الرئيسية / صوت الوطن / حقيقة التّحوير الوزاري:الشّاهد ومن وراءه يغامرون بمستقبل البلاد والشّعب // جيلاني الهمامي

حقيقة التّحوير الوزاري:الشّاهد ومن وراءه يغامرون بمستقبل البلاد والشّعب // جيلاني الهمامي

أجرى يوسف الشاهد رئيس الحكومة صبيحة يوم السبت الماضي تحويرا جزئيّا ومحدودا على فريقه الحكومي خلع بموجبه وزير الوظيفة العمومية والحوكمة، عبيد البريكي واستبدله بالقيادي في اتّحاد الصناعة والتجارة خليل الغرياني وعيّن أحمد عظّوم في وزارة الشؤون الدينية التي تولّاها وزير العدل بالنيابة منذ 4 نوفمبر من السنة الماضية واستبدل فيصل الحفيان بعبد اللّطيف حمام ككاتب دولة للتجارة. Untitled-2

جاء هذا التّحوير بعد أن لوّح عبيد البريكي علنا طوال أيام الأسبوع بتقديم استقالته دون أن يوضّح أسباب قراره. وتتّفق جملة الأخبار والتّسريبات الرّائجة أنّ قصر قرطاج ورئيس الدولة شخصيّا هو من دفع الشاهد إلى التّعجيل بإجراء التّحوير عملا بالمقولة البورقيبيّة “الوزير يُقال ولا يستقيل” صونا لهيبة الحكومة. وقد فوجئ الجميع تقريبا بهذا التّحوير الذي لم تُستشَر فيه الأطراف الموقّعة على “وثيقة قرطاج” والمساندة للحكومة عدا حركة النهضة التي استغلّت المناسبة لاقتلاع وزارة جديدة (الشّؤون الدينية) ليتولّاها أحد المقرّبين منها (أحمد عظّوم) ولتتخلّص من كاتب الدولة للتجارة السابق فيصل الحفيان الذي خلق لوزيره زياد العذاري بعض المتاعب على خلفية الموقف من الواردات التركية. من جهة أخرى وجد الاتحاد العام التّونسي للشغل في هذا التّحوير استفزازا له بما أنّه جاء بأحد رموز التشدّد في منظمة الأعراف ليتولّى وزارة الوظيفة العمومية وليكون بالتالي المسؤول عن الغالبيّة العظمى من جولات التّفاوض الجماعي المنتظرة في المستقبل سواء في ما يخصّ الجوانب المهنيّة والمادية أو ما يتّصل بالمؤسّسات العمومية.

مغزى التّحوير الوزاري

يسود انطباع عام في الأوساط الشعبية كما في أوساط الحكم أنّ حكومة يوسف الشاهد حكومة ضعيفة وأنها مقارنة بحكومة الحبيب الصيد عديمة القدرة حتى على تسيير الأمور الإدارية الاعتياديّة، ناهيك وأنّ ملفات إدارية وفنّية تنام على رفوف مختلف الوزارات. كما يتّفق الجميع أيضا في كون حصيلتها بعد نصف عام سلبيّة. بل إنّ الأزمة الاقتصادية في عهدها ازدادت حدّة واشتدادا، ذلك أنّ نسبة النمو تدحرجت لتنزل إلى    1 % فقط وأنّ الترقيم السيادي لتونس ازداد تراجعا وأنّ بلادنا قد فقدت بالتالي مصداقيّتها في الأسواق المالية الدولية خصوصا. وقد عبّر صندوق النقد الدولي عن انزعاجه من تردّد الحكومة وهشاشتها أمام الضغوط النقابية والاجتماعية.

هذا الانطباع العام تأكّد أكثر يوم الإعلان عن التّحوير الأخير. إذ اتّضح أنّ الوحدة الظاهرية التي تسوّق لها الحكومة ليست غير وحدة كاذبة ومعرّضة للتّهاوي لمجرّد أن يعلن أحد الوزراء عن نيّته الاستقالة. بمعنى آخر انكشفت حقيقة الأزمة التي تعيشها الحكومة والتي هي مرشّحة للاستفحال في الأيام القادمة، خاصة إذا ما اضطرّ الشاهد مرّة أخرى إلى الإذعان لضغط الاتحاد والمعارضة وقَبِل بتنحية خليل الغرياني من وزارة الوظيفة العمومية.

ومن جهة أخرى فقد بات واضحا اليوم أنّ قصر قرطاج هو مركز القرار الحقيقي وأنّ رئيس الحكومة يعمل تحت إمرة الباجي الذي ما انفكّ يعبّر عن رغبته الجامحة في العودة إلى النظام الرئاسي على النمط البورقيبي وعن تعطّشه للحكم الفردي.

ولا يخلو تعيين خليل الغرياني على رأس وزارة الوظيفة العمومية والحوكمة من تأكيد النزعة التي ظهرت ما إن تربّع الباجي على كرسي قرطاج أي تلهّف العائلة الحاكمة الجديدة إلى تنصيب أفرادها وأقربائها وأنصارها في أهم مراكز الحكم. وفي ذات الوقت لا يخلو هذا التّعيين من التّعبير صراحة عن رضوخ الحكومة إلى قرارات صندوق النقد الدولي، لا فقط في تنفيذ التوصيات الاقتصادية والاجتماعية، بل وكذلك في اختيار الوزراء والمسؤولين غُلاة الليبرالية والعمالة.

حذار فتحت الرّماد اللّهيب  

لكن علامات الضّعف والفشل هذه التي تميّز الحكومة لم تمنعها من التّكشير عن أنيابها في أكثر من اتّجاه، إذ لم يتورّع الشاهد عن الإفصاح بكلّ وقاحة عن نواياه في بيع البلاد وتبديد ثرواته وتفكيك نسيج مؤسّساتها وتجويع أبنائها وبناتها والحكم عليهم بالبطالة المؤبّدة والفقر والحرمان تطبيقا لخطط صندوق النقد الدولي. كما لم تتوان حكومته وجهاز القضاء الفاسد عن الانتقام من شباب الثّورة وإصدار أحكام قاسية في حقّه في قليبية والحمامات والسّند وأم العرائس والقطار وغيرها من الجهات.

 ومن المتوقّع أن تهرول الحكومة أكثر من الآن فصاعدا باتّجاه إبداء علامات الخضوع والطّاعة لأسيادهم والحرص أكثر على تنفيذ توصياتهم التي لا هدف منها غير ضمان استرجاع أموالهم وفوائدها مقابل مزيد تأزيم الاقتصاد التونسي والحكم عليه بالإفلاس ومزيد نشر البطالة والفقر ودهورة خدمات الصحة والتربية والتعليم وتخلّف البنية الأساسية والاحتياج كل يوم أكثر لمزيد من الدّيون ومدّ اليد بحثا عن الصّدقات.

إنّ بلادنا مُقدِمة على مرحلة من أخطر مراحل تاريخها. ولا يستبعد في مثل هذا الوضع أن يقع الاستنجاد مجدّدا بعصا القمع. ولئن بات من الصّعب استعمالها على طريقة بن علي وبورقيبة فقد يفرض هذا الخيار نفسه لمحاولة تمرير الإجراءات المؤلمة وفرض الخوف والخنوع.

لا شكّ أنّ حكومة الشاهد تعلم أنّها تسلك طريقا محفوفة بالأشواك والألغام، ولكن كلّ المؤشرات تؤكّد أنها ماضية إلى اتّباع طريق المغامرة.

وفي ضوء ردود الأفعال الشعبية والاحتجاجات المستمرّة من فرنانة إلى قرقنة إلى بن قردان إلى المكناسي فحاجب العيون وبوحجلة والبرادعة فإنّ ثمن مغامرة الشّاهد وائتلاف الحكم الذي يقف وراءه سيكون باهظا ولن يجنوا منها إلاّ ما جناه بن علي من قبلهم.

فالأمر الأكيد أن الشّغالين في الاتّحاد العام التونسي للشغل وخارجه وعموم الفقراء وخاصّة منهم المهمّشون والمعطّلون عن العمل لن يقبلوا بمزيد البطالة والخصاصة وقلّة ذات اليد ولن يقبلوا أن تكبّدهم حكومة العمالة مزيدا من هذه المآسي. كما أنّ القوى الثورية المتمسّكة بالشغل والحرية والكرامة الوطنية وبالحق في العيش الكريم لن تقبل أن يقع التّلاعب بمصير البلاد والشّعب من قبل حفنة من الفاسدين الذين تربّوا على الامتيازات المنهوبة من عرق الناس ومن دمهم. فتحت غشاوة التذمّر السلبي والسّكوت ينتظر الجميع ساعة الانفجار العظيم الذي لن يقف أمامه أصحاب ربطات العنق الأنيقة وسلالات التّرف والبذخ القذر.

فحذار حذار، فتحت الرماد اللهيب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى