق مشهده مثله مثل “عيش تونسي” أو المجموعات واللوبيات السّياسية الأخرى يستعملون الآن آلية سبر الآراء للتسويق لأنهم يعتبرون أنّ سبر الآراء ما يزال له تأثير أساسي في أذهان المواطنين. ومن بين عناصر استمرار المسرحية أنّ نتائج سبر الآراء أصبحت مقياسا للاختيار المواطنى. فـ”عيش تونسي” و”خليل تونس” حالتان موجودتان في فضاء أشمل وهو الخارطة السياسية والجمعياتية. وكلاهما انتقل من ركح إلى ركح مقدّما بدل البرنامج والمشروع أفرادا سوّق لهم على أنهم بضاعة جيدة يمكن استعمالها من قبل التونسيين وهي تتميز بكونها قريبة من طلبات المستهلك. ما يعني أنهما كل من جهته درس السوق وقام بعملية توجيه للحرفاء على امتداد زمني مهم ويكفي لتقديم أفراد يحملون خصوصيات ايجابية لدى المواطنين وهم يلبّون انتظارات واحتياجات المستهلك في مجال السياسة وتحديدا في مجال الحكم وإدارة الدولة.

اختيار من يلعب الدّور كسلعة للاستهلاك: الكاستينغ

ومن بين صناعة المناخ لتمرير البضائع، تقديم السلعة على أنها الأوفر حظا في المزاد العلني، عفوا في سبر الآراء السري ليتحول بذلك سبر الآراء المذكور أهم عنصر في الإعلام والاتصال الموجّه إلى عموم المواطنين عبر الوسائل الخاصة والعمومية ولمدة تفوق الشهر وبشكل يومي وتحديدا قبل الانتخابات بأسابيع. وفي نفس الوقت هم أنفسهم، ونقصد صناع المشهد من لوبيات ماليّة متنفّذة سياسيّا وجلّها في الحكم، يحرّضون ويموّلون حملات تشهير وامتعاض وتشويه وتقزيم وإذلال واحتقار للقوى السّياسية الحاملة لبرنامج سياسي ومشروع مجتمعي وتنظّم حزبي وبالأخص منهم أصحاب الأيادي النظيفة.

وإذا كانت السّاحة السّياسية التّونسية قد عرفت عمليات شراء الذّمم من قبل قوى سياسيّة مثل النداء والنهضة وآخرها خلال الانتخابات البلدية للسنة الفارطة فإنّ ما يحصل الآن في المشهد السّياسي يعتبر نقلة جوهريّة في التعاطي مع السّياسة باعتبارها ماركوتينغ وكاستينغ أي سياسة مشهديّة استهلاكية همها الأساسي الربح والسيطرة.

لطفي الهمامي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى