الرئيسية / صوت الوطن / في ابتداع مفاهيم التدافع الاجتماعي والدبلوماسية الشعبية : بين المغالطة والمناورة

في ابتداع مفاهيم التدافع الاجتماعي والدبلوماسية الشعبية : بين المغالطة والمناورة

مازلنا في هذا البلد العجيب نسمع من حين لآخر ما يعجز عن فهمه البسطاء، بل حتى أحيانا يكون عصيّا على الضالعين في تدبّر أمور الشأن العام. مازلنا، في هذا البلد الغريب يطلّ علينا المتنفّذون في الحكم بـ”طلعاتهم” وحتى “بدعهم”.

أن نسمع بمصطلحات في حقل السياسة تتلّون وتتغيّر لتكييفها على أهواء صاحبها، وأن يبرّر ما لا يبرّر، فقط من أجل حشو العقل وتحريف وعي المواطن التونسي، فذاك ما ينطبق على حزب حركة النهضة ورئيسه خصوصا، والذي نسمع من لدنه، ومن وراءه أتباعه، كلّ يوم “طلعة”.7

منذ أن اعتلت حركة النهضة سدّة الحكم، بل وحتّى من قبل، أيّام الانفلات السياسي والزخم الاحتجاجي الذي تلا هروب بن علي، سمعنا من قياداتها، وعلى لسان زعيمها الأوّل، إدراج لمفهوم “التدافع الاجتماعي”، في محاولة منه، ومن أتباعه، لتبرير حالة الانتشاء بالمدّ السلفي وبالذين يذكّروه بشبابه، والذين استغلّ غياب الدّولة وتهاويها، لتتجنّد في “محيطه” ميليشيات مارقة، راحت تصول وتجول وتأمر وتنهى، مارست العنف والبلطجة وارتكبت جرائم في حقّ القوى المدنية والديمقراطية، بل طالت حتّى عامّة الناس، حيث تشكّلت وتنظّمت في عديد الجهات مجموعات منحت لنفسها دور “الشرطي” ودور “الحاكم” ودور “القاضي”، بل إنها وصلت حدّ التّزويج والتّطليق ومنح الشورى لبعض البسطاء من الناس الذين انطلت عليهم صورة “الورع والتقوى” التي ظهر عليها هؤلاء.

لم يكن بالإمكان أن تتحوّل البلاد إلى مثل هذه الفوضى وهذا المروق طيلة أكثر من ثلاث سنوات، لو لم تكن الدولة، التي يتزعّم إدارتها أحد الأحزاب التي نظّرت لها، تحت مسمّى “التدافع الاجتماعي”، ممّا خلق مناخ من التشنّج والفتنة و”الاحتراب”، دفع بالجريمة إلى أقصاها، فكان من ضحاياه أمنيّون وعسكريّون وسياسيّون، وأشهرها جريمة سحل لطفي نقض واغتيال القياديين بالجبهة الشعبية الشهيدين شكري بلعيد ومحمّد البراهمي.

التطاول على دبلوماسية الدولة تحت مسمّى “الدبلوماسيّة الشعبيّة”

من المهم التذكير بأنّ من مفاهيم الدبلوماسيّة ومهامها هو تمثيليّة وتفاوضيّة. فالبعثات الدبلوماسيّة هي ممثّلة رئاسة الجمهورية والحكومة، بل هي ممثّلة الدّولة لدى دول أخرى أو منظمات وهيئات دولية. وتلعب هذه البعثات، التي يمثلها أو يعبّر عنها السفير أو الوفود الدبلوماسية أو القائمين بالأعمال أو القناصل أو وزير الخارجيّة، الدّور الذي تضبطه لها مواثيق وأعراف العمل الدبلوماسي، بما فيه التعبير الرّسمي عن مواقف الدّولة والتخاطب باسمها، على أن تمنحهم الدّولة الحصانة وسلطة القرار لتمثيلها.

لو نطبّق مثل هذا التعريف الشائع على ما نشهده في هذا البلد العجيب، لوجدنا أنّنا في خرق واضح فاضح لما تُجمِع عليه النواميس والمواثيق في المشرق والمغرب.

في تونس، لا يهدأ زعيم حركة النهضة ولا يستقرّ، دائم الحركة والتّجوال والسفر، يلقي محاضرات في مراكز دراسات غربيّة، ويلتقي بحلفائه من تيارات الإسلام السياسي في المنطقة العربية، سواء منهم فاعلين في المشهد السياسي أو في الحكم (تركيا، قطر…). كلّ هذه التحرّكات، التي تكثّفت خاصة بعد إزاحة الترويكا من الحكم غداة اغتيال الشهيد محمّد البراهمي، وبعد سقوط حكم الإخوان في مصر في جوان 2013، استبطن رئيس حركة النهضة وأتباعه، أنّهم ربّما سيلقون نفس مصير مرسي، أو أقلّه، سيكونون هدفا لغضب الشارع والشعب. وتحرّكاته جاءت لتتدارك ما فات الحركة زمن الانتشاء بالحكم، فرجاحة العقل، مثلما حدس الشيخ، تستوجب البراغماتية والتكتيك وليس التّصادم مع المجتمع تحت وهم الأغلبية الوزارية والنيابيّة.

في مثل هذه الظروف، ظروف انتكاسة وأفول النموذج الإخواني، تفتّقت قريحة “الشيخ” عن مصطلح “الدبلوماسيّة الشعبية” معلّلا بها الزيارات واللّقاءات المتعدّدة، في البداية مع حلفائه الأتراك خاصّة، والذين يلجّون في استقباله دون أيّ موجب بروتوكولي، ثمّ طالت لقاءاته لتشمل “وساطات” و”تفاهمات” وربّما “مفاوضات” مع جهات رسميّة مستغلاّ التوافق مع غريم الأمس، حزب نداء تونس ورئيسه السابق، رئيس الدّولة، الذي بهت حضوره الدبلوماسي والخارجي، مثله مثل وزراء خارجيّته، بفعل التقدّم في السن ربّما، ولكن بسبب الانشغال بأحوال شقوق حزبه.

“الدبلوماسية الشعبية”: عنوان لضعف الدولة ولفشل الدبلوماسية الرسمية

تداول على وزارة الخارجيّة التونسيّة بعد الثورة سبعة وزراء، أقّل واجب للحكم على أدائهم بشكل مُنصِف، هو أنهم يتنافسون على الفشل.

فمن أحمد ونيس أول وزير خارجية بعد الثورة الذي استقال بعد شهر بسبب تصريحاته المخيّبة للثورة (تأييده لنظيرته الفرنسية التي كانت لها علاقة وطيدة مع النظام التونسي المقبور)، إلى صهر الغنوشي، رفيق بوشلاكة، الذي عرفت العلاقات الخارجية في عهده أسوأ أداء، بل وصاحبته موجة من الانتقادات واتهامات بالفساد المالي (الهبة الصينية) والأخلاقية (حادثة الشيراتون قايت)، وتحوّلت الدبلوماسية التونسية في ظلّ وزارته إلى “جثّة في حالة وفاة”، إضافة إلى الانخراط الأعمى ضمن محور قطر وتركيا والسعوديّة، الدّول المتورّطة في دعم وتمويل والتخطيط لأخطر مشروع تعرفه المنطقة، ولا زالت آثاره المدمّرة متواصلة، وهو تخريب الأوطان العربية وتجزئتها، عبر جلب وانتداب مئات الآلاف من الشباب اليائس و”المخدّر” والمغرّر به تحت مسمّى “الجهاد” لتضعهم تحت قيادة جماعات إرهابية إجرامية.

البرهنة على ضعف الدبلوماسية التونسيّة لا يحتاج إلى كثير من التحليل، فالأحداث المتعدّدة التي عرفتها ليبيا (اختطاف دبلوماسيين تونسييّن، اختطاف صحفيين، حجز متكرّر لمواطنين تونسيّين، التوتّر على مستوى الحدود…) كلّها لم تفلح دبلوماسيتنا، ومن ورائها الحكومات المتعاقبة، في حلّها بشكل سليم ورصين. أمّا الموقف من سوريا فبدوره عرف أكثر من حادثة. بدءا بالطيب البكّوش الذي اتّهم صراحة تركيا بضلوعها في فتح معابر القتال في سوريا وصرّح أنه سيعيد العلاقات القنصلية مع سوريا، الشيء الذي أثار موجة انتقاد من حلفاء حزبه، حركة النهضة وأتباعها وحتى من رئيس الدّولة، وهو ما كلفّه الإقالة. نفس الموقف اتّخذه خَلَفه خميس الجهيناوي (الذي شغل منصب رئيس مكتب تونس في تل أبيب من 1996 إلى 2000)، حيث صرّح أنه سيُعيد العلاقات مع سوريا، ولكن يبدو أنّ “وراء الأكمة ما وراءها”، ولا يعدو أن يكون ذلك مجرّد تصريح بروتوكولي لمزاولة عمله صلب الوزارة، بما أنّ شركاء الحكم، حركة النهضة، تدفع في مزيد عزل سوريا ولديمومة الاقتتال الإجرامي في هذا البلد الشقيق.

رغم أنّ رئيس حركة النهضة يصرّح أنّه قام بهذه الزيارة أو ذاك اللّقاء بعلم من “سيادة الرّئيس” وأنّه “أطلع سيادة الرئيس” على فحوى اللّقاء، إلاّ أنّ كل ذلك يدخل دائما في باب المخاتلة والمناورة والمغالطة. فالرّجل مُنِح على ما يبدو الضوء الأخضر ليكون سفير النوايا الحسنة أو السّيئة معا.

وإذ لا أحد يجادل في حقّ حزب النهضة ورئيسها في الالتقاء بحلفائه و”أصدقائه” وأن تستضيفه منظمات “غير حكومية”، فهذا أمر معمول به، ولكلّ حزب، سواء من اليمين أو من اليسار، أصدقائه وحلفائه، ولكن أن يناقش الرّجل قضايا أمنية واقتصاديّة هامّة وخطيرة، فذاك لا يدخل إلاّ ضمن التطاول على الدّولة وعلى هيبتها، حتّى أنّنا أصبحنا نسمع في آخر الأمر بـ “الدبلوماسيّة المنزليّة” بأن أقدم الشيخ على استقبال مدير الديوان برئاسة الجمهورية الجزائرية أحمد أويحيى والقيادي الإسلامي اللّيبي علي صلابي في إطار التباحث في الشّأن الليبي، وبلغة أخرى للتوسّط لدى السراج وحفتر للقبول بتمثيلية الإسلامييّن (الإخوان) في أيّ حلّ مستقبلي ممكن، وليكون الغنوشي عراب “الإسلاميين” في محادثات الجوار.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى