الرئيسية / الورقية / حول أخلقة السياسة في تونس: لهم أخلاقهم ولنا أخلاقنا

حول أخلقة السياسة في تونس: لهم أخلاقهم ولنا أخلاقنا

 

قام رئيس الحكومة يوسف الشاهد بدعوة السيدين الفاضل محفوظ، وزيره للعلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وعبد الباسط بن حسن، رئيس المعهد العربي لحقوق الإنسان، وكلّفهما بتنظيم استشارة صلب المجتمع المدني والسياسي من أجل بلورة مدوّنة لأخلقة السياسة وإحكامها بضوابط أخلاقية، بعد أن لاحظ – سيادته- أن التّعاطي السياسي والإعلامي بلغ درجة غير مسبوقة في الانحطاط والسوء.

ولئن لم تنطلق هذه “اللجنة الأخلاقية” في أشغالها رغم انقضاء قرابة الشهر، بما يثير أسئلة إضافية للأسئلة التي انصبّت على طرح الموضوع برمّته، فانّ ملاحظات ضرورية يجب أن ندلي  بها بعد أن “بلغ السيل الزّبى” في التّدهور المريع للأخلاق لا في المجال السياسي، بل في مجمل الحياة العامة.

 

الأزمة القيميّة جزء من الأزمة العامة.

لا يختلف عاقلان في بلادنا أن التّدهور القيمي في المجتمع بلغ درجة عالية، لكن وجب التدقيق أن هذا التّدهور لم يكن قطّ وليد السنوات الأخيرة أي سنوات ما بعد الثورة. فهذا التدهور ارتبط بالدكتاتورية ونظام الحيف والظلم الذي كرّس التفاوت الطبقي والجهوي، وعمّق مظاهر الفقر والإملاق، كما عمّق مظاهر الثراء الفاحش و”غير المشروع” المرتبط بمنظومة المافيا المرتبطة بنظام الحكم وأجهزته. لقد كان من نتائج هذا الوضع منظومة قيميّة أصبحت مهيمنة على سلوك الأفراد وجزء مهمّ من المجتمع حول “تدبير الرأس والترافيك” وأصبح الغشّ والأنانيّة والغدرة والقوادة قيما سائدة في بعض الأوساط وخاصة الأوساط الاجتماعية التي تدّعي النجاح والتفوّق و”القفزة”. لقد كانت هذه المنظومة القيمية مرتبطة بالفضاء الطبقي الثري والمافيوزي، وبأوساط الحكم من إدارة وأجهزة وحزب (التجمّع وميليشياته وأحزابه للديكور). الجديد اليوم هو تحوّل هذه المنظومة إلى منظومة عامة تشمل الفضاء السياسي برمّته.

لقد كان التلوّث الأخلاقي في المجال السياسي حكرا على فضاء الحكم، لكنه توسّع اليوم ليشمل كامل منظومة الحكم وجزء غير يسير من أحزاب “المعارضة” وخاصة الأحزاب الليبرالية. يتجلّى هذا التلوث في سقوط الخطاب واحتكام أحزاب بطمّ طميمها إلى منطق التآمر وإعادة تشكيل المشهد صلبها مرّات ومرّات في ظروف وجيزة أحيانا، بل لقد أصبحت “السياحة الحزبية” شأنا عاديا في تونس ما بعد 14 جانفي، ويذكر الجميع كيف تحوّل المجلس التأسيسي إلى فضاء تجاري يباع فيه “النواب” كما تباع فيه رؤوس الأغنام، والجميع يتذكر كيف صنع هذا الثري أو ذاك ” كتلة نيابية” خاصة به، والجميع يتذكر تصريح “شفيق الجراية” حين صرّح في أحد القنوات التلفزيّة كيف أن “كل رؤساء الأحزاب” تسلّموا منه أموالا إلا حمة الهمامي. كما أن أيادي البنك المركزي ظلّت مرتعشة في الكشف عن كميات الأموال التي دخلت تونس باسم جمعيات وشخصيات حزبية وعامة،أموال من قطر وتركيا والإمارات والسعودية وأروبا…، وكما لم يُكشف عن المترشح للرئاسية الفارطة الذي قبض المليارات بمناسبة الانتخابات لم يفتح ملف الثراء الفاحش الذي ظهر على عديد النواب والإعلاميين والسياسيين والنشطاء المدنيين، وهي مظاهر مثيرة للريبة والاستغراب، إذا في مدة قصيرة تحول هذا أو ذاك إلى مالك لعقارات وسيارات فاخرة وحتى مصانع وضيعات، والرأي العام يتداول أسماء هؤلاء الذين يتوزّعون على مجمل الأحزاب الليبرالية الحاكمة والمعارضة، بما عمّق قناعة لدى جزء غير يسير من التونسيين أنّ السياسة كفّت عن أن تكون اهتماما نبيلا بالشأن العام وخدمة له، بل هي مجال للثراء والفساد و”تدبير الرأس”، ولعل الجميع يستحضر الحضور “الرّهيب” لنوّاب البرلمان ساعة مناقشة الفصل الخاص بالتّسهيلات الجبائية التي تهمّ أصحاب الفضاءات التجارية الكبرى، لقد حدّثنا رفاقنا النّواب كيف انتشر أصحاب المصالح وبيادقهم من وزراء وسياسيين في المجلس وحوله لترتيب أمر تمرير الفصل الخاص بهم، وليست هذه المرّة الوحيدة التي يحدث فيها هذا الأمر بما شرّع للبعض الحديث عن “جمهورية الموز” التي يحكمها أباطرة الفساد والتهريب والتهرب، وما الوزراء والنّواب ومسؤولو أجهزة الدولة إلاّ موظّفين لديهم. لقد بلغ الفساد خاصة مع الحكومة القائمة مستوى غير مسبوق في تاريخ البلاد حتى في الأيام الأخيرة من حكم بورقيبة حين تحوّلت الدولة إلى ” خر طر”، دولة البقرة الحلوب للحاشيّة التي مصّت “خيراتها” فيما كان الشعب ينزف.

 

تدهور غير مسبوق للقيم مع حكومة الشاهد/النهضة.

إن الثابت اليوم هو التعفن الكبير والعميق للازمة العامة التي تنخر البلاد والتي هي نتيجة حتمية لنواصل نفس خيارات التبعية والتفقير والفساد. إن الحاكم الفعلي للبلاد هو الطبقات الطفيلية التي تتحكم في العلن والسرّ في مفاصل القرار، ولم تقم “الأحزاب الجديدة” التي وصلت للكرسي بعد 14 جانفي سوى بالاندماج الكلي وغير المشروط في المنظومة التي كانت محتكرة سابقا من التجمع، فإذا بها اليوم تعجّ بحكام تونس الجدد، هؤلاء الذين فاق التدهور القيمي والأخلاقي في “عهدهم السعيد” كل التوقعات، فتداخل الأحزاب بالدولة اتسع واستغلال مقدرات الدولة لصالح الأحزاب الحاكمة أصبح يتمّ في واضحة النهار، فحركة النهضة لغمت الإدارة بما فيها الأكثر حساسية بأنصارها ومريديها، و”ابن الرئيس” يتصرف في الدولة باعتباره “حديقة العائلة”، ورئيس الحكومة الذي بعث “لجنة الأخلاق السياسية” سخر كل مقدرات الدولة لبعث حزب جديد هو حزب “الكناترية والمافيا”، وسخر كل الملفات التي بحوزة أجهزته إلى ملفات ابتزاز وانتداب لحزبه الجديد، بل بلغ الأمر حدّ استعمال قاعدة البيانات الخاصة بهذه الإدارة أو تلك، أو هذه المؤسسة والمنشأة أو تلك للتخريط في الحزب الجديد الذي ينشطه وزراء ومسؤولون سامون في الدولة في إطار حرب شقوق المافيات سقطت فيها كل القيم وكل الأخلاقيات التي يتباكى سيادته على تراجعها، ونسي أنه أحد أهم المسؤولين عليها، وإذا لجأ إلى محاولة تغيير قواعد اللعب أشهرا قليلة قبل الاستحقاق الانتخابي بداعي قطع الطريق أمام مستغلي العمل الخيري وأصحاب المؤسسات الإعلامية و ممجّدي الدكتاتورية، باعتبارهم خطرا على الانتقال الديمقراطي، فان القاصي والداني يعرف حقيقة أهداف الشاهد والنهضة في استبعاد خصوم مفترضين في المواعيد الانتخابية، وهذا مسّ من الأخلاقيات السياسية التي يجب التقيد بها لا التلاعب بتفاصيلها التي تقول أيضا أن زمرة الحكم بكل مكوناتها تستغل أجهزة الدولة ووسائل الإعلام (الزيتونة نموذجا) وتمجد الدكتاتورية السابقة والحالية،المحلية والإقليمية، كما تستغل العمل الخيري بجمعيات مشبوهة تصل ميزانياتها إلى المليارات والمعروفة بقربها من النهضة ومختلف فصائل الحكم وحراك المرزوقي ، بل أن النهضة ذاتها واصلت توزيع “قفاف” الاهانة بمناسبة شهر رمضان والمناسبات الاجتماعية وآخرها امتحانات الباكلوريا.

 

متفقون في تدمير السياسة كما تدمير البلاد.

إن المشترك بين مختلف التشكيلات الحاكمة والمحيطة بها هو الجوهر اللصوصي بحكم الارتباط بالطبقات والفئات الأكثر جشعا وأنانية وغطرسة، إنها المافيا المتربعة على الاقتصاد والتجارة والفلاحة والصحة والتعليم والاقتصاد الموازي،وهي ذاتها التي لها امتداداتها في   الإعلام والأحزاب والجمعيات. إنها طبقات رجعية وعميلة وفاسدة، إنها ذات الطبقات التي تقوم مؤخرا بحرق مساحات الحبوب خدمة لمصالح مافيوزية وأهداف لا وطنية ترتبط بالاحتكارات الخارجية التي تريد فرض اتفاقية “الأليكا” المنافية لمصالح تونس وشعبها. إن هذه الطبقات وممثليها هم أعداء تونس وأعداء القيم والأخلاق.بل إن كثرة حديثهم عن الأخلاق ما هو إلاّ دليل قطعي على تنامي اعتدائهم المنهجي عليها. لذلك فان النضال ضد خياراتهم إنما يهدف أيضا إلى تأسيس أخلاق جديدة وسياسة جديدة، سياسة منحازة للشعب وهمومه وتطلعاته، سياسة تخدم فعلا الشأن العام لا الشأن الخاص والفئوي والطبقي.

 

علي الجلولي

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى