الرئيسية / أقلام / حمه الهمّامي: الجبهة الشعبيّة والمسار الثّوري في تونس (*)

حمه الهمّامي: الجبهة الشعبيّة والمسار الثّوري في تونس (*)

(*) الكلمة الكاملة التي ألقاها حمه الهمّامي الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبيّة في الذّكرى الثانية لاستشهاد شكري بلعيد (“أفريكا” – 7 فيفري 2015: ندوة “المسار الثوري في تونس: الواقع والآفاق”)

HAMMA

الرفيقات والرفاق،

ضيوفنا الأعزّاء،

الحضور الكريم،

أهلا وسهلا بكم.

طلبت منّي اللجنة المشرفة على هذه النّدوة السياسية التي تنظّم بمناسبة الذكرى الثانية لاستشهاد العزيز علينا، الرفيق شكري بلعيد، تقديم مداخلة حول الجبهة الشعبية التي كان للشهيد، إلى جانب قادة الأحزاب الآخرين وثلة من الشخصيات المستقلة، دور بارز في تأسيسها. كما أوصتني بالإيجاز بالنّظر إلى تعدّد المداخلات في هذه النّدوة التي تتمحور حول  تجارب العمل الجبهوي والتي يحضرها ضيوف من عدّة بلدان تخاض فيها تجارب من هذا القبيل بعضها، وأقصد هنا تجربة “سيريزا” باليونان، كلّل بنجاح باهر في الانتخابات الأخيرة بهذا البلد وبعضها الآخر يشقّ طريقه بثبات، والبعض الثالث مازال يبحث لنفسه عن طريق وسط  المصاعب. وأخيرا أوصتني اللجنة بأن تكون المداخلة مكتوبة. واعتبارا لكل ذلك ركّزت في مداخلتي هذه على ما اعتبرته عناصر أساسية في تجربة الجبهة الشعبية  التونسية منذ تأسيسها إلى اليوم، تاركا للنقاش بعض التفاصيل أو التدقيقات.

 تأسيس الجبهة الشعبية:

 تدارك تخلّف العامل الذاتي عن العامل الموضوعي.

 لقد مرّ على تأسيس الجبهة الشعبية أكثر من عامين. ولم يكن هذا التأسيس إشباعا لرغبة ذاتية في توحيد قوى اليسار في تونس، بل استجابة لحاجة موضوعية، ملحّة، تتمثل في تدارك النقص الفادح في الثورة التونسية  وهو تخلّف العامل الذاتي عن العامل الموضوعي ممّا حكم على الثورة التونسية بالتوقف في منتصف الطريق وسمح للقوى الرجعية بالمحافظة على هيمنتها السياسية والاقتصادية على المجتمع. إن الجماهير الكادحة والشعبية المنتفضة ضد الفقر والاستبداد والتي أجبرت بن علي على ترك الحكم والهروب إلى الخارج لم تكن تملك قيادة وطنية، مركزية، تسلّحها بالبرنامج والأسترتيجية والتكتيك الثوري وبالتنظيم الذي يحوّل حركتها من حركة عفوية إلى حركة واعية تعمل وفق خطة واضحة المعالم والأهداف.

إن هذا لا يعني أن الوعي والتنظيم كانا غائبين بالكامل في الثورة التونسية، مثلما تروّج لذلك بعض الأطراف الرجعية والانتهازية لتركب على هذه الثورة وتنفي تضحيات أجيال من الثوريين والديمقراطيين والتقدميين، الذين راكموا لها، بل لتنفي مساهمتهم في الثورة ذاتها، لكنّ هذا الوعي والتنظيم كانا ضعيفين ومحدودين. ففي كل الجهات ومنذ اللحظة الأولى لانطلاق الأحداث بسيدي بوزيد، وجد مناضلون ومناضلات من الأحزاب، ومن المنظمات الاجتماعية والحقوقية الديمقراطية، شاركوا في هذه الأحداث وقادوها في أكثر من منطقة وقطاع وصبغوها بصبغة ثورية وديمقراطية وتقدمية وصاغوا لها شعاراتها التي تحول بعضها إلى شعارات وطنية، ومنها خاصة شعار: “شغل، حرية، كرامية” الذي صار الشعار المركزي للثورة ككل. ولكن لم تكن ثمة قيادة في المستوى الوطني، تؤطّر الأحداث وتوجّهها الوجهة الصحيحة وتحوز على اعتراف الجماهير، وقادرة على حسم مسألة السلطة، المسألة المركزية في كلّ ثورة، في اللحظة الحاسمة، لفائدة هذه الجماهير المنتفضة فتفتح لها الباب لتحقيق آمالها وطموحاتها.

لقد ولدت الجبهة الشعبية لسدّ هذه الثغرة وبالتالي لتجذير المسار الثوري الناشئ والمعقّد والتصدّي لمحاولات الالتفاف عليه وتوحيد صفوف الطبقات والفئات الكادحة والشعبية حول برنامج أدنى، وطني وديمقراطي، واجتماعي، على طريق تحقيق أهداف الثورة وإقامة الجمهورية الديمقراطية الاجتماعية. لقد طرحت الجبهة إذن كمهمة عملية للإنجاز المباشر، أما مضمونها فقد أملته طبيعة المهام المطروح إنجازها في هذه المرحلة من تطور مجتمعنا وهي مهام نابعة من طبيعة التناقضات التي تشق هذا المجتمع في هذه المرحلة من تطوره. ومن نافل القول إنّ المهام التي طرحتها الثورة هي مهام ذات طابع وطني وديمقراطي واجتماعي، ومن نافل القول أيضا إن هذه المهام نابعة من طبيعة الصراع الذي يحرّك مجتمعنا وهو صراع ضد الاستبداد وضد الاستغلال الفاحش وضد الفساد وضد العمالة والتبعية. ومن ثمة فإن هذه المهام لا تعني طبقة أو فئة واحدة من الشعب، لا تعني الطبقة العاملة وحدها، بل تعني كافة طبقات الشعب وفئاته ، في المدينة والريف، المتضرّرة بشكل أو بآخر، بهذه الدرجة أو تلك من الدكتاتورية، وهو ما يفسّر مشاركتها كلها تقريبا، وإن بدرجات متفاوتة، في الثورة وهو ما يجعل من تجميعها في جبهة موحّدة مهمّة مؤكّدة.

 وهكذا فإن الجبهة الشعبية ولدت لتكون الترجمان الواعي لمصالح الشعب ولتكون منظّمه وقائده أيضا سدّا للهوّة بين العامل الموضوعي والعامل الذاتي.

مهمّة صعبة:

ولم تكن مهمة تأسيس الجبهة الشعبية سهلة. فقد كان من الضروري التغلّب على إرث ثقيل من العقلية الفئوية التي طبعت عقودا من تجربة القوى الثورية والديمقراطية والتقدمية، الماركسية منها والقومية، بل طبعت تجربة الحركة السياسية ككل في تونس منذ أيام الاستعمار الفرنسي التي لم تشهد تكوين جبهة وطنية متحدة كان يفرضها الواقع والمهام المنبثقة عنه. لقد كان الشهيد شكري بلعيد يقول:”في الماضي تعلّمنا، في الحركة اليسارية، كيف نختلف ولم نتعلّم كيف نتّحد… وكان الواحد منّا إذا اتفق مع رفيقه من تيار يساري آخر يتبرّم وكأنه ارتبك خطيئة وكأن الطبيعي في علاقاتنا أن نبقى دوما مختلفين” وكان الفقيد يضيف:” وقد حان الوقت اليوم لنتعلّم كيف نتّحد…حان الوقت لندرك أن ما يجمعنا هو أكثر ممّا يفرّقنا…”. كما كان الشهيد الحاج محمد البراهمي، الذي آثر الانشقاق عن “حركة الشعب” ليكون ورفاقه في الجبهة الشعبية، الخيار الإستراتيجي للمرحلة كما كان يؤكّد، يقول في نفس الغرض:” ماكينة اليسار والقوميين تدور في اتجاه الداخل وليس في اتجاه الخارج” أي أنّ أطراف اليسار القومي والماركسي “يرحي بعضها بعضا” عوض منازعة الرجعية وأعداء الشعب.

 إنّ المغزى من كلّ هذا هو أن القوى الثورية وجب عليها أن تتخلّى عن تربية قديمة مؤسسة على النزوع الدائم للانقسام والتشظّي وأن تتبنّى تربية جديدة، التربية على الوحدة، بالطبع ليست أية وحدة، بل الوحدة القائمة على المبادئ والقيم التي يقتضيها تطوير الحركة الاجتماعية والشعبية لكي تحقق أهدافها الإستراتيجية، تربية جديدة تؤمن إيمانا فعليّا أنّ صاحب القضية الأساسية هو الشعب وأنّه من دون مشاركته الفعلية والنشيطة يصبح التغيير مجرّد حلم رومانسي، بل مجرّد وهم.

لقد جمعت ساحات النضال النقابي والشبابي والحقوقي والنسائي والثقافي القوى الماركسية والقومية، كما جمعتها مخافر البوليس السياسي ومحاكم الدكتاتورية وسجونها، ولكنها ظلت ترفض أن تجتمع تحت سقف واحد، مخيّرة الانقسام ومساوئه على الوحدة ومحاسنها. ومن المهازل أن معظم هذه القوى لم تكن تقيس نفسها بالنسبة إلى المهام العامة المطروحة في المجتمع ككل وبالتالي لم تكن تقوّم نفسها اعتمادا على ما تحقق أو لم يتحقق من تلك المهام الموضوعية بل كانت تقيس نفسها بالنسبة إلى بعضها البعض وتقوّم نجاحاتها بما تحققه من “انتصارات” بعضها على بعض وكأنّ الخطر يكمن في “القريب” أي في ابن العائلة الفكرية والسياسية وليس في “البعيد”، أي في العدو المشترك الذي لا يفرّق بين هذا الطرف أو ذاك من أبناء/ بنات “العائلة” الثورية والتقدّمية . وقد تواصلت هذه العقلية الفئوية المقيتة، ذات الطابع البورجوازي الصغير والتي تعكس غياب النضج السياسي، حتى بعد الثورة. فبعد تجربة قصيرة من الوحدة في إطار “جبهة 14 جانفي”، تشتت الصفوف من جديد في أول محطة سياسية تعلّقت بالدخول في/  أو/ مقاطعة الهيئة الرسمية التي كونتها السلطة آنذاك بديلا لـ”الهيئة الوطنية لتحقيق أهداف الثورة” والتي أسمتها:”الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة”. لقد خيّرت بعض الأطراف الانخراط فيها للتأثير في مجرى القرارات التي ستتخذها لتأطير المرحلة الانتقالية، بينما قاطعتها أطراف أخرى لأنّها رأت فيها خطوة أولى للانقلاب على المسار الثوري وقبرا للهيئة الوطنية لتحقيق أهداف الثورة وإعطاء كل السلطة لرئيس الحكومة الذي ينتمي للنظام القديم.  ومن ثمة ظلّ كل طرف يعمل في الأساس “لحسابه الخاص”.

 انتخابات 2011: المنعرج:

وقد مثّلت انتخابات 23 نوفمبر 2011 التي تولّد عنها المجلس الوطني التأسيسي صدمة لمختلف القوى اليسارية التي تقدمت إلى هذه الانتخابات مشتتة الصفوف، يصارع بعضها بعضا، أحيانا، على مقعد في هذه الدائرة أو تلك فكانت النتيجة الفشل للجميع إذ لم يتجاوز عدد المقاعد التي حصلت عليها كل الأطراف الـ6 أو الـ7 مقاعد في الوقت الذي كان مجمل الأصوات الذي حصلت عليه متفرّقة يسمح لها، لو كانت متجمعة، بكسب ضعف ذلك العدد إن لم يكن أكثر حسب النظام الانتخابي المعمول به. وقد سمح هذا الفشل للقوى الرجعية، التي كانت أكثر تماسكا وأكثر تنظيما، وأكثر وعيا بمصالحها فضلا عن ارتباطها بتنظيم دولي مدعوم من قوى استعمارية، من كسب تلك الانتخابات والسير قدما نحو الالتفاف على الثورة بل نحو إقامة استبداد جديد بغلاف ديني. ولكن وعي الوضع الجديد ومتطلّباته لم يكن سريعا وهو ما أخّر تأسيس الجبهة الشعبية إلى شهر أكتوبر 2012 أي عاما بعد انتخابات المجلس الوطني التأسيسي. لم يكن من السهل تجاوز ترسّبات الماضي الانعزالي، فقد كان من الضروري القطع معها والنظر إلى الجبهة نظرة جديدة، النّظر إليها على أنها “بيت الجميع” أو بعبارة أخرى “حزب المشترك” وبالتالي لا يمكن أن تكون بيت طرف بعينه يفرض فيه وجهات نظره ليعود إلى “قومه” أو “عشيرته” فرحا مسرورا بـ”الانتصارات” التي حققها على “القوم” أو “العشيرة” الأخرى، ولكن كان من المفروض أيضا أن تكون “أعمدة البيت” أو مقومات ” الحزب المشترك” في مستوى مقتضيات الظرف الثوري الذي تعيشه البلاد أي أن تجمّع ولكن على أساس مطالب الشعب وطموحاته الأساسية التي ارتفع سقفها في مثل هذا الظرف الثوري لتشمل الأبعاد الإستراتيجية التي أصبحت مطروحة للإنجاز وليس للدعاية فقط. وبالطبع لم يكن من السهل إيجاد نقطة التوازن في كلّ هذا.

أرضية الجبهة:

لقد رسمت أرضية الجبهة، التي تبلورت من خلال ماراتون من النقاشات، الطريق المستقل للشعب لكي يحقق أهداف ثورته ويتصدى لمحاولات الالتفاف عليها من مختلف القوى الرجعية في الداخل والخارج التي استغلت نقائص الثورة التونسية لكي تعمل على إجهاضها. وفي هذا الإطار حدّدت الأرضية المبادئ والأهداف التي يقوم عليها نشاط الجبهة والتي من شأنها أن تحافظ على المسار الثوري وتطوره من أجل خلق موازين القوى الكفيلة بتحقيق أهداف الثورة وحسم مسألة السلطة، لفائدة الشعب. إن مسألة السلطة، وهي المسألة المركزية في كل ثورة، لم تحسم نهائيا بعد سقوط بن علي بل تواصل الصراع حولها بين الشعب والقوى الثورية والتقدمية من جهة والقوى الرجعية بمختلف فصائلها القديم منها والجديد، المغلّف بغلاف “حداثي” أو المغلّف بغلاف ديني والتي يعمل كل طرف منها على تمثيل مصالح الفئات الرجعية والعميلة في المجتمع، من جهة ثانية.

لقد جاء في أرضية الجبهة الشعبية ما يلي:”إنّ بلادنا تعيش أزمة حقيقة ولا مخرج لها إلّا بمواصلة الشعب التونسي لمسيرته النضالية بأبعادها الوطنية والديمقراطية والاجتماعية والثقافية والبيئية حتى تحقيق أهداف الثورة كاملة وإرساء سلطة الشعب. ولن يكون ذلك ممكنا إلّا بالقطع مع تشتّت القوى الثورية والوطنية والديمقراطية والتقدمية أحزابا وجمعيات ومنظمات وشبابا وشخصيات مستقلة وتحالفها صلب جبهة شعبية تشكل بديل حكم حقيقي وتتجاوز الاستقطاب الثنائي المغشوش الذي يقابل بين “قطبين” والحال أنهما يلتقيان في الحفاظ على نفس التوجهات الاقتصادية الليبرالية المرتهنة للدوائر الأجنبية وإن تغلّف أحدهما بغلاف “ديني” والآخر بغلاف “حداثوي” مما يدفع باتجاه طمس التناقض الحقيقي بين القوى المتمسكة بتحقيق أهداف الثورة وبين القوى التي تعمل على الالتفاف عليها.”

وعلى هذا الأساس ضبطت الأرضية السياسية الأهداف العامة للجبهة وهي: بناء نظام جمهوري، مدني، ديمقراطي، في خدمة الشعب، يكرس الاستقلال الفعلي للبلاد ويضع أسس اقتصاد وطني مستقل ومتوازن ومندمج، يحقق سيادة الشعب على ثروات البلاد ويضمن التنمية الفعلية لكل الجهات ويقوم على التوزيع العادل للثروات بما يكفل تلبية الحاجات الأساسية المادية والمعنوية للشعب، من شغل وتعليم وصحة وثقافة وبيئة.(انظر التفاصيل في نص الأرضية).

تطوّر صعب في ظروف معقّدة:

لقد بانت ثمار التوحيد مباشرة، إذ ما أن تمّ إعلان تأسيس الجبهة الشعبية حتى عمت روح جديدة في مختلف أوساط القوى الثورية والتقدمية تترجمت في رغبة عارمة في التنظيم والنشاط صلبها وحولها. لقد زرع تأسيس الجبهة الأمل في وقت ساد فيه التشاؤم والإحباط بعد انتصار حركة النهضة في الانتخابات وبعد الخطوات التي بدأت تخطوها نحو فشستة المجتمع بعنوان “أسلمته”. ومنذ تلك اللحظة تحولت الجبهة الشعبية إلى قوة سياسية ثابتة ومؤثرة يحسب لهل ألف حساب حتى أن إحدى اليوميات نشرت في صفحتها الأولى ذات مرة: “الجبهة تنتشر في الأرض” للتعبير عن نموها المتسارع وهو ما جعلها هدفا لسهام القوى الرجعية والظلامية وخاصة فصيلها الإرهابي الدموي. وقد بدأ التخطيط لمحاصرة الجبهة الشعبية وشيطنتها وتهميشها ثم للقضاء عليها وعلى قياداتها ضمن مخطّط عام يندرج في سياق واحد ووحيد وهو إجهاض الثورة التونسية وقطع الطريق أمام بروز قيادات جدية قادرة على الوصول بها إلى نهايتها.

 لقد كان اغتيال الشهيد شكري بلعيد، زعيم حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد وأحد أبرز مؤسسي الجبهة الشعبية، الحلقة الأولى ضمن هذا المخطّط ثم تلاه اغتيال الشهيد الحاج محمد البراهمي، زعيم التيار الشعبي وأحد أبرز قادة الجبهة، إلى جانب الحرب الإرهابية التي شنّت على قوات الأمن والجيش وأودت بحياة العشرات من أفرادها من أجل إحداث الفراغ لبسط سيطرة المشروع الظلامي، في تونس. وقد تمّ ذلك في ظلّ حكم الترويكا بزعامة “حركة النهضة” التي خلقت التربة المناسبة لتطور الظاهرة الإٍرهابية والتي تتحمل المسئولية السياسية والأخلاقية عن كل ما جرى في انتظار ما سيكشف عنه التحقيق إن كان ثمّة أيضا مسئولية جزائية في الأمر أم لا. وهكذا فقد تطورت الجبهة الشعبية منذ ميلادها في ظروف صعبة ومعقدة تتشابك فيها عناصر كثيرة، داخلية وخارجية. إن المخطط الرامي إلى إجهاض الثورة التونسية وفرض حكم “الإخوان”، الأداة الرئيسية للارتداد العام والإبقاء على الهيمنة الرجعية والاستعمارية لم يكن محليا فقط بل كان إقليميا وعالميا أيضا، تقوده أساسا الولايات المتحدة الأمريكية وعتاة الرجعية في أوروبا والكيان الصهيوني وبعض التوابع في المنطقة (قطر، تركيا، السعودية….) الذين تمكّنوا من إجهاض عدة انتفاضات في أقطار عربية أخرى وحرفها عن مسارها الطبيعي وتحويلها من أدوات تحرير إلى حروب أهلية مدمّرة.

 لقد كان على الجبهة أن تتعامل مع هذه الأوضاع الصعبة والمعقدة بدراية كبيرة ويقظة مستمرة. وهو ما طرح ضرورة بلورة التكتيكات الملموسة التي تنزل الأهداف العامة في الواقع وتأخذ بالتالي في حسابها حالة موازين القوى لتحديد الشعارات وأشكال النضال والتنظيم المناسبة والتي من شأنها أن تسمح بتقديم المسار الثوري وتجنيبه الانتكاسات وهو ما يتنافى أولا مع التعميم والتسطيح والجمل الفارغة الصالحة لكل زمان ومكان والتي لا تأخذ بعين الاعتبار لا حالة موازين القوى ولا الحالة الذهنية للجماهير ولا استعداداتها لإنجاز هذه المهمة أو تلك. وثانيا مع الحسابات الانتهازية اليمينية التي تؤدّي إلى ضياع هوية الجبهة الثورية واستقلالها وتهددها بالذوبان في قوى اليمين الليبرالي “الحداثوي” الذي أخذ يتشكّل في البلاد بتشجيع من بعض أجنحة البورجوازية الكبيرة ومن بعض القوى الخارجية التي بدأت ترتاب من حكم “الإخوان” باعتباره، عامل اضطراب وفوضي، وتسعى إلى إضعافه إن لم يكن إسقاطه كما حصل في مصر.

مكاسب ولكن…

وقد نجحت الجبهة الشعبية، وإن بجهد، في تخطي المصاعب التي واجهتها. وتمثل تجربة جبهة الإنقاذ، التي تأسست بعد اغتيال الشهيد الحاج محمد البراهمي في صائفة 2013، رغم ما اعتراها من نقائص وأخطاء، أحد نجاحات الجبهة الشعبية التكتيكية. لقد ضمّت هذه الجبهة عددا كبيرا من الأحزاب والجمعيات والمنظمات المدنية ذات التوجهات الفكرية والسياسية المختلفة، على أرضية مقاومة الخطر الفاشستي الزاحف الذي بات يهدد، بألف طريقة وطريقة بما فيها العنف والإرهاب، لا مكتسبات الثورة فحسب بل كل ما راكمه الشعب التونسي من مكتسبات حداثية تقدمية، بل بات يهدد وحدة البلاد والشعب. وبفضل هذا التكتيك  أنجز “اعتصام الرحيل” بساحة باردو وبعدة مدن من البلاد (صائفة 2013)، ونجحت التعبئة ضد حكم الترويكا وفرض عليها الرحيل كما فرض عليها مراجعة دستور 1 جوان 2013، الذي كان يرمي إلى وضع أسس استبداد جديد بغلاف ديني، وتمّت صياغة دستور يحافظ في الأساس على حرية التونسيات والتونسيين وحقوقهم، وهو ما مثّل نصرا مزدوجا للقوى الديمقراطية وللشعب التونسي عامة وفتح باب الأمل من جديد.

 ثم جاءت الانتخابات التشريعية (أكتوبر 2014) والرئاسية (نوفمبر 2014) التي حققت فيها الجبهة الشعبية تقدما هاما مقارنة بانتخابات 2011 وثبتت مكانتها كقوة سياسية ثالثة في البلاد. لقد كسبت الجبهة الشعبية 15 مقعدا في مجلس نواب الشعب، وحصل مرشّحها على المركز الثالث في الرئاسية، في الوقت الذي انهارت فيه أحزاب وقوى أخرى بعضها كان في الحكم وبعضها الآخر كان له موقع هام في المجلس التأسيسي. وما من شك في أن نتائج الجبهة الشعبية كان من الممكن أن تكون أفضل بكثير لو أن الجبهة تجاوزت جملة من النقائص في المستويين السياسي والتنظيمي، ولكن النتائج الحاصلة هي في حدّ ذاتها خطوة مهمة إلى الأمام أكدت نجاعة العمل الجبهوي المشترك. ومن البديهي أنه أمام الجبهة الشعبية اليوم فرصة تاريخية لمزيد التقدم خاصة وقد أصبحت، بعد تحالف حزب نداء تونس وحركة النهضة، في الحكومة الجديدة، القوة المعارضة الرئيسية في البرلمان وفي الشارع أيضا.

إن المسار الثوري في تونس وإن كان مهددا بالإجهاض، بل إن كانت القوى الرجعية قد مضت أشواطا كبيرة في الالتفاف عليه، ما يزال قائما، بعوامله الموضوعية المتمثلة في تفاقم أوضاع الشعب في كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والسياسية أو بعوامله الذاتية المتمثلة في استمرار المزاج الثوري عند الفئات الكادحة والمفقرة من الشعب وخاصة الشباب الضحية الأولى لكافة أمراض المجتمع الحالي (بطالة، تهميش، مخدرات…) وهو ما جعلها ويجعلها على استعداد دائم للتحرك، وهي تتحرك اليوم (الإضرابات، والاعتصامات. والمظاهرات…) وستتحرك في المستقبل إذا لم تلبّ مطالبها ولا نعتقد أن التحالف الحكومي الحالي، وهو تحالف رجعي، يميني، قادر على تلبية تلك المطالب. ولكن الحفاظ على هذا المسار الثوري وتطويره والعودة به إلى مستوى أرقى وتجنيبه التلاشي والإخفاق، يتطلب من الجبهة الشعبية إصلاح أشياء عدة. إن مواصلة العمل بالطرق والأشكال والأساليب القديمة من شأنه أن يعرقل تطور الجبهة ويحول دون تحقيق أهدافها. فلكل مرحلة من مراحل النمو مقتضياتها وشروطها.

 شروط النجاح:

ودون الدخول في التفاصيل فإن الجبهة الشعبية مطالبة بعد هذه التجربة التي تجاوزت العامين بأن تجيب عن سؤال رئيسي وهو التالي: هل تريد أن تبقى قوة ضغط أو قوة معارضة راديكالية أبدية، منحصرة في فئات اجتماعية قليلة، قوة 10 أو 12 % من القاعدة الانتخابية أم أنها تريد أن تتحول  نهائيا إلى قوة شعبية ضاربة، إلى قوة تقوّم أداءها بمدى القدرة على لف الشعب حولها وبالتالي حول برامجها والسبر به نحو السلطة لكي يكتمل المسار الثوري ويصبح الحديث ممكنا عن ثورة ظافرة في تونس لا ثورة مجهضة أو مغدورة؟

إن الجواب بالإيجاب على هذا السؤال يتطلب من الجبهة الشعبية توفير جملة من المقومات في أسرع وقت ممكن. عليها أولا قبل كل شيء تقويم مسارها منذ تأسيسها للوقوف عند أهم القوانين التي حكمت هذا المسار ومن ثمة استجلاء مواطن القوة وخاصة مواطن الضعف في تجربتها. ولا أعتقد أننا سنختلف بعد ذلك في أن الجبهة الشعبية مطالبة:

أولا:  بتثبيت خطها السياسي وتطويره وتحيين برنامجها بما يجعله يستوعب كافة الجوانب المتعلقة بحياة الشعب حتى تكون ملامح الجمهورية الديمقراطية الاجتماعية المنشودة والطريق إليها واضحين لمختلف الطبقات والفئات الشعبية.

ثانيا: توضيح السلوك التكتيكي العام للجبهة بما يمكّنها من الإجابة بسرعة على ما يطرحه الواقع المتطور باستمرار من إشكالات وقضايا ومن القطع مع التردد ومن اجتناب المنزلقات يمينا أو يسارا ومن الحفاظ على استقلاليتها وهويتها مهما كانت المسالك التي تفرض عليها الأوضاع المتشعبة أن تسلكها.

ثالثا: وفي هذا الإطار لا بد من وضع الخطة الملائمة للجبهة التي تمكنها في القادم من الأيام من متابعة تطور الأوضاع في ظلّ حكومة اليمين الجديدة التي يجب على الجبهة الشعبية أن تضعها على محكّ مطالب الشعب التي بلورتها، أي الجبهة، في الوثيقة التي تقدمت بها أثناء المشاورات الحكومية. كما تمكنها من الاستعداد الجيد للمواعيد الانتخابية الجديدة وفي مقدمتها الانتخابات البلدية.

رابعا: تعميق الالتحام بالشعب والانخراط المستمر في نضالاته وتحركاته وتكثيف الأنشطة في صفوفه، بشكل مباشر أو عبر منظماته الاجتماعية والمدنية والثقافية والبيئية ومؤسساته التمثيلية (البرلمان في انتظار البلديات والمجالس الجهوية والمحلية…)

خامسا: إعادة تنظيم الجبهة الشعبية بما يمكن من استيعاب كل القوى المناضلة التي بقيت خارجها رغم انتصارها للمشروع، وكل الطاقات الجديدة التي التفت حولها في الانتخابات الأخيرة، وبما يمكّن أيضا من مقرطة القرار داخل الجبهة ويعزّز الروح الجبهوية على حساب الروح الحزبية الضيقة التي مازالت بكل صراحة سائدة ومتحكمة إلى حدّ بعيد في تصرفاتنا وقراراتنا.

سادسا: إبداع أشكال تنظيم واسعة ومرنة لتقدر الجبهة على إيجاد أطر عمل ونشاط لأوسع أنصارها في مختلف القطاعات وخاصة في صفوف الشباب والنساء والمثقفين والمبدعين.

إن كل هذه القضايا تتطلب اتصالات ونقاشات معمّقة تتوّج بندوة وطنية تعقد في آجال معقولة وتتخذ القرارات المناسبة لكي تدشّن الجبهة الشعبية مرحلة نوعية جديدة من مراحل تطورها.

                                                                  المستقبل للجبهة

أيتها الأخوات والإخوة،

أيتها الرفيقات والرفاق،

إن كل الظروف مهيّئة لكي تكون الجبهة قوة المستقبل، فالفرز يتسارع والشعب التونسي ما انفك يتعلم ويتخلص من ضعفه السياسي وقد أرسل إلى الجبهة الشعبية إشارات إيجابية خلال الانتخابات التشريعية والرئاسية الماضية، وليس أمام الجبهة اليوم إلا خيار واحد، لا خياران، وهو أن ترتقي إلى مستوى المسئولية التي وضعها على عاتقها الظرف التاريخي، وهي قادرة على ذلك، والمهم هو أن نجرأ على التخلص من نقائصنا وأخطائنا ونتعلم من تجارب غيرنا وننصرف إلى العمل في صفوف شعبنا فهو في انتظارنا، في انتظار من يضيء له الطريق ويسلّحه بالوعي وينظم صفوفه.

إن تجربة الجبهة الشعبية في تونس تلقى تعاطفا كبيرا في أكثر من قطر عربي، من المغرب إلى المشرق، وفي أكثر من بلد أوروبي وأسيوي وأمريكي لاتيني، فهي توضّح الطريق الذي ينبغي أن تسلكه القوى الثورية والتقدمية، طريق الوحدة، لكي تواجه هجمة رأس المال الامبريالي وأذنابه على العمال والشعوب، وهي هجمة متعددة الأشكال، تتراوح بين انتهاك الحريات والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وبين إثارة النزاعات والحروب الفتاكة في أكثر من منطقة من مناطق العالم بما يهدد السلم العالمي بأسره. وهذا التعاطف يضاعف من حجم المسئولية الملقاة على عاتقنا في تونس فنحن مطالبون بالنجاح ولا شيء غير النجاح.

إن نجاح جبهة “سيريزا” اليونانية في الانتخابات الأخيرة التي مكّنتها من كسب أغلبية تخوّل لها تشكيل الحكومة، جاء ليؤكّد بدوره أهمية اتحاد القوى التقدمية من أجل توحيد قوى الشعب في مواجهة قوى اليمين الليبرالي المتوحّش الذي لا يولي الإنسان أية قيمة، بل لا يرى في الإنسان إلاّ قوة عمل يستغلّها لتكديس الأرباح. وما من شك في أن تجربة “سيريزا” ستشعّ على أوربا أيضا حيث تتطور تجارب جبهوية لافتة للانتباه كما الحال في إسبانيا (بوديموس) وفي فرنسا (جبهة اليسار).

وفي كلمة فإن الجبهة الشعبية أو الجبهة المتحدة أصبحت اليوم مهمّة ملحّة تطرح في مستوى كوني وعلينا نحن في تونس، كما على رفاقنا في فرنسا وإسبانيا وغيرهما من البلدان، أن نمضي بتجربتنا إلى الأمام ونبين جدواها. كما أنه على رفاقنا الذين يحضرون بيننا من فلسطين، التي يواجه شعبها العربي  الشقيق استعمارا صهيونيا من أشنع أنواع الاستعمار في التاريخ، ومن لبنان والمغرب، أن لا يترددوا في توحيد صفوف القوى الوطنية والديمقراطية والتقدمية التي ليس من مصلحتها استمرار التشتت. أما رفاقنا في اليونان، وقد أخذوا مقود الحكومة بأيديهم، فالأنظار متجهة إليهم لكي يثبتوا بالملموس أن طريقا آخر، غير طريق نهب الشعوب وكسر عظام العمال والفقراء، ممكنة، وهو ما سيكون له تأثير كبير في تطور الأوضاع في أكثر من بلد أوروبي.

وختاما علينا جميعا، نحن بناة الجبهة المناصرة للحرية والتحرر والعدالة الاجتماعية، في مختلف أصقاع الدنيا، أن نتضامن، بعضنا مع بعض، وأن نوّحد صفّنا، فقضيتنا اليوم قضية واحدة .

 عاشت الثورة.

عاشت الجبهة الشعبية.   

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى