الرئيسية / صوت الوطن / بأيّ حال عدت يا عيد الصحافة؟

بأيّ حال عدت يا عيد الصحافة؟

سامي الصالحي

تحيي تونس هذه الأيام، اليوم العالمي لحرية الصحافة الموافق لـ03 ماي من كلّ سنة في ظلّ مناخ عام لا يمكن أن يبدّد المخاوف من تنامي التهديدات لمهنة الصحافة وللحريات الإعلامية كانت آخر ملامحه التطبيق السياسي الفج لقرار الهايكا يوم الخميس 25 أفريل 2019 والقاضي بحجز معدات بث قناة نسمة كشفت فيه حكومة الشاهد بشكل واضح ومحموم سعيها إلى صياغة مشهد انتخابي على المقاس تخفت فيه كلّ الآراء المخالفة وتُخرس فيه كلّ الأصوات الناقدة وتُحاصر فيه كلّ المؤسسات الإعلامية التي يمكن أن تعبّر عن وجهات نظر تختلف عن سياسات الائتلاف الحكومي الفاشل.

وتأتي هذه الممارسة الديكتاتورية والبوليسية امتدادا لسلسلة من السياسات والممارسات الشبيهة والتي طغت طيلة السنة الماضية والتي تتجلى أساسا في:

 أوّلا بداية تحوّل الاعتداءات التي تسلّطها أجهزة السلطة التنفيذية من طابعها العرضي والفردي إلى المؤسساتي والممنهج تجلّى خصوصا في استهداف أعوان وزارة الداخليّة للصّحفيين والمراسلين الأجانب خلال شهري جانفي وفيفري 2018 أثناء تغطيتهم للاحتجاجات الاجتماعية الرافضة لقانون المالية رافقتها حملة سياسيّة وإعلاميّة قلّلت من مهنية الصحفيين وحيادهم وشكّكت في وطنيتهم واتهمتهم بالإساءة إلى صورة تونس في الخارج في استعادة لخطاب خلنا أننا قطعنا معه مع سقوط الديكتاتورية.

وقد رافق ذلك حملات تشويه وتخويف وتهديد بالتعذيب والاغتصاب من قبل عناصر أمنية على شبكات التواصل الاجتماعي ضد الصحفيات والصحفيين دون أيّ رادع وفي إفلات تام من العقاب.

ثانيا محاولة استبلاه أعضاء مجلس نواب الشعب من خلال تمرير مشروع قانون متعلق بإحداث هيئة الاتصال السمعي البصري في غياب التوصل إلى رفع مأخذ عدم دستورية مشروع قانون الأحكام المشتركة للهيئات الدستورية الذي يستند إليه مشروع قانون الهيئة في فصله الثاني ويؤسّس عليه أحكامه، وهو ما يعكس غياب رؤية تشريعيّة واضحة وسليمة للتعديل السمعي البصري وتساقطا تشريعيا خطيرا من شأنه أن ينسف المكتسبات الوطنية التي تمّ تحقيقها في هذا المجال، هذا إضافة إلى تعارض محتواه مع  المكاسب التي نص عليها الدستور في مجال حرية التعبير والإعلام ومعايير تعديل الاتصال السمعي والبصري في الدول الديمقراطية، وما قد ينجم عن المُصادقة عليه وتطبيقه من انعكاسات سلبية على حق المواطن في صحافة حرة مُلتزمة بقواعد المهنة الصحفية وأخلاقياتها ومُحصّنة ضدّ هيمنة مراكز النفوذ السياسية والمالية.

وينضاف هذا المشروع إلى ترسانة أخرى من مشاريع القوانين التعسفيّة والمحافظة التي تحاول أن تستعيد رؤية الديكتاتورية المقبورة في تطويع الإعلام على غرار مشروع القانون الأساسي  المتعلق  بزجر الاعتداءات على القوات الحاملة للسلاح، والمبادرة التشريعية المتعلقة بـ”القذف الإلكتروني”

ثالثا تباطؤ السلط المسؤولة والأجهزة الرقابيّة في التصدي إلى تغلغل المال الفاسد في وسائل الإعلام الذي بات ينخر الكثير منها وأصبح  أساسا لتطويع المهنة الصحفية لخدمة غايات إجرامية عكسه بشكل فجّ وواضح محتوى تسريب خطير لمالك قناة “نسمة” شجع على الفبركة والتضليل الإعلامي وحثّ على هتك الأعراض والتشويه والتحريض، وارتقى إلى فعل يجرّمه القانون ولا علاقة له بالإعلام وأخلاقياته ومراميه خاصة في مرحلة انتقالية هشة تتطلب أكبر قدر من  المسؤولية الإعلامية ودلّلت عليه الحملة التي قادها مالك قناة الحوار التونسي والمتهم بالاستيلاء على المال العام ضد نقيب الصحفيين التونسيين والكاتب العام لنقابة الإعلام بالاتحاد العام التونسي للشغل في مواصلة لسياسة المنابر الإعلاميّة الخطية التي تشهّر بالهيئات الدستورية والمنظمات الحقوقية والهياكل النقابيّة في مخالفة للمعايير المهنية التي تقتضي التوازن والنقد العادل.

رابعا تصاعد تفقير قطاعات واسعة من الصحفيين ممّا من شأنه أن يُلحق أضرارا كبيرة بأخلاقيات المهنة وبالديمقراطية بصفة عامة. ففي ظلّ سيطرة أوساط مالية متّهَمة بالفساد وفاقدة لفهم الحقّ النقابي والحقوق الاقتصادية والاجتماعيّة على أغلب وسائل الإعلام يجد المهنيّون أنفسهم من يوم إلى آخر في وضع شديد الهشاشة. يعملون وفق عقود غير قانونيّة ويتعرضون إلى الطرد الجماعي والتعسفي ويُحرَمون من التغطية الاجتماعيّة ممّا من شأنه أن يضعف لديهم الانضباط المهني ويهّدد موضوعيتهم ويهزّ قناعاتهم المجتمعيّة وصولا إلى إمكانيات الارتماء في أحضان من يدفع أكثر في ظلّ تقاعس كامل لأجهزة الدولة في لعب دورها الاجتماعي في دعم الصحافة المكتوبة والالكترونية والإعلام الجمعياتي وتغافل الأجهزة الرقابية في منع الاستقواء على الصحفيين وتجويعهم. وحتى لمّا توصّلت يوم 09 جانفي الماضي كلّ الأطراف المهنية (نقابة الصحفيين والجامعة التونسية لمديري الصحف والغرفة الوطنية النقابية للقنوات التلفزية الخاصة والغرفة الوطنية النقابية للإذاعات الخاصة ومؤسسة التلفزة التونسية ومؤسسة الإذاعة التونسية ووكالة تونس أفريقيا للأنباء والهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري) إلى إمضاء تاريخي على اتفاقية إطارية مشتركة للصحفيين بإمكانها أن تضع حدّا لهشاشة العمل الصحفي وتضمن حدّا أدنى محترم لمعيشة الصحفيين، مازالت حكومة الشاهد تماطل في نشرها في الرائد الرسمي في ضرب لقوانين بلادنا وخاصة قانون الشغل وإصرار على فرض رؤية في تسيير القطاع الإعلامي تتأسّس على تفقير الصحفيين وتهميشهم وتجويعهم من أجل تسهيل استعمالهم لغايات سياسية وانتخابية.

لكن رغم هذا المشهد المأساوي فإنّ الهياكل المهنية ويقظة المجتمع المدني والحيوية الحزبيّة، وحساسيّة الشعب التونسي تجاه قضايا حرية التعبير والصحافة مازالت تملك ورقات أساسيّة للتصدي للأخطار المذكورة آنفا وأن ترسم بدائل ونضالات ستنعكس إيجابا ليس فقط على المهنة الصحفية والحريات العامة والفردية بل أيضا على مستقبل الديمقراطية في بلادنا.

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى