الرئيسية / صوت الاقتصاد / المنتدى الاقتصادي العالمي “دافوس” 2017: تونس في مرتبة متأخرة تبحث دوما عن مصادر الاقتراض

المنتدى الاقتصادي العالمي “دافوس” 2017: تونس في مرتبة متأخرة تبحث دوما عن مصادر الاقتراض

                                                                           الأستاذ محمود مطير

“المنتدى الاقتصادي العالمي” مؤسّسة غير ربحية تم بعثها سنة 1971 بمبادرة من أستاذ الاقتصاد السويسري كلاوس شواب، مقرّه بجنيف بسويسرا. وقد ذاع صيت هذا المنتدى وعرف لدى العموم بالملتقى السنوي الذي يعقده في شهر جانفي من كل سنة بدافوس (سويسرا).  كان المنتدى في بدايته يجمع خاصة رؤساء المؤسّسات الاقتصادية ولكنه تطوّر ليجمع فيما بعد، إضافة إلى رؤساء المؤسّسات، مسؤولين سياسيين (رؤساء دول ورؤساء حكومات ووزراء…) وصحافيين ومثقفين…ويهدف المنتدى إلى طرح ومناقشة كل القضايا ذات الأهمية في العالم، سواء كانت اقتصادية او اجتماعية (النمو الاقتصادي -البيئة -الصحة…) ولكن المنتدى يعقد ملتقيات أخرى لها نفس الأهداف والاهتمامات، لكنها أقل صيتا لأنها ذات بعد إقليمي، ويقوم بإصدار تقارير اقتصادية سنوية. Untitled-1

وقد أصبح المنتدى يلعب دورا في التّأثير على أصحاب القرار في العالم، ممّا جلب له النقّد إلى حدّ وصفه “بالإمبريالي” ونظرا إلى أن المنتدى ليس ديمقراطيا، إذ هو آليّة يستعملها رؤساء المؤسّسات الاقتصادية في العالم الرأسمالي.  وبعد الاحتجاجات التي وقعت سنة 2000 في شوارع دافوس تم بعث “ملتقى دافوس المفتوح” الذي يُنظَّم بالتوازي مع الملتقى الأصلي ويُفتح للعموم.

جديد الدورة 47 للمنتدى

تمّ افتتاح الدورة 47 للمنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس في 17 جانفي 2017 بمشاركة حوالي 3000 شخص، من بينهم 1200 رئيس مؤسّسة اقتصادية و300 شخصية سياسيّة و50 مسؤول سياسي (رؤساء دول وحكومات…) يمثّلون أكثر من 100 بلد.

تميّز ملتقى سنة 2017 بحضور رئيس الصّين الشعبية الذي دافع في خطابه الافتتاحي عن التبادل التجاري الحرّ، في حين لوحظ من جهة أولى شبه غياب للولايات المتحدة الأمريكية التي أصبحت تميل مع قدوم رئيسها الجديد “ترامب” إلى سياسة التقوقع، ومن جهة ثانية تخبّط الاتحاد الأوروبي في صعوبات جمّة ناتجة عن تطور النّزعة القومية والتي تبلورت خاصة في قرار انفصال أحد أكبر الدول المنتمية للاتحاد “بريطانيا”.

وتركّز اهتمام الحاضرين بالمنتدى على موضوع تنامي عمق الفوارق في الدّخل وفي الثروات في العالم حيث يعتبِر المنتدى أن هذه الفوارق تمثّل خطرا كبيرا شاملا يهدّد العشرية القادمة، إذ أن تطوّر الفوارق في الدّخل والثروة يهدّد كل أنحاء العالم بما في ذلك البلدان الصناعية “المتقدّمة أو المعتبرة غنية”.

وقد تمّ أخيرا نشر تقرير جاء فيه أن الدخل السنوي المتوسط في البلدان الغنية تقهقر في السنوات الخمس الأخيرة ب 2,4 في المائة أي نقص يساوي 284 دولار أمريكي بالنسبة للشخص الواحد. كما صرّح مسؤول إحدى الجمعيات غير الحكومية المشاركة في المنتدى أن هناك نمو في العالم ولكن فائدته ترجع فقط إلى أقلّية صغيرة جدا مضيفا أن ثمانية (08) من أصحاب المليارات يملكون ما يملكه 3 مليارات و600 مليون شخص الأفقر في العالم (أي نصف سكان العالم).

ويُعزى تطوّر الفوارق المذكورة خاصة إلى ضغط المؤجّرين على الأجور، حيث أصبحت الفوارق بين الأجور هامّة جدا في حين ما فتئ ربح رأس المال يتعاظم، ويعني هذا أن نتائج النمو لا يتمّ توزيعها بصورة عادلة. وإذا أضفنا لهذه المعطيات تهرب رأس المال من الجباية يمكن أن نفهم أكثر تعمّق الفوارق في الدخل. وحسب تقرير صدر في الملتقى الأخير بدافوس، يبدو أن رؤساء المؤسّسات الاقتصادية واعون بالإشكالية. وممّا يثير القلق بالنسبة لرؤساء المؤسّسات هو تنامي عدم الاستقرار الاجتماعي في السنوات الأخيرة مع الإقرار بأن العولمة لم تساهم في التقليص من الفارق بين الأغنياء والفقراء.

البيروقراطية والفساد من أهم أسباب تراجع ترتيب تونس

شاركت تونس في المنتدى الاقتصادي العالمي بحضور رئيس حكومتها ووزير التنمية والاستثمار. ويروم الرّجلان الالتقاء بالعديد من المسؤولين عن المؤسسات المالية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وممثّلي العديد من صناديق الاستثمار وتجمع الاستشارة المالية “لازار”، بحثا عن مستثمرين ومموّلين لبعض المشاريع الاقتصادية في تونس التي تعيش أزمة اقتصادية ما فتئت تتعمّق طيلة السّت سنوات الأخيرة.

وقد بيّن التقرير السنوي 2016/2017 للمنتدى الاقتصادي العالمي المتعلّق بترتيب الدول على مستوى قدرة الاقتصاد على المنافسة أن تونس في المرتبة العالمية 95 على 138 دولة بعدما كانت في المرتبة 92 في السنة الفارطة على 140 دولة. كما بيّن التقرير أن تونس في المرتبة الثالثة من بين البلدان المغاربية أي أنّها تأتي بعد المغرب (المرتبة 70) والجزائر (المرتبة 87). وقد كانت تونس في المرتبة 32 قبل سنة 2011.

ويأخذ التقرير المذكور بعين الاعتبار 12 عنصر تعتبر من العناصر الأساسية لتحديد مدى تطوّر المزاحمة في بلد ما، لعلّ أهمها البنية الأساسية والمحيط الاقتصادي والصحة والتعليم وسوق الشغل والتجديد. وقد بيّن التقرير الآنف الذكر أن أهمّ أسباب تأخّر تونس في الترتيب المذكور أعلاه البيروقراطية والفساد وعدم الاستقرار السياسي. كما أشار التقرير إلى بعض نقاط ضعف تونس مثل تلك المتعلّقة بسوق الشغل حيث لاحظ تأخّر تونس على مستوى إنتاجية العمل، حيث نجد تونس في الترتيب 133 على 138 دولة.

المنتدى: بين السّعي لتسويق المنتوجات وجلب الاستثمار

إن المنتدى الاقتصادي العالمي تجمّع لرؤساء مؤسسات اقتصادية، أي تجمّع رجال أعمال. وهو في نهاية الأمر تجمّع لرأس المال العالمي لتبادل الأفكار والخبرات. وقد توسّع ليدلي رجال السياسة والفكر الاقتصادي برؤاهم في إطار المنظومة اللّيبراليّة. كما أصبح المنتدى مناسبة لتسويق المنتوجات بالنسبة لأصحاب رأس المال من جهة وجلب الاستثمار والتّمويل بالنسبة لبعض الدول من جهة أخرى.

وفي هذا الإطار فإن الترتيب أو التصنيف الذي يصدره المنتدى يجب تقييمه في هذا الإطار فحسب، أي أن المنتدى يضع ترتيبا لأحسن اقتصاد ليبرالي كما يضع الصّعوبات التي تواجه الاقتصاديات الليبرالية من وجهة نظر ليبرالية. لذا فإن التقرير الصادر عن المنتدى والذي صنّف بلادنا في مرتبة متأخرة يعني أن تونس لا تستجيب كما ينبغي لاقتصاد السوق الحر. لكن هذا لا يمنع من الاعتراف بأن مَواطن ضعف عديدة تميّز اقتصادنا ليس أقلّها النقص والضعف في البنية التحتية وتدهور قطاعي الصحة والتعليم وإن كان بعض الملاحظين يرجعون الترتيب المتأخّر لبلادنا، إضافة إلى الأسباب الآنفة الذكر، بتطوّر ظاهرة الإرهاب من جهة وضعف القطاع البنكي العاجز عن تمويل الاستثمار من جهة أخرى.

*المحامي لدى التعقيب والمستشار الجبائي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى