أخبار عاجلة
الرئيسية / أقلام / شكرا لاعتصام الرّحيل

شكرا لاعتصام الرّحيل

77كان يمكن أن يكون يوم السادس والعشرين أو يوم السابع والعشرين من شهر جانفي الماضي تاريخا لاحتفال جبهة الانقاذ بالدستور في نسخته المدنية الديمقراطية مقارنة بنسخة الواحد من جوان… كان يمكن لشباب الجبهة الشعبية أن يعود إلى الساحة التي احتضنته طوال أيّام وليالي الصيف الفارط وبدايات الخريف… لكن يد الغدر طالت مرة أخرى مناضلي الجبهة وأسلم الشاب مجدي العجلاني روحه إلى السّماء متأثّرا بالرّصاص الذي نخر بدنه وهو يقاوم الديكتاتورية الناشئة. فكان تأخير الاحتفال أمرا لا مردّ له أمام الاحتفاء بشهيد آخر تقدّمه الجبهة الشعبية فداء للوطن وللحرية وللكرامة الوطنية.. ألم تكن هذه الشعارات ذاتها هي شعارات الثورة، رفعها الشهداء تاجا على رؤوسهم وسيخلدهم بها التاريخ… وهل كان للجبهة الشعبية أن تقيم الاحتفالات وهي تواري التّراب أحد مناضليها ممّن طالهم رصاص الغدر؟

 نقول هذا ونحن ما نزال نستمع إلى من يعيب على الجبهة الشعبية وعلى جبهة الإنقاذ عموما تأخّرها في الاحتفال بالدستور في وقت أقرّت فيه أغلب الأطراف -إلاّ أولئك المؤلّفة قلوبهم- بما كان لاعتصام الرّحيل من دور حاسم في صياغة جديدة لدستور مدني ديمقراطي رغم بعض النقائص، جاء مختلفا تماما عن نسخته الأولى التي صدرت في أوّل أيّام جوان الفارط… تأخّر الاحتفال لكن المحتفلين الذين أتوا إلى ساحة باردو يوم غرّة مارس كانوا عاقدين العزم على تكريم كلّ من ساهم في اعتصام الرّحيل رغم سوء الطّقس وتهاطل الأمطار دون انقطاع… تناقص عدد الحاضرين مقارنة بعدد المعتصمين الذين ملأوا ساحة باردو لأشهر عديدة. لكنّ الحماس ظلّ هو نفسه في نفوس من سهروا على تنظيم الاحتفال وحتى أولئك الذين غابوا عن الحفل فقد كانوا حاضرين وإن بالغياب.

 كان كلّ ما في الحفل يوحي برغبة منظّميه في استعادة تفاصيل اعتصام الرحيل… فقد انطلقت المسيرة مثلما كان الحال في كلّ مناسبة كبرى للأشهر التي خلت، من ساحة باب سعدون… بفارق وحيد هو إصرار المتظاهرين على أن يكون التنديد بالإرهاب هو الشعار الذي اتفقت القوى السياسية والمدنية على رفعه اليوم وقد حصد من أرواح المدنيين والعسكريين والأمنيين عددا لا يقاس بثمن… “دم التونسي غالي علينا… لا للإرهاب… في التستر على الإرهاب تشجيع له…” وانتهاء بـ” كلّنا ضدّ الإرهاب”. كانت تلك هي الشعارات التي رفعها المتظاهرون وهم يتّجهون نحو ساحة باردو لتكريم أبطال اعتصام الرحيل من المناضلين والمواطنين العاديين والأجوار الذين قضوا أيام شهر رمضان في باردو واقتسموا إفطارهم مع عابري الساحة ومفترشي أرضيّتها.

 تداول على المنصّة قيادات الأحزاب وعدد من النواب المنسحبين وعائلات الشهداء والجرحى، لكنهم التقوا على كلمة واحدة… شكرا لاعتصام الرحيل... شكرا للقوى السياسية والمدنية التي هبّت هبّة رجل واحد عشيّة اغتيال شهيد الوطن وشهيد الجبهة الشعبية الحاج محمد البراهمي… وقرّرت أن تظلّ معتصمة بالسّاحة إلى حين رحيل حكومة الترويكا وكتابة دستور يليق بثورة شعب من أجل الحرية والكرامة والعدالة… وها قد كتب الدستور بدم الشهداء… وها أنهم رحلوا مكرهين بفعل ضغط الشعب وكثير من الدماء… فالمجد للشهداء والشكر لمن رفع شعار الرحيل… قولا وعملا… بفضلكم سنواصل النضال حتى لا يحكمنا مرّة أخرى من لا خيار أمامه إلاّ الاستبداد والقتل والإرهاب.

                                                                                                                                                                                                                                          حياة حمدي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى