أخبار عاجلة
الرئيسية / صوت الوطن / تعطّل في مسار التّعيينات على رأس التلفزة والإذاعة التونسيتين

تعطّل في مسار التّعيينات على رأس التلفزة والإذاعة التونسيتين

بقلم الفاهم بوكدوس

 321لقد حصل اتّفاق في لقاء جمع رئيس الحكومة المؤقت مهدي جمعة يوم الاثنين 10 فيفري الماضي مع عدد من أعضاء الهايكا على الإسراع بإجراء تعيينات على رأس الإعلام العمومي السمعي البصري، وكان من المنتظر أن يحسم الأمر أواخر مارس أو أوائل أفريل الماضي غير أنّ ذلك لم يحصل، فاتحا الباب على مصراعيه أمام تعطّل في هذا المسار يتخوّف كلّ المتعاطين مع الملف الإعلامي من تداعياته الخطيرة.

وقد كان كلّ شيء يوحي منذ البداية بأنّ بلادنا قادمة في ظرف قياسي على تجاوز التّعيينات الحزبيّة والسياسيّة على رأس المؤسّستين خاصّة مع إصدار رئاسة الحكومة لبلاغ حصر فترة التّرشيحات بين 17 و26 فيفري الماضي، واشترط التمتّع بالجنسية التونسية، والاستقلالية والحيادية، والحصول على شهادة الأستاذية على الأقل أو شهادة معادلة، والخبرة والكفاءة في مجال التصرّف الإداري والمالي أو في مجال الإعلام لا تقلّ عن 15 سنة مع اعتبار الكفاءة في مجال التسيير والتصرف الإداري في القطاع العمومي ميزة إضافية، وضرورة إجادة اللغة العربية والفرنسية كتابة ومحادثة واعتبار إجادة اللغة الإنجليزية ميزة إضافية، وعدم الانخراط أو النشاط أو تحمّل مسؤوليّة في أيّ حزب سياسي، بالإضافة إلى عدم المساهمة في تملّك أسهم في رأسمال مؤسّسة خاصّة للإعلام السّمعي البصري أو للإنتاج الإعلامي أو للإشهار.

وقد تدعّمت هذه الخطوة بتكوين لجنة مشتركة لفرز الترشيحات واختيار قائمة أوّلية منهم، تولّت رئاسة الحكومة اختيار أربعة منهم بالتساوي بين الإذاعة والتلفزيون لتستمع إليهم الهايكا يوم 15 أفريل الماضي بحضور ممثلين عن السلطة التنفيذية والمجتمع المدني، ولإبداء الرأي المطابق وفق منطوق المرسوم 116. ويبدو أنّ أعضاء الهايكا لم يتحمّسوا للمرشحين الأربعة وأبلغوا رئاسة الحكومة في الإبّان بعدم توفّر كلّ أو بعض شروط الشفافيّة والحياد والكفاءة فيهم، في انتظار تقديم بقية القائمة أو بعضها، إلّا أنّ ذلك لم يتمّ رغم مضيّ أكثر من ثلاثة أسابيع.

ولقد عملت الهايكا طيلة هذه الأسابيع على تذكير رئاسة الحكومة بضرورة مواصلة الالتزام بالمسار التشاركي للتعيينات وأجبرت يوم 07 ماي الجاري على إصدار بيان أعتبر شديد اللهجة حمّلت فيه “الحكومة مسؤولية التأخير الذي يعطّل سير العملية”، واعتبرت موقفها غير مبرّر و”من شأنه إفشال مبادرتها في إرساء تقاليد موضوعية وشفافة في التّعيين على رأس المؤسّسات الإعلاميّة العمومية”       ونبّهت إلى “تعارضه مع مبادئ وقيم الدولة الديمقراطية”. وقد عكس هذا البيان حرص الهايكا على الوصول بضمانات الشفافية والمصداقية والاستقلالية في هذا المسار إلى نهايتها المنطقيّة، مثلما عكس استيعابا عميقا لضغوطات الاستحقاقات الانتخابية التي تتطلّب الإسراع بتجهيز المضامين الإعلامية الخصوصيّة وتحديد الميزانيات المرتبطة بها والإدارة القادرة على إنجاح هذه الأدوار، دون إغفال حالة الاحتقان التي تسري منذ مدّة ليست بالقصيرة بين العاملين في مؤسستي الإذاعة والتلفزة والذي كانت من تداعياته إعلان الإضراب جهويا ومركزيا داخل التلفزة التونسية يومي 27 و28 ماي الجاري والتهديد بتحرك مماثل في الإذاعات العموميّة. وقد تزامنت هذه الحركة الدفاعية للهايكا بحركة مساندة واسعة من منظمات المجتمع المدني التونسية والدّولية معها تجسّدت في بيانات شتى وطلبات في لقاء الرئاسات الثلاث نجح بعضها في لقاء بن جعفر والمرزوقي اللّذين عبّرا في أكثر من مرّة عن ” حرصهما على حماية استقلالية الهيأة العليا المستلقة للاتصال السمعي والبصري من أجل ضمان تعدّديّة الإعلام السمعي والبصري”.

ولكن يبدو أنّ إعلانات النّوايا هذه لم تجد بعد صدى لدى رئاسة الحكومة التي مازالت تتلكأ في مواصلة مسار التعيينات المتّفق على تفاصيله مسبقا ضاربة عرض الحائط بكلّ الدعوات والاتّفاقات. وإن كان البعض يرجع ذلك إلى تمترس بعض المحافظين الممسكين بملف الإعلام فيها وعدم استعدادهم لضخّ دماء جديدة ومجدّدة في الإعلام العمومي حفاظا على اختراقات ترجع إلى حكومة حمادي الجبالي، فإنّ البعض الآخر يُرجع هذا التعطّل إلى تداعيات الهجمة المستمرة على الهايكا على خلفيّة كرّاس شروط تأسيس منشآت تلفزية وإذاعية والتي وصل الأمر فيها حدّ التّهديد بالإضراب والالتجاء إلى القضاء.

وإنّ صحّ الإفتراض الثاني فإنّ حكومة مهدي جمعة تكون قد اختارت الانحياز أو الاحتماء بأحد طرفي النّزاع وهو بارونات وسائل الإعلام السمعي البصري على حساب هيئة مستقلة وشرعيّة ومحميّة بمرسوم توافقي، مّما من شأنه أن يجعل جميع الخطوات السابقة لإصلاح قطاع الإعلام محلّ مقايضة مالية وسياسيّة ويعزّز المخاوف من إمكانيّات التّراجع عن الهوامش الواسعة لحرّيّة الصّحافة والتّعبير التي أنجبت مجمل التشريعات التقدميّة المنسجمة مع المعايير الدّولية في الصدد. ولكن حتّى وإن أقصينا الفرضيّتين السّابقتين وسبّقنا افتقاد استراتيجية حكوميّة في التّعاطي مع الملفّات الإعلاميّة فإنّ حساسيّة الوضع السياسي ببلادنا قبل أشهر من الانتخابات تضع الحكومة أمام اتّهامات بالتفريط في صورتها كحاضنة لكلّ الاتفاقات المجتمعيّة بما فيها علامات خريطة الطريق التي رسمها الرّباعي الرّاعي للحوار الوطني، وكقادرة على إنجاح المسار الانتخابي بكلّ تنويعاته وتقاطعاته وصراعاته.

إنّ افتراض أنّ استراتيجيي الإعلام في رئاسة الحكومة يحوصلون ملفّ التعيينات هذه  في إجراءات شكليّة وقانونيّة يجعل اللحظة التاريخيّة الحاسمة التي تعيشها بلادنا رهينة تكنوقراط كلاسيكي يحصر كلّ مجالات التحرّك المجتمعي في نسب الفائدة والنمو والديون والتعاطي مع البنوك الدوليّة والتموقع في الموازنات الدوليّة على حساب التطلّعات التي ارتبطت بشعارات الثورة التونسيّة بما فيها تعزيز دور الإعلام وهيئاته المستقلة كحامل لمضامين الانتقال الديمقراطي وحام لسيرورته. غير أنّ هذا الافتراض لا يملك إلّا أن يدفع إلى مزيد اليقظة تجاه محاولات التفريط في منجزات التونسيين عموما بعد الثورة ومنجزاتهم الإعلامية بالخصوص وعلى رأسها هايكا مستقلة وكاملة الصلاحيات ومحيّدة عن كلّ التجاذبات المالية والسياسيّة، ولنا بالتّأكيد شعب قادر على النّجاح أمام كلّ هذه التّحدّيات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى