أخبار عاجلة
الرئيسية / الورقية / حكومة جديدة في مواجهة ملفّ قديم..

حكومة جديدة في مواجهة ملفّ قديم..

شريف خرايفي/ عضو المكتب الوطني لاتّحاد المعطّلين

udc..تنفيذا لقرارات الهيئة التقريريّة التي انعقدت بتاريخ 9 مارس 2014، نفّذ اتحاد أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل وقفة احتجاجيّة بالقصبة يوم الإثنين 17 مارس 2014.

  دواعي الاحتجاج:

مثلما هو معلوم، فقد فاجأ رئيس الحكومة، السيّد مهدي جمعة، كلّ من تابع لقاءه الإعلامي بتاريخ 03 مارس 2014، بقرارات وإجراءات اعتُبرت مخيّبة للآمال ومحبطة، بالنّظر لطول الانتظار لدى عموم الشعب والمعطّلين أساسا، بدل أن تكون حاملة لرسائل تهدئة وطمأنة وتدفع نحو “إنقاذ” فعلي لما تردّت فيه البلاد من تأزّم غير مسبوق في عديد الواجهات والمجالات.

ولعلّ أخطر ما جاء في الخطاب “التاريخي” المذكور، هو الإعلان صراحة على أنّ الحكومة ستتّخذ إجراءات تقشّفيّة وستسعى إلى مزيد الاقتراض لسدّ العجز الحاصل وأساسا سيتمّ وقف الانتداب طيلة المرحلة القادمة (وكأنّ أبواب الانتدابات كانت مفتوحة على مصراعيها)

إلى جانب تصريح “فجّ” كهذا، عقدت الحكومة عزمها الرّجوع إلى العمل بآلية “الكاباس”، آلية الإقصاء والتشفّي من المعارضين وآلية السمسرة والرشوة والتلاعب بمصير المعطّلين (وهي آلية تمّ التخلي عنها بفضل تحرّكات المعطلين عن العمل وبفضل ثورة “الشغل والحرية والكرامة الوطنية”)..هذا القرار تمّ بأمر من رئيس الحكومة المقالة وبتزكية من وزيره للتربية، أيّاما قليلة قبل مغادرتهم “الحكم”.

ندوة صحفية لاتّحاد المعطّلين:

ردّا على قانون الانتداب الجديد وعلى قرارات الحكومة المسقطة (وقد ندّدت بها نقابات التربية والتفقّد نظرا لاتّخاذها أُحاديّا ودون تشريك الهياكل النقابية المعنيّة) وعلى الرّسائل غير المطمئنة لرئاسة الحكومة، عقد اتحاد المعطّلين ندوة صحفيّة يوم الجمعة 14 مارس 2014، عرض فيها قرار الهيئة التقريريّة للانطلاق في سلسلة من الوقفات الاحتجاجيّة السلميّة في كامل البلاد للتصدّي لهذه الاجراءات الجائرة والتي تستهدف هذه الفئة التي كانت وقود الثورة وقاطرتها، ولم تجن غير مزيد من الإقصاء والتهميش و”الحقرة”. وعرض الاتّحاد في ندوته الصحفيّة مقترحاته التي رأى أنّها قد تساهم، إن وجدت الإرادة السياسيّة الحقيقيّة، في حلحلة الوضع وفي معالجة جانب من هذه الآفة، آفة بطالة خرّيجي الجامعات.

 مقترحات اتّحاد المعطّلين:

في الندوة موضوع الحال تقدّم الاتحاد بورقة (مشروع برنامج) يتضمّن تصوّره بخصوص كيفيّة المراوحة في عمليّة الانتداب، بين من طالت بطالتهم وحديثي التخرّج، وهو ما يعتبره أكثر إنصافا ولا يحرم أيّ صنف من أصناف المعطّلين، وتقضي هذه الآليّة باعتماد مقياس سنّ المعطّل وسنوات بطالته مقياسا لأولوية الانتداب (تخصيص نسبة 60% للانتداب وفق الملفّات لمن فاقت بطالته ثلاث سنوات) وإعطاء نسبة 40% لمن تقلّ سنوات بطالتهم عن الثلاث سنوات، يجتازون مناظرة في الاختصاصات المتعدّدة.

ويرى الاتّحاد ضرورة أن يجتاز المنتدبون وفق أولويّة السن وسنوات البطالة تربّصا بيداغوجيّا لمدّة ستّة أشهر لتحيين مؤهّلاتهم التطبيقيّة (بيداغوجيّا)، وليس “للتثبّت” في كفاءاتهم، التي تؤكّدها وتبرهن عليها الشهادة المتحصّل عليها والإطار الجامعي الذي منحها.

كما طرح الاتّحاد مبادرة  تتمثّل في بعث هيكل للرّقابة على العمليّة التشغيليّة تكون تركيبتها ممثَّلة تناصفا بين سلطة الإشراف (الوزارات المعنيّة) ومنظمات وجمعيّات مرجع النّظر (نقابات التربية والتعليم، اتّحاد المعطّلين..) يكون هو الجهة الضامنة لشفافيّة فرز الملفّات والنّظر في الطّعون والردّ عليها ومتابعة برقيّات التعيين.

وبخصوص المقترحات العامّة المتعلّقة بالوظيفة العموميّة فقد طالب الاتّحاد بضرورة التّرفيع في جملة الانتدابات، وبضرورة تدخّل الدولة لبعث مشاريع ذات قدرة تشغيليّة عالية، وإعادة هيكلة القطاع الخاص ومراجعة مجلّة الشغل من أجل مراقبة عمليّة إدماج وترسيم المنتدبين في مؤسّسات الإنتاج الخاصة وإنهاء العمل بآليّات التشغيل الهشّة (المناولة، آلية 16 و21،  وsivp…). كما طالب الاتّحاد بضرورة بعث صندوق وطني (تضمّنته أرضية التأسيس سنة 2006 ووثائق مؤتمره في ماي 2013) يتمّ تمويله باكتتاب وطني وبتمويل من الدولة ومن الأجراء ورؤوس الأموال الوطنيّة لتقديم منحة تحفظ الحدّ الأدنى من كرامة المعطّل عن العمل في انتظار حصوله على عمل قارّ (منحة في حدود 2/3 الأجر الأدنى)

  كيف واجهت الحكومة مقترحات ومبادرات الاتّحاد:

مثلما عهدنا من الحكومات البائدة (ما قبل 14 جانفي إلى حكومات الترويكا) فإنّ منهج التعامل مع الملفّات الحارقة، وهو ما لم تشذّ عنه حكومة “التوافق” القسري، هو نفسه، ذلك أنّ أغلب الوزارات ذات الصّلة بملفّ التشغيل تمّت مراسلتها في عديد المناسبات بمثل هذه المقترحات، إلاّ أنّها تجاهلت مقترح اتّحاد المعطّلين عن العمل الذي ساهم فيه عديد الخبراء والباحثين في المجال الاقتصادي والاجتماعي والمالي.

إنّ أسلوب التجاهل هذا، اعتبره مناضلو الاتّحاد بمثابة التنصّل من المسؤولية، وعدم وعي بالمخاطر وبالمآسي الاجتماعية الناجمة عن البطالة وعن إطالتها (جريمة وانحراف وتطرّف وإحباط..) ولذلك أعلنوا عن الشّروع في سلسلة من الوقفات الاحتجاجيّة التصاعديّة. أولى هذه الوقفات كانت يوم الإثنين 17 مارس 2014 بساحة القصبة، والتي شهدت عسكرة منذ الصّباح الباكر بتشكيلة متنوّعة من قوّات الأمن (طلائع حرس، شرطة، تدخّل…) ومنها حتّى عناصر أمنيّة ملثّمة (عادة ما تعرف بفرقة مكافحة الإرهاب).

الردّ الذي قُوبل به طلب الاتّحاد للقاء ممثّل/ مسؤول حكومي كان سريعا، إذ انهالت قوّات البوليس بالضرب والاعتداء بكلّ عنف وهمجيّة على المعطّلين، طال حتّى بعض الصحفيّين الذين واكبوا التحرّك. فكانت الحصيلة إصابات عديدة استوجبت نقل البعض منهم إلى المستشفى (كسور وأحدهم أصيب بنزيف داخلي).

وقد أصدر الاتّحاد بيانا اعتبر فيه أنّ حكومة مهدي جمعة تصبّ “الزيت على النار” وأنّها كشفت مبكّرا عن عدائها للحراك الاجتماعي ولهياكل التأطير والنضال الاجتماعي، وهي مساعي قديمة ومتجدّدة لتجريم الحراك الاجتماعي ولإعادة فرض الصمت والقمع تجاه المطالب المشروعة. ودُعي، عبر البيان، عموم المناضلين إلى الانطلاق، بداية من الأسبوع القادم، في احتجاجات أمام المندوبيّات الجهويّة للتشغيل لوقف العمل بالكاباس والتحاور مع ممثلي المعطلين وقطاعات التربية والتعليم حول آليات عادلة ومنصفة للانتداب. وسيكون شعار هذه الحملة “اعطيني حقّي في الحياة، في الشغل، في الثروة وفي الوطن”

وللتذكير فإنّ وزارة التربية التي توجّه لها المحتجون بعد الاعتداء عليهم في ساحة القصبة، رفضت التفاوض الرسمي مع وفد الاتحاد، حيث أنّ مدير الدّيوان رفض إجراء محضر جلسة في فحوى اللّقاء، منذ بدايته، واعتبر أنّ مؤسّسة الدّيوان غير مخوّلة باتّخاذ قرارات، وإنّما سترفع فحوى اللّقاء شفاهيّا إلى وزير التربية والذي بدوره لا يمكنه البتّ فيها بل سيرفعها إلى رئيس الحكومة.

ونحن في اتّحاد أصحاب الشهادات المعطّلين عن العمل اعتبرنا أنّ رئيس الحكومة بدوره غير مخوّل، بالصلاحيات الممنوحة له، البتّ في مطالب المعطّلين، الذي سيرفعها بدوره إلى صندوق النقد الدولي وإلى مراكز النفوذ والقرار الدوليّين، التي أرغمته على اتّخاذ إجراءات لاشعبيّة ولاديمقراطيّة، تدعو إلى التقشّف وإلى مزيد التّداين والارتهان والتفريط في ثروات البلاد ومقدّراتها، وأوّلها وأساسا الثروة البشريّة والإطارات العلميّة. إنّ حكومة كهذه، تحمّل المسؤوليّة لغير المتسبّبين فيها، هي حكومة تخطئ التّصويب منذ البداية، ولا نخمّن أنّها ستذهب بعيدا.

إنّ الدستور الوليد، وبقدر ما استبشر التونسيّين على إنهاء صياغته بمضامين مدنيّة وتضمن الحدّ الأدنى من الحرية والنزر القليل من التّعايش المواطني، فإنّ النقطة السوداء فيه، هي بلا شكّ عدم إنصاف المعطّلين والمهمّشين، بعدم التنصيص على مبدأ دستوريّة الحق في الشغل، وعلى أن تضمن الدولة أوّلا العمل اللاّئق وتضمن مبدأ المساواة في نيله.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى