الرئيسية / صوت الوطن / خبز بطعم الموت… أما آن لنا أن نهبّ؟

خبز بطعم الموت… أما آن لنا أن نهبّ؟

-* ألفة البعزاوي

الأيادي مشقّقة في تماه مع شقوق الأرض، الوجوه المجعّدة أضحت خرائط ترسم قسوة دروب الشتاء القارس ولهيب الصيف الحارق، انحناءات في الظهر وكأنّ الحياة، كل الحياة ترزح بثقلها عليهنّ، وحدهنّ دون سواهنّ و”فولارة” تعيد التنهيدة منهمّ إليهنّ كأنّه لا متسع للتذمّر ولا وقت للسّخط تاركة أمام عيونهنّ الغائرة فسحة لأمل بغد علّه يكون أفضل…

واقع عاملات الفلاحة في أرقام:

عن عاملات الفلاحة بقرى وأرياف الفقر والقهر والظمأ سأتحدث. قطاع بأكمله يعيش واقع التهميش والاستغلال، نتناساه مقابل سطوة اليومي، لكن فاجعة تحل بنا في كل مرة تعيد طرح واحدة من أهم المعارك الاجتماعية التي علينا خوضها.

جدّ يوم السبت 27 أفريل حادث مرور بمعتمدية السبالة من ولاية سيدي بوزيد أسفر عن وفاة 13 عاملة في القطاع الفلاحي وإصابة 20 آخرين وذاك بعيد يوم فقط عن حادث مماثل بمنطقة رقادة من ولاية القيروان أسفر عن إصابة 9 عاملات بينهنّ 4 إصاباتهنّ بليغة. ناهيك عن انقلاب شاحنة بمنطقة بودرياس الحدودية وعلى متنها 14عاملة كن يجمعن الإكليل بولاية القصرين وهو حادث جد بعد فاجعة سيدي بوزيد.  ثلاثة حوادث فرضوا إعادة طرح ملف العاملات  بالقطاع الفلاحي وتسليط الأضواء على أوضاعهنّ ، فرغم إسهامهنّ في الترفيع في الإنتاج الوطني وتأمين الأمن الغذائي إلاّ أنّ عملهنّ يعرّضهنّ إلى أبشع مظاهر الاستغلال والتمييز من ذلك عدم تطبيق قانون الشغل فيما يخص السن الأدنى (عاملات بعمر ال12 و 13 سنة منهنّ من تعمل بالموازات مع الدراسة) وساعات العمل (تصل ساعات العمل في اليوم إلى 13 ساعة ببعض الضيعات) والأجر (10د مقابل يوم عمل وفي بعض الضيعات لا يتجاوز الأجر 7د لليوم) مع عدم المساواة في هذا الأجر مع الرجل  وغياب التغطية الاجتماعية وكل مقومات السلامة المهنية.

كما تواجه فلّاحات تونس يوميا خطر الموت خلال نقلهن في ظروف لا إنسانية إلى القرى البعيدة للعمل. نقل يؤمّنه سماسرة ووسطاء أمام تخلي الدولة عن دورها في توفير النقل اللائق للعاملات من جهة وفي وضع حد للنقل العشوائي من جهة ثانية. وهؤلاء يتقاضون أجرة من النساء كما يتقاضون مبلغا ماليا من أصحاب الضيعات مقابل كل “رأس” في صورة تجسّد أبشع أنواع الاستغلال والإهانة، وقد تكررت الحوادث التي أسفرت عن ضحايا وإصابات في صفوف النساء العاملات في القطاع الفلاحي على طرقات مناطق فلاحية عدّة، مثل القيروان وجندوبة وباجة والنفيضة ومنوبة وقفصة وسيدي بوزيد وغيرها وصولا إلى حادث السبالة.

(سنة 2014 وفات 5 عاملات بسيدي عيش من ولاية قفصة و3 عاملات بسيدي علي بن عون من ولاية سيدي بوزيد، سنة 2015 تسجيل 7 حوادث أسفرت عن وفات 7 عاملات وجرح 85، سنة 2016 كانت حصيلة حوادث الموت 5 عاملات وجرحت 107 أخريات، سنة 2018 حادث مروع بمنطقة أولاد خلف الله من ولاية القيروان أسفر عن إصابة 36 عاملة بجروح بليغة وكسور…).

مزيدا من رصّ الصّفوف من أجل إرساء العدالة الاجتماعيّة والمساواة:

إشكالات طرحتها القوى التقدمية والديمقراطية على طاولة الحكومات المتعاقبة بعد الثورة وخاضت العديد من الأشكال النضالية للضغط، ممّا فرض إمضاء الاتفاقية الإطارية المشتركة في القطاع الفلاحي التي انجرّ عنها بروتوكول بين خمس وزارات على رأسها وزارة المرأة، وزارة الفلاحة ووزارة النقل تلاه إصدار أمر حكومي بتاريخ 24 جوان 2016 يتعلق بتنظيم النقل العمومي غير المنتظم ليشمل أصنافا جديدة من بينها النقل الفلاحي للعملة، وصولا إلى إعلان وزارة النقل في مستهل السنة الحالية عن اتخاذ جملة من الإجراءات الاستثنائية في الغرض. إجراءات بقيت حبرا على ورق ولم تحل دون استمرار معاناة العاملات الفلاحيات. فحكومات اللوبيات والمافيات المالية وعلى رأسها حكومة يوسف الشاهد، وباعتبار طبيعتها الطبقية التي تجعل منها راعية لمصالح رأس المال والأقلية البورجوازية، ما انفكت تتنصّل من دورها الاجتماعي وتمضي قدما في انتهاك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للفئات الكادحة والشعبية ولا أدلّ على ذلك من التصريح اللاّمسؤول لوزيرة المرأة عشية حادث منطقة السبالة وقولها بأنّ “الحكومة لا تتحمل مسؤولية حادث المرور!! “، ما يضع كل هذه الإجراءات في خانة الوعود الزائفة ومجرد مسكّنات كالتي تعقب كل هبّة أو حراك.

إنّ المعركة اليوم ينبغي أن تعود إلى المحور الأساسي: الاقتصادي والاجتماعي وعلى كل القوى التقدمية والديمقراطية وعموم الشعب خوض هذه المعركة واتخاذ الأشكال النضالية اللازمة لفرض إجراءات استعجالية تضمن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وتقضي على العمل الهش وتنظم النشاط بمختلف القطاعات العمالية.

ويبقى الرهان الحقيقي متمثلا في القدرة على توحيد القوى الثورية والديمقراطية والمدنية والشبابية والنسائية حول مشروع وطني ديمقراطي اجتماعي يوفر حلولا جذرية للأغلبية المهمشة ويكنس المنظومة القائمة بخياراتها الليبرالية ويؤسس لمجتمع جديد على أنقاضها، مجتمع العدالة الاجتماعية والمساواة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى