الرئيسية / صوت الوطن / تكتيك حركة النّهضة من استعراض القوّة إلى سياسة التّقشّف واستدرار تعاطف النّاخب

تكتيك حركة النّهضة من استعراض القوّة إلى سياسة التّقشّف واستدرار تعاطف النّاخب

 

كثيرا ما ظهرت حركة النهضة في مظهر الحزب “القوي”، “الثري”، “المنتشر”. وهي كلّها مظاهر تفعل فعلها في المواطن وتدفعه دفعا نحو اختيار هذا الحزب، سواء بالانتماء إليه أو بالتصويت لفائدته في المناسبات الانتخابيّة.

فالتونسي يندفع عفويّا، في ظلّ غياب التجربة والوعي السياسيّين، لاختيار من يبدو أقوى وأثرى، حتّى ليخيّل إليه أنّه تحت “حمايته” و”رحمته”.

النّهضة واستعراض “القوّة”

ربّما يحسب لحركة النهضة أنّها كانت مستعدّة أفضل من غيرها إثر فرار بن علي للتموقع في المشهد السياسي ما بعد الثورة. فرغم أنّ “النهضاويّين” لم يشاركوا في الثورة ولم يدعوا إليها، إلاّ أنهم ظهروا أكثر ثقة واعتدادا بالنفس للوصول إلى الحكم. ربّما قد يكون ساعدهم في ذلك حالة الوعي التي عليها المجتمع التونسي، فالغالبية منهم توجّهوا نحو الانتخابات بعقليّة عقابيّة، أي معاقبة الأحزاب التي أفرزها التجمّع المنحلّ.

منذ عودة قادة حزب حركة النهضة من الخارج، أوروبّا أساسا، غداة فرار الرّئيس السّابق بن علي، شغلوا لفترة الرّأي العام والتونسيّين، الخارجين لتوّهم من انفجار سياسي، فانبرى أكثرهم مدافعا عنها ومواليا لها، عن سذاجة وعن جهل بحقيقة هذا الحزب وبارتباطاته وبتوجّهاته السياسيّة وخلفيّته الطبقيّة.

عاد “المغتربون” وحساباتهم البنكيّة ملأى. وباشروا بعث المشاريع ونافسوا “لصوص” الأمس في المضاربات والاستحواذ على العقارات وبعثوا شركات وشيّدوا النزّل والقصور والفيلات في الأحياء الرّاقية (أحد القيادات انتقل في السنة الأولى من حكم الترويكا من السّكن في حي التضامن الشعبي إلى حدائق المنزه.

من استعراض القوّة إلى زعم التّقشّف

بعد سنة فقط من إنجاز مؤتمرها الذي أنفقت عليه ملايين الدينارات، في وقت تمرّ به البلاد والشعب التونسي بأزمة خانقة مسّت كلّ مظاهر الحياة، تروّج حركة النهضة أنّها تمرّ بظروف ماليّة صعبة، ما “اضطرّها” إلى وقف صدور جريدتها “الفجر”. ثمّ ظهر بعض الشباب الذين كانوا يرافقون قيادات حركة النهضة في تنقّلاتهم وأنشطتهم، في وقفة احتجاجيّة أمام المقر المركزي للحركة، جرّاء تسريحهم قسريّا دون منحهم مستحقّاتهم رغم ما قدّموه من خدمات كثيرة للحركة ولقياداتها.

وتزامنا مع ذلك انتشرت تسريبات مفادها أنّ إدارة الحزب تلقّت عن طريق عدل منفّذ تنبيها بضرورة خلاص مستحقّات كراء المقرّ كي لا يتمّ إخلاؤه بالقوّة.

توقيت “مشبوه “لإعلان التقشّف

الملفت للانتباه أنّ إعلان “تواضع” الإمكانيات الماليّة لدى منتسبي حركة النهضة، يتزامن مع متغيّرات إقليميّة جوهريّة، على غرار الحصار الذي تعرفه قطر، التي صُنّفت على أنّها الدّاعم الأساسي، إضافة إلى دول خليجية أخرى، للجماعات الإرهابية في المنطقة وللإخوان المسلمين أساسا. وهو ما فرض عليها وقف “الإمدادات” المالية لحلفائها في الدّول العربية. وتؤكّد عديد المؤشّرات، في الوقت الرّاهن، أنّ هذا الحصار قد يطول نسبيّا إن لم تنخرط قطر في مخطّط الولايات المتحدة – السعوديّة والإمارات – “إسرائيل”. وهو ما قد ينعكس مباشرة على “ميزانيات” أحزاب الإخوان المسلمين وأحزاب الإسلام السياسي عموما وتعويلها مبدئيّا على تركيا “الأردوغانيّة”، ودعمها السخيّ.

وفي تونس، تستعر حرب الفساد والفاسدين ومزاعم مقاومته. وبالفعل تمّ إيقاف بعض أباطرة التهريب بشكل انتقائيّ. وقد تفطّنت بعض الأطراف السياسيّة، ومنها الجبهة الشعبيّة، وحتى قوى مدنيّة إلى الطابع الانتقائي لهذه الحملة وأنها ليست سوى “طلعة” من قبل رئيس الحكومة، وربّما أخذا بالنصيحة من بعض مقرّبيه، للتغطية على أزمة الثروات المنهوبة وتصاعد وتائر الاحتجاج الاجتماعي من جهة، وفشل أحجية “الوحدة الوطنيّة”، التي ثبت كونها حكومة الأصدقاء الذين جمعتهم الأطماع في غنائم الحكم وفرّقتهم نوازع الاستفراد بالقسط الأوفر منها.

في هكذا مناخ إقليمي، تعالت أصواتٌ أخذها حماس “الحرب على الفساد” لتوجّه أصابع الاتّهام إلى حركة النهضة أساسا للكشف عن مصادر ثرواتها وتمويلاتها الأجنبيّة، خاصّة أنّ رئاسة الحكومة قد أمرت بإيقاف نشاط عديد الجمعيّات “الخيريّة” المحسوبة على حركة النهضة، وبأقل درجة أحزاب الترويكا، والتي تحوم حولها شبهات تمويل أجنبي. وفي خطوة استباقيّة تسعى قيادات حركة النهضة إلى تبرئة نفسها من الاستثراء غير المشروع وأنّها “تدعم” بذلك الحرب على الفساد.

كان بالإمكان تصديق مزاعمها لو أنّها طرحت مثلا مبادرة تشريعيّة “من أين لك هذا؟” للتصدّي ومحاسبة الثراء المشبوه، باعتبارها الحزب الأغلبي.

التّلاعب الاتّصالي لا يحجب الفشل السياسي

المتتبّع لمسيرة حركة النهضة في الحكم، بين فترة الاستحواذ الكلي على السلطة زمن الترويكا ثمّ بتقاسمها الحكم مع حزب النداء أساسا، يتفطّن بسهولة إلى تلوّن سياستها الاتّصالية حدّ التناقض.

فقد بدت في المرحلة الأولى حزبا ثريّا معتدّا بنفسه، وهو ما لعب على وتر نزوع الناس نحو القوّة والنفوذ المالي. فغالبية الأحزاب التي تفوز في السباق الانتخابي، محليا أو حتّى على مستوى دولي، هي الأحزاب التي تحترف “الكذب”، معتمدة في ذلك أساسا على قراءة نفسيّة واجتماعيّة للمواطن/ المقترِع وعلى علوم الاتّصال، دون أن تقدّم البرامج والبدائل القادرة على معالجة الأزمات التي تمرّ بها البلاد. وقد أوصلت هذه السياسة حركة النهضة إلى السلطة في البداية. ولكن اعتدادها بنفسها ودرجة ارتباطها بلعبة المحاور الإقليميّة الهدّامة قد جاوزا حدّه، ممّا أوصلها إلى شفا المواجهة مع المجتمع التونسي. وها هي في هذه المرحلة الراهنة، تستعدّ لاستدرار الشفقة واستمالة الناخبين، ونحن على أبواب انتخابات بلديّة غاية في الأهمية لمستقبل المواطنين، عبر الظّهور بمظهر الحزب “الزوّالي”، الذي يعيش فقط بما يُخصم من جرايات النواب وبما تجود به همم المنخرطين على حزبهم.

إنّ هذا التّلاعب الاتّصالي الذي يصل حدّ التناقض يعكس أزمة قيميّة لدى هذا الحزب الذي لا يتوانى عن تغليب النوازع والمطامح الخاصة والحزبية الضيّقة على حساب المصلحة العامة. كما أنّه يكشف فشله في إدارة شؤون البلاد وتحقيق مطالب العباد.

  • شريف الخرايفي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى