الرئيسية / صوت الوطن / في التشخيص والأهداف والآليات: ما الجديد في مخطّط 2016-2020.. ؟ جيلاني الهمامي

في التشخيص والأهداف والآليات: ما الجديد في مخطّط 2016-2020.. ؟ جيلاني الهمامي

عرض وزير التعاون الدولي ووزيرة المالية صبيحة يوم الإثنين 30 جانفي 2017 على أنظار نواب الشعب مشروع مخطّط التنمية الجديد (2016-2020) واستهلّ رئيس المجلس أعمال الحوار مذكرا بما تمّ توفيره إلى حد الآن من التشريعات المشجّعة على الاستثمار في تونس وذلك بالمصادقة على القانون الأساسي للاستثمار وقانون البنوك والمؤسّسات المالية وقانون الشراكة بين القطاع العام والخاص في انتظار أن يصادق البرلمان هذه الأيّام على مشروع قانون الامتيازات الجبائيّة ومشروع القانون المتعلّق بدفع النمو الاقتصادي في وقت لاحق.Untitled-1

هذه هي المرّة الأولى التي تتمّ فيها مناقشة مخطط التنمية منذ الثورة وتدّعي الحكومة الحالية أنها ستضع منوالا جديدا للتنمية الذي، حسب قولها، سيمكّن البلاد من الخروج من أزمتها الاقتصادية الحادّة. ونحاول فيما يلي استقراء ما جاء في العرض المذكور كي نتبيّن ما إذا كان هذا المخطّط يشكّل فعلا منوالا للتنمية، وما إذا كان هذا المنوال كفيلا فعلا بتحقيق الأهداف المعلنة في الخطب الرّسمية.

تشخيص واعتراف بالحقيقة منقوصة

من الناحية الشكلية أو المنهجية ينطلق المخطط من نتائج سنة 2015 وهي نتائج قديمة نسبيّا بالنظر للزيادة التي شهدتها أغلب المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية خلال السنة الموالية أي سنة 2016. ربما لأن المخطّط يشمل سنة 2016 ووجب إدراجها ضمنه رغم أنها انقضت ولن تكون في الحقيقة مشمولة بتوجّهاته وإجراءاتها، ولكن أيضا لأن اعتماد مؤشرات سنة 2015 التي كانت أقلّ خطورة ممّا أصبحت عليه سنة 2016، وبالتالي إخفاء جوانب من الأزمة ومدى ما وصلته من عمق وحِدّة للتغطية على فشل منظومة الحكم الحالية وسابقتها.

أما من ناحية المحتوى فقد جاء في التشخيص أن المخطط ينطلق من جملة المعطيات التالية:

1 – على المستوى الخارجية: تقلّبات الوضع الجيو- استراتيجي وعدم استقرار الأسواق المالية وتدفّق رؤوس الأموال واشتداد المنافسة وتقلّب أسواق النفط والمواد الأساسية. والحقيقة أن هذا التشخيص لم يسمّ الأشياء بمسمّياتها الحقيقية ذلك أنه كان من الأصحّ الحديث عن أزمة النظام الرأسمالي ونضوب موارد التّسليف وتقلّب أسعار المواد الأساسية ومواد الطاقة فضلا عن الصراعات من أجل إعادة اقتسام النفوذ في منطقتنا العربية على وجه الخصوص. وهي ظروف من شأنها أن تلقي بأثار الأزمة العامة على الاقتصاديات الضعيفة ومنها اقتصادنا الذي يتميّز بهشاشة مفرطة لارتباطها بالأوضاع الدولية والأسواق الخارجية سواء فيما يتعلق بالتداين أو بتسويق المواد الفلاحية والفسفاط وغيرها.

2 – على المستوى الداخلي: المصاعب الأمنية وتفاقم ظاهرة البطالة وعجز الاقتصاد عن توفير مواطن الشغل لطالبي الشغل الحاليّين والقادمين وتفاقم الفقر وتدهور المقدرة الشرائية وغياب التنمية في الجهات الداخلية وانخرام التوازنات المالية الكبرى للدولة. وكالعادة تعمّد مشروع المخطّط تقديم كل هذه العوامل في صيغ مبهمة مستنسخة عن اللغة الخشبية المعهودة من قبيل تأمين الاستقرار الأمني والضغوطات على مستوى التشغيل والقدرة الشرائية والتنمية بالجهات الداخلية واستعادة التوازنات المالية. وبلغة الأرقام تتجلّى هذه الصّعوبات (أي مظاهر الأزمة الاقتصادية والاجتماعية) في ضعف معدل النمو (الذي تحاشى التقرير ذكره) وهو 1،5 % سنة 2016 (أكثر من ثلثي هذه النسبة ناتج عن الاستهلاك) وتفاقم نسبة البطالة التي تزيد عن 15،4 % (ونسبة 28.6 % في صفوف حاملي الشهادات) وتراجع نسبة الاستثمار من الناتج الداخلي الخام إلى أقل من 18% سنة موفى سنة 2016 (أكثر بقليل من نصف النسبة في المغرب مثلا) ونسبة عجز الميزانية بـ 5،7% نهاية هذه السنة ونسبة مديونية بـ 63،8% أواخر 2016 أيضا، علاوة على أكثر من 20 % تحت حاجز الفقر وعجز ميزان الدفوعات لأكثر من 12 ألف مليون دينار (بمعدل ألف مليون دينار كلّ شهر تقريبا) ونسبة تضخم بحوالي 5% علاوة على تضخّم سوق القطاع الموازي (حوالي 50% من النشاط الاقتصادي) واستشراء الفساد الذي يكبّد الاقتصاد بحوالي نقطتي نموّ سنويا.

ويلاحظ المطّلع على التقرير أن واضعوه تعمّدوا اعتماد أرقام موفّى سنة 2015 وهي أرقام ومعدّلات دون الأرقام المسجّلة أواخر سنة 2016 وفي الظرف الاقتصادي الحالي للأسباب والنوايا التي ذكرناه أعلاه.

الأهداف العامة للمخطّط وآليات تنفيذه

وللخروج من هذه الأوضاع اِنبنى المخطّط على مجموعة من الآليات والأهداف حوصلها في الآتي:

التسريع في تكريس الحوكمة الرشيدة ومقاومة الفساد

من اقتصاد ضعيف الكلفة إلى محور اقتصادي عالمي

التنمية البشرية والإدماج الاجتماعي

تجسيم طموحات الجهات

الاقتصاد الأخضر ضامن للتنمية لتنمية مستديمة

ونتبيّن من التفاصيل الواردة في كل محور من هذه المحاور الخمس حقيقة التوجّهات المزمع اتّباعها خلال المخطط والتي بتدقيق النظر فيها نتأكد أن الأمر لا يعدو أن يكون غير خطاب منمّق لإعادة إنتاج نفس الخيارات القديمة.

ففي باب التسريع بتكريس الحوكمة الرشيدة ومقاومة الفساد قدّم المخطط مقاربة إدارية ترتكز على بعث جملة من الأطر والهياكل من قبيل إرساء اللامركزية وإصلاح الوظيفة العمومية وإرساء الإدارة الالكترونية، أو على جملة من الشعارات العامة من قبيل تحسين قدرات الموارد البشرية بالجهات وتطوير الحوكمة في المنشآت العمومية وضمان النفاذ إلى المعلومة. ولئن كانت هذه الهياكل وهذه الشعارات هامة في ظاهرها فإنها في الواقع تخفي الكثير من الحقائق غير المعلنة. لأن هذه المحاور مستهدفة في الواقع بسلسلة من الإصلاحات سبق أن أملاها صندوق النقد الدولي في اتفاقية القرض الائتماني المُمضَى شهر ماي الماضي والتي شرع بعد في تنفيذها في بعض القطاعات كقطاع الوظيفة العمومية الجاري بشأنها الآن نقاش حول “إصلاحها” وكذلك المؤسسات العمومية المستهدفة بسلسلة من عمليات التفويت باسم تخفيف أعباء الدولة وتحسين حوكمتها.

أما في المحور الثاني أي “من اقتصاد ضعيف الكلفة إلى محور اقتصادي عالمي”، فإن تفاصيله لا تعدو أن تكون تكرارا لما ألفناه في مخطّطات وخطب العهد السابق. جمل فضفاضة أو صياغات عامّة تحجب عن المطّلع حقيقة النوايا. فقد جاء في هذا الباب مثلا “الترفيع في الإنتاجية وتحسن تنافسية المؤسسات” و “النهوض بالتجديد والابتكار” وهي كما هو واضح من الصياغة مجرّد دعاية عامة تتحاشى الحديث عن حقيقة الشروط اللازمة “للترفيع من الإنتاجية” أي تحسين إنتاجية رأس المال من جهة بما يتطلّب ذلك من تجهيزات جديدة وأساليب هيكلة وإنتاج عصرية، وكذلك تحسين إنتاجية العمل علما وأن “تحسين إنتاجية” مؤسسات في اقتصاد مثل اقتصادنا تقتضي، إلى جانب ما سبق، التخفيض من كلفة الإنتاج أي بلغة أخرى الضغط على المصاريف وأوّلها التخفيف من الأعباء الاجتماعية (الأجور والتغطية الاجتماعية). فالمسكوت عنه الذي يتخفّى وراء هذه الجمل البرّاقة هو في الحقيقة تعدّي جديد على مكتسبات اجتماعية فضلا عن بثّ الوهم حول إمكانية تحسين إنتاجية رأس المال (استثمارات جديدة وتقنيات انتاج متطورة).

 وفي نفس السياق جاء ضمن تفاصيل هذا المحور “التموقع في سلسلة القيمة العالمية” وكذلك “تشجيع التصدير واقتحام الأسواق العالمية” وهو إعادة إنتاج للتوصيات القديمة التي جاء بها برنامج الإصلاح الهيكلي منذ سنة 1985 والمقصود بها توجيه الإنتاج الوطني إلى تلبية حاجات السوق الخارجية لتوفير العملة الصعبة من أجل تمكين الخزينة من الموارد اللازمة لتسديد الديون الخارجية وتغطية الواردات المصنّعة المكلفة. ففي جوهر هذه الصيغ العامة توجّه للإبقاء على الاقتصاد التونسي مرتبطا بالخارج وبحاجاته لا بالاستهلاك المحلّي وإشباع حاجاته.

أما بقية الآليات المزمع التعويل عليها في هذا الباب دائما يراهن المخطط على “إصدار قانون جديد للاستثمار” وعلى “إقرار منظومة حوافز جبائية ومالية ملائمة لأهداف المخطط” و “اعتماد تمشي جديد للتعاطي مع المشاريع الكبرى” وهي آليات سبق أن جرى بشأنها جدل كبير لأنها في الواقع ليست غير الشروط التي اشترطها صندوق النقد الدولي لفتح الاقتصاد للرّساميل الأجنبية والتّسهيلات المالية والجبائية التي ينبغي أن يتمتّع بها والتخلّي عن مقتضيات الشفافية في التعاطي مع الصفقات العمومية للمشاريع الكبرى المنتظر تمرير قانون بشأنها تحت عنوان “الدفع بالنمو الاقتصادي”.

وعلى غرار هذه المحاور تندرج بقية المحاور ضمن خطّة الإصلاحات التي تمّ الاتفاق بشأنها كما سبق قوله من أجل الحصول على قرض من صندوق النقد الدّولي على مدى 4 سنوات 2016-2020. وهي نفس الخطة التي تمّ اعتمادها منذ منتصف الثمانينات وأدّت إلى أزمة اقتصادية وحادّة وكلفت البلاد أزمة اجتماعية كبيرة وانعكست على جماهير شعبنا بمزيد الفقر والبطالة والبؤس. وهي أيضا نفس الخطة التي تم فرضها من نفس المؤسسة المالية العالمية سنة 2012 في اتفاقية قرض ائتماني عقدتها حكومة الترويكا آنذاك بنفس الشروط المذلّة والتي أدّت إلى نفس النتائج الاقتصادية والاجتماعية التي نعيش اليوم على وقعها.

يتبع

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى