أخبار عاجلة
الرئيسية / أقلام / جولة ثورية جديدة علينا كسبها

جولة ثورية جديدة علينا كسبها

بقلم عبد المومن بالعانس

68الجميع يعلم أنّنا عندما يئس الآخرون تمسّكنا بالثورة وبضرورة الإطاحة ببن علي معتبرين أنّ لا ديمقراطية في ظلّ الدّكتاتوريّة أو بالتعاون معها. وقد كسبنا الرّهان لمّا اندلعت ثورة الحرّيّة والكرامة وسقط رأس النظام، وفوجئت أطراف عديدة تعتبر نفسها عريقة في النّضال وفي المعارضة ولم تصدّق ما جرى، وهي التي -ساعات قبل فرار المخلوع- ما انفكّت تنادي بحكومة جديدة تحت إشرافه وحتى بـ7 نوفمبر جديد” تحت قيادته.

 إصلاح أم ثورة

وانطلقت معركة جديدة محورها المجلس التأسيسي ورهانها تواصل النظام القديم أو التأسيس لنظام جديد. وكان الصّراع من أجل حلّ التجمع وحلّ مجلس النواب الصوري ومجلس المستشارين المزعوم وجهاز البوليس السياسي وتعليق العمل بدستور 59 وسنّ دستور جديد. ومرّة أخرى كسبنا الرّهان رغم تردّد المتردّدين ورفض الرّافضين الذين ما انفكوا يتبجّحون بالواقعيّة ورفض المغامرة ولم يريدوا تجاوز المطالبة بتعديل دستور 59 وتنظيم انتخابات رئاسيّة وتشريعية سابقة لأوانها. ورغم نتائج انتخابات 23 أكتوبر 2011 وتشبّث حكومتي الترويكا الأولى والثانية بالحكم رغم عجزهما وفشلهما التام وإصرار حركة النهضة على تمرير دستور على قياسها، فقد تمّ فرض دستور مدني ديمقراطي وإسقاط حكومة النهضة وفرض حكومة جديدة تعهّدت بتنفيذ بنود خارطة الطريق وعلى رأسها مراجعة التّعيينات وتحييد المساجد وحلّ ما سمّي زيفا بروابط حماية الثورة. لقد كانت المعركة ضارية قدّمت خلالها الجبهة الشعبية دم زعيمين من خيرة قياديّيها الشهيدين شكري بلعيد والحاج محمد البراهمي. وقدّم الشعب خلالها التضحيات الجسام لعلّ أهمّها ضحايا الرشّ في  سليانة وعديد الشهداء على المستوى الجهوي والمحلّي وفي مقدّمتهم شهداء الجيش والأمن إلى جانب عديد الإيقافات والمحاكمات الجائرة في ظلّ أمن مخترق وقضاء فاسد موروثين عن نظام المخلوع لم يقع إصلاحهما وتطهيرهما رغم مرور أكثر من 3 سنوات على 14 جانفي 2011.

طور جديد من المسار الثّوري

واليوم وبعد رحيل حكومة الترويكا الثانية بقيادة علي العريض وزير الرشّ دخلت بلادنا وثورتنا طورا جديدا قوامه مواجهة التّركة الثّقيلة التي خلّفتها حكومة العجز والفشل على المستوى السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي. فالإرهاب قد تفشّى وأخذ أبعادا غير مسبوقة والاقتصاد على أبواب الانهيار التّام وغلاء المعيشة وتدهور المقدرة الشرائيّة للمواطن لم يسبق لهما مثيل وحكومة المهدي جمعة مرتبكة إلى أبعد الحدود وتعمل جاهدة على تمهيد الأجواء لتطالب الشعب بقبول تضحيات جديدة والسماح لها باتّخاذ إجراءات “مؤلمة” على حساب الفئات الضعيفة والمتوسطة طبعا. إنّ طورا جديدا من النّضال ينتظر القوى الثوريّة وعموم الشعب إذا أردنا أن تكلّل ثورتنا ثورة الحرّيّة والكرامة بالنّجاح بعد أن استغلّ رموز التّجمّع المنحلّ فترة حكم النهضة والقضاء الفاسد لمحاولة تبييض سمعتهم وتاريخهم والعودة إلى صدارة الأحداث.

إنّ الأوضاع جدّ صعبة ولكنّ الحراك الاجتماعي لم يفتر والتّحرّكات الشعبيّة متواصلة ولا نتصوّر الشعب يَقبَل بمزيد التّفقير والتّجويع وهو الذي يرى رئيس الدّولة وأعضاء الحكومة وكبار المسؤولين ينعمون بشتّى الامتيازات ويعيشون حياة التّرف والبذخ.

 الانتخابات والجبهة الانتخابيّة

في مثل هذا المناخ تستعدّ مختلف القوى السياسيّة للانتخابات القادمة، تستعدّ حركة النهضة للعودة إلى الحكم من الباب الكبير لفرض مشروعها المجتمعي الاستبدادي المعادي للمصالح الحيوية للشعب والوطن بعد أن تصوّرت  نفسها مهّدت الطريق لذلك بما فيه الكفاية عبر التعيينات الحزبية واختراق المؤسّسة الأمنيّة وتشجيع الميليشيات إلى جانب استغلالها للمال الفاسد عبر الجمعيّات المشبوهة وغيرها وتوظيف المساجد ودور العبادة ومهادنة رموز النظام القديم والاستعانة بهم. وبالمقابل تستعدّ القوى الثوريّة والدّيمقراطيّة لهذه الانتخابات لسدّ الباب أمام عودة الاستبداد مهما كان نوعه والغلاف الذي يتغلّف به ووضع البلاد على سكّة الدّيمقراطية الشّعبيّة في اتّجاه تحقيق أهداف الثورة وتوفير الظروف الملائمة لتحرّر وطني واجتماعي حقيقيّن.

إنها معركة معقّدة وشاقّة وليس من السّهل إدارتها بنجاح ممّا يفترض تلافي كلّ انعزالية وحشد كلّ الطاقات لكسبها. وفي هذا الإطار لا أحد ينكر أهمّيّة العمل المشترك والسّعي بكلّ جدّية من أجل عزل العدوّ الأخطر. ومن هذا المنطلق لا أحد يرفض التّحالف السياسي الواسع والجبهة الانتخابية الواسعة. لكن هل توفّرت الظروف الملائمة والنّضج الكافي لنجاح مثل هذا التحالف ومثل هذه الجبهة؟ إننا لا نرجّح ذلك في الظرف الرّاهن باعتبار التّقديرات المختلفة واختلاف الزّوايا التي يُنظر منها إلى الواقع وحتّى اختلاف الأولويّات. وممّا يزيد الطين بلّة المؤسّسات المشبوهة والمدفوعة الأجر لسبر الآراء واستطلاع الرّأي التي احترفت الكذب والمغالطة لتوهم الرّأي العام أنّ مسألة الحكم محسومة ولا فائدة ترجى من وراء أيّ عمل وأيّ اجتهاد لتجعل هذا الطّرف يرفض أيّ تحالف ويتعالى على باقي الأطراف بدعوى أنه ليس بحاجة إلى أحد للفوز بالسّلطة السياسية. وتجعل الآخر يرمي المنديل مسبقا ويرضى بالفتات مهما كان ضئيلا. لذلك فما على القوى الثورية إلاّ أن تعد نفسها على أساس أنها ستترشّح للانتخابات المقبلة بمفردها على أساس برنامج انتخابي سياسي واقتصادي واجتماعي واضح المعالم مع الاستعداد لكلّ السيناريوهات الممكنة والتي قد يفرضها التّطوّر اللاّحق للأحداث في هذا الاتجاه أو ذاك.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى