الرئيسية / صوت العالم / خريف المعارضة السّوريّة // عبد الجبار المدوري

خريف المعارضة السّوريّة // عبد الجبار المدوري

تعيش المعارضة السّورية هذه الأيام أزمة خانقة بعد رفضها المشاركة في محادثات السّلام جينيف 3 وبعد النجاحات الميدانية التي حقّقها الجيش العربي السوري على الأرض.

لقد بدأت العوامل التي راهنت عليها المعارضة تنهار الواحد تلو الآخر، وتبدّدت رهاناتها بعد تغيّر موازين القوى على المستوى الإقليمي والدولي فوجدت هذه المعارضة نفسها معزولة وفاقدة لوزنها الذي كانت تحلم به بوصفها تطرح نفسها بديلا للنظام.

 معارضة بلا هويّة

 كثيرا ما نسمع عن المعارضة السورية دون تحديد لطبيعتها وهويتها… هل هي معارضة ديمقراطية؟ هل هي معارضة طائفية؟ هل هي معارضة دينية؟ وبعد دخول الأزمة السورية مرحلة الحرب الأهلية أصبحنا نسمع عن معارضة مسلّحة سرعان ما أصبح الغرب يطلق عليها المعارضة المسلّحة المعتدلة لتمييزها عن “داعش” التي ظهرت بسرعة “داعش” وسيطرت على مناطق شاسعة في سوريا. لكن المتابعين للشأن السوري الداخلي يعرفون جيّدا أنّ أغلب فصائل المعارضة المسلّحة في سوريا يتبنّون الفكر الظّلامي ويبشّرون بدولة دينيّة استبداديّة أشدّ قبحا من نظام الأسد.

لقد راهنت المعارضة السورية على ثلاثة مسائل وهي أوّلا: المقاومة المسلّحة، ثانيا الدّعم الخارجي، ثالثا: الاستفادة من الأزمة الإنسانية.

وبالنظر إلى التطورات الحاصلة حاليا في المشهد السوري فإنّ المعارضة خسرت كلّ هذه الرهانات. فالمقاومة المسلّحة لم تحقّق أهدافها حتى قبل تدخّل الطيران الروسي، ولم تتمكّن من السّيطرة إلاّ على بعض المدن في ريف دمشق. ولم تتمكّن من التّقدّم نحو دمشق ووجدت صعوبة كبيرة في التصدي للجيش العربي السوري المدعوم من مقاتلي حزب الله ومن بعض عناصر الحرس الثوري الإيراني. وبعد تدخّل الطيران الروسي انقلبت موازين القوى وخسرت المعارضة المسلّحة أغلب مواقعها وهي الآن تتراجع بشكل كبير، ومن غير المستبعد أن تخسر تواجدها على الأرض في الأسابيع القليلة القادمة.

 

الدّعم خارجي لا يدوم

أمّا بالنسبة للدّعم الخارجي الذي راهنت عليه المعارضة السورية كثيرا، خاصّة الدعم الأمريكي والأوروبي، فإنّ هذا الدّعم بدأ يتلاشى بعد التّدخّل الرّوسي الذي قلب موازين القوى على الأرض وأجبر القوى العظمى على تعديل بوصلتها وفقا للمستجدات على الأرض. فهذه القوى انحازت بشكل واضح إلى الحلّ الرّوسي الذي يجعل من الأسد مرتكزا أساسيّا لأيّ حلّ في سوريا. وبقيت المعارضة السورية تردّد بمفردها أنّها لن تقبل التفاوض مع الأسد. وفي محادثات جينيف الأخيرة واجهت المعارضة السورية ضغوطا كبيرة من الولايات المتّحدة ومن بعض دول الاتحاد الأوروبي بما في ذلك فرنسا التي تُعتبر من أكثر الدول المعارضة لنظام بشار الأسد، للدخول في المفاوضات مع النظام دون شروط مسبقة. وخرج النظام منتصرا من هذه المفاوضات لأنه استطاع أن يظهر بمظهر النظام القابل بالحوار مع المعارضة بما في ذلك المسلّحة منها في حين قاطعت المعارضة المفاوضات دون أن تحقّق أيذ هدف. بل إنّ جزءً من الرأي العام السوري والعربي أصبح يرى في هذه المعارضة مجرّد ورقة ضغط في يد القوى الإقليمية والعظمى.

وعندما تتخلّى القوى العظمى عن المعارضة السورية فإنّ القوى الإقليمية الدّاعمة لها لن يكون لها أيّ وزن. فالسعودية التي فعلت كلّ ما في وسعها لإسقاط نظام بشار الأسد بما في ذلك دعمها لـ”داعش” وللفصائل الإرهابية نراها اليوم مكبّلة بالحرب في اليمن وغير قادرة على تغيير واقع المعارضة السّورية في ظلّ تراجع عائداتها من النّفط واستنزاف قدراتها في حربها الباردة مع إيران.

أمّا تركيا ورغم الدّعم والحماية الذي تلقاه من الحلف الأطلسي فإنّها لن تجازف بأمنها ومصالحها وتتورّط في نزاع مع الدب الروسي من أجل عيون المعارضة السورية.

فشل توظيف الملفّ الإنساني

لم يبق أمام المعارضة سوى اللّعب على الملف الإنساني ودعوة المجتمع الدولي إلى الضغط على روسيا لوقف قصفها للمدن ودعمها لبشار، لكن المجتمع الدولي يبدو الآن منشغلا بملف اللاّجئين وما يهمّه هو وقف تدفّقهم وطردهم نحو الدول المجاورة لسوريا. وقد بدأت أغلب الدول الأوروبية تغيّر مواقفها نحو مزيد من التّشدّد لمنع اللاّجئين وتشديد الخناق عليهم في حين تبدو أمريكا بحكم البعد الجغرافي غير معنيّة ملفّ اللاّجئين.

إنّ كلّ الوقائع سواء على الأرض السورية أو على المستوى الإقليمي والدولي لا تلعب لصالح المعارضة السورية التي تواجه خطر التلاشي بسبب ارتباطها بالخارج وعدم وضوحها في طرح البدائل وتخلّيها عن الشّعب السوري الذي يبحث الآن عن الاستقرار ووقف القتال والعودة إلى أرض الوطن وإعادة البناء والإعمار. ومعارضة بهذا الشّكل والمضمون لا مستقبل لها ومصيرها الاضمحلال.

عبد الجبار المدوري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى