الرئيسية / صوت الوطن / في الذكرى السادسة للثورة: التونسيون بالخارج ومنظومة العدالة الانتقالية

في الذكرى السادسة للثورة: التونسيون بالخارج ومنظومة العدالة الانتقالية

من المعلوم أن هيئة الحقيقة والكرامة لا تقبل غير الملفات التي تُقدم لها، وليس من صلاحياتها تكوين ملفات ضدّ فرد أو جهة بمفردها، ممّا جعل عدد هام من الملفات تفلت من هذه الهيئة لأنها لم تجد الطّرف الذي يتحمّل مسؤولية تقديمها. إن الانتهاكات بصفة عامة طالت أفراد ومجموعات ومؤسّسات الدولة بالداخل كما بالخارج، ولكن ما يتمّ طرحه كموضوع للعدالة الانتقالية بما هي أوسع من هيئة الحقيقة والكرامة لا يتعرّض في الكثير من الأحيان إلى الخارج. في هذا الإطار نعيد طرح بعض النقاط المتعلّقة بالعدالة الانتقالية والإفلات من العقاب المتّصل بمؤسسات الدولة والتونسيون بالخارج.Untitled-1

الإفلات من العقاب: مؤسّسات في قفص الاتهام

لقد مثّلت السفارات والقنصليات ما قبل الثورة، إضافة إلى مهماتها الأصلية، وظيفة مراقبة وتتبّع وملاحقة المعارضة، المنظّمة منها وغير المنظمة، وذلك عبر أشكال متعدّدة منها المراقبة والملاحقة، ومنها ما بلغ حدّ الاعتداءات اللفظية والجسدية ضد المعارضين خلال التجمّعات والندوات وغيرها من أشكال التعبير والنضال ضد الدكتاتورية. كما مثل هذا الجهاز الدّبلوماسي والإداري خليّة تابعة للبوليس السياسي وإلى الحزب الحاكم.

لكن إضافة إلى ذلك، فمن المعلوم أن عمليات الفساد المالي والإداري والمحسوبية وسوء التّصرف واستعمال النفوذ والولاء للأشخاص كان السّمة الأساسية لهذه المرافق.

أما إذا دققنا في جوانب لم يتم التركيز عليها سابقا ولم تذكر إلا في مناسبات قليلة، فإنّنا نجد موضوع ممتلكات الدولة التونسية بالخارج وأساسا من العقارات مجالا مهما لانتشار الفساد المالي وصورة دقيقة على استعمال الحزب الحاكم لمقدّرات الدولة التونسية لحساب أشخاص نافذين في الحكم بما هو مركزة للسياسة والمال والأعمال والعلاقات المشبوهة.

كما هو الحال في تونس ومنذ يوم 18 ديسمبر انطلقت الاحتجاجات المساندة لسيدي بوزيد في البداية ثم تحوّلت بسرعة للمطالبة برحيل النظام ودعوة الشعب التونسي إلى إسقاطه. منذ بداية الثورة طالب التونسيّون بالخارج بالمحاسبة وإعادة الحقوق إلى أصحابها وكشف حقيقة الانتهاكات وعزل العناصر المعروفة بممارستها العلنية لمثل تلك التجاوزات والاعتداءات على المناضلين طيلة سنوات، ومطالبة المرفق العمومي المتمثّل في القنصليات بمدّ الجميع بالوثائق الرسمية وأساسا بجواز السفر الذي كان ممنوعا عن المئات منهم.

عناصر متورّطة سابقا، تستعمل الإدارة كغطاء لاستمرار وجودها والإفلات من العقاب

لقد ظلّ أغلب الكوادر والأعوان المتّهمين بالتعامل مع البوليس السياسي والحزب الحاكم ما قبل الثورة في وظائفهم دون محاسبة رغم الاحتجاجات على استمرار تواجدهم بالسّفارات والقنصليات وعلى رأس مصالح تونسية تابعة لعدة وزارات. فبعد الثورة وفجأة أصبحوا موظفين تابعين للإدارة التونسية وكأنّ شيئا لم يكن.

لكن من الملاحظ أن تلك العناصر والتي تحتلّ مواقع مختلفة بدأت تستعيد نفوذها من جديد مع الوقت وبدأت ترتبط بولاءات جديدة للحفاظ على مواقعها والإفلات من المحاسبة والعقاب، بل أكثر من ذلك، لقد تمكّنت من استغلال ظروف المسار الثوري لتلعب دور مهم في استمرار وإعادة تشكّل مجموعات ماليّة أقل ما يقال عنها أنها مشبوهة ومطبوعة باستغلال النفوذ والزبونيّة. أما الشّكايات التي طالت البعض من تلك العناصر فيبدو أنها بقيت في الرّفوف بعيدا عن القضاء والمعالجة الجديّة لغياب أيّة إرادة في المحاسبة وتبديل ما كان سائدا. ولعلّ من أبسط ملفات الفساد الإداري تعود إلى موضوع متّصل بكيفية انتداب موظّفي السفارات والقنصليات وغيرها من المصالح التابعة للدولة بالخارج.

إن الصفة الأساسية اليوم وبعد ستّ سنوات من الثورة، هي بقاء مؤسّسات الدولة بالخارج على حالها السابق، وأن كافة العناصر المتورّطة في الانتهاكات لا تزال في مكانها وبامتيازاتها دون أية محاسبة، أي أنها إلى حدود اللحظة، فالتة من العقاب.

ديوان التونسيين بالخارج أو المؤسّسة الغامضة

لقد تأسّس هذا الهيكل سنة 1988 وسُوّق له على أنه إنجاز هام من إنجازات “العهد الجديد”. وتدريجيا أخذ يستحوذ على صلاحيات أطر هي في الأصل مرجع نظر المؤسسات العمومية مثل وزارة التجارة والصناعة والفلاحة والسياحة والخارجية، كما ركّز نشاطه على الاستثمار الأجنبي وإدخال العملة الأجنبيّة، وتمّت الهيمنة عليه كليّا من قبل الحزب الحاكم وأفراد من عائلة بن على، حتى أنّه عوّض السفارات والقنصليات في العديد من المسائل، وكانت الغاية الحقيقية من وراء كل ذلك هي مركزة أهم الموارد المالية والعقود التجارية بمختلف أصنافها ليتسنّى لهم مراقبتها واستغلالها بالكيفية الملائمة لمصالحهم.

وتبيّن أن هذا الديوان قد تم استغلاله في الحملات الانتخابية لبن على حيث تجاوزت مصاريفه في انتخابات 2009 ما تجاوز المليار دينار دون احتساب الأموال غير المسجّلة والتي كانت تدفع في إطار المحاباة والمجاملة وفي الحقيقة هي للبرهنة على الولاء والحصول على مقابل لذلك في شكل امتيازات لا يتمّ تسجيلها حتى لا تتمّ مراقبتها من أية جهة.

لقد مثّل أحد أهم واجهات الدعاية السياسية للدكتاتورية ومثّل الحلقة الأصلب في الربط بين قوى النفوذ المالي داخل تونس وخارجها. من منظار منظومة العدالة الانتقالية لم يفتح ملف هذا الهيكل إلى حد الآن. إذا أردنا التدقيق في صلاحيات هذا الهيكل وطريقة تسييره ومدى ارتباطه بالمؤسسات الرسمية فإن الإجابة لا يمكن أن تكون واضحة ودقيقة، بل هناك ضبابية مطلقة متعمّدة لغايات لعلّ أهمها هو استغلاله في مجال المال والاتفاقيات، واستعمال علاقاته التاريخية بالعديد من الشخصيات والمؤسسات التي نشطت خلال فترة حكم بن علي.

لقد بينت التجربة أنّ هذا الإطار لم يكن له أية جدوى مفيدة للاقتصاد أو الثقافة أو للتونسيّين بالخارج، بل كرّس الخوف وعقد الصفقات المضرّة بالاقتصاد التونسي منها بعض الشركات الأجنبية المستثمرة في تونس بامتيازات غريبة، يشتمّ منها الرّشوة والسّمسرة المالية.

ممتلكات الدولة: تحت سيطرتها أم تحت سيطرة مجموعات نافذة

تملك الدولة التونسية عدّة عقارات، منها ما يتمّ استغلاله من قبل السفارات والقنصليات ومنها ما يتمّ استغلاله من قبل بعض المصالح الأخرى. ولكن هناك عدد هام من العقارات التي يتمّ استغلالها بطريقة غير معلومة سواء في مجال استعمالها أو في مرجع نظر ذلك العقار.

وقد تمّ اكتشاف، على إثر الثورة التونسية، استغلال أحد هذه العقارات من قبل مجموعة، هي عبارة عن مليشيات لا تنتمي إلى أيّ جهاز رسمي ولكن في نفس الوقت لها سلطة على الجميع حيث تمّ اكتشاف وثائق رسمية ومراسلات حكومية وتقارير أمنية وكذلك سلاح على ملك وزارة الداخلية التونسية. تحوم حول استغلال هذه العقارات شبهة الفساد والمحسوبية والرشوة واللولبيات المسيطرة عليها والتي تجد الدعم من عناصر لها مصلحة مباشرة في ذلك، وهي عناصر بالسفارات والقنصليات، خاصة وأن مرجع النظر لتلك العقارات متداخل، ممّا سهّل عملية استغلال النفوذ والاستعمال غير القانوني سابقا وحاضرا.

في هذا الإطار ما الذي يمنع من أن تكون كافة الممتلكات راجعة بالنظر إلى القنصليات العامة حتى لو كان استغلالها راجع إلى إدارة تونسية غير خاضعة إلى وزارة الخارجية؟

ما الذي يمنع أن تنشر القنصليات العامة كل سنة قائمة في ممتلكات الدولة وطريقة استغلالها بكل شفافية وتضع آليّة تمكّن الهيئات التونسية بالخارج من الاطّلاع واستعمال الوثائق الرسمية في الغرض؟

وما الذي يمنع فتح المقرات الراجعة بالنظر للدولة التونسية لأنشطة المجتمع المدني وكل ما له علاقة بالمجال التربوي والعلمي والتكنولوجي؟

تونسيّين نهبوا الدولة، متمتّعين بـ “عفى الله عمّا سلف”

من بين الملفّات المطروحة على منظومة العدالة الانتقالية إضافة إلى الانتهاكات السياسية، هو ملفّ المال العام الذي تمّ نهبه بطرق مختلفة ومن قبل أشخاص يعملون في عدّة مجالات تربطهم علاقة متينة بالنظام قوامها المصلحة والمنفعية الخاصة على حساب المال العام.

في هذا الإطار وجب التأكيد على أنّ الأشخاص اللّذين انتفعوا بوجه لا قانوني من المال العام يُعدّون بالمئات، منهم من كان يتاجر في الأقمشة ومنهم من كان ينشط في مجال إدخال قطع غيار مستعملة إلى تونس تحت حماية الطرابلسية، ومنهم من ينهب في مجال الفلاحة والصناعة وتنظيم الحفلات الدعائية وبعث مشاريع وهمية، ومنهم من يقبض أموال مباشرة كضريبة ولاء للحكم باسم التضامن.

وإلى حد الآن لم تفتح تلك الملفات والعديد من هؤلاء اليوم بات لهم باع عبر الاختباء في أحضان النداء أو النهضة أو الإدارة أو اللوبيات المالية المتنفذة. يعتبر بعضهم أن إمكانية محاسبتهم صعبة وأن الإفلات من العقاب هو القانون الأقوى، ولكن من جهتنا لنا القناعة الراسخة أن مصير هؤلاء لن يكون غير المحاسبة من أجل تونس خالية من أمثالهم أي من الانتهازيين واللّصوص.

لطفي الهمّامي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى