الرئيسية / أقلام / في ضرورة الثورة الفكرية / بقلم حمّه الهمامي

في ضرورة الثورة الفكرية / بقلم حمّه الهمامي

نقدم هنا مقدمة الطبعة الثانية لكتاب حمّه الهمامي «المفرد والجمع في الحرية والمساواة» والذي ضمنه نظرته الاجمالية لمسألة

الحريات الفردية والمساواة واضاءة ذلك بمقاربة تاريخية واجتماعية ويرد فيها أيضا على بعض منتقديه الذين عابوا عليه ولوج هذه المناطق الحساسة في الفكر والدين والمجتمع. قراءة ممتعة.

«إن الثورة تعني إسقاط أصنام الجهل بداخلنا 
عوضا عن إسقاط تماثيل شاهدة على تاريخنا»
ف.إ. لينين

نفدت الطبعة الأولى من كتاب «المفرد والجمع في الحرية والمساواة» بعد أسبوعين فقط من صدورها. وهو أمر مفرح خاصة أن أصدقاء لي نصحوني في البداية بعدم إصدار هذا الكتاب في هذا الوقت بالذات خوفا من الانعكاسات السلبية للمواقف الواردة فيه من بعض المواضيع التي تعتبر من «المحرّمات» (تابوهات) في مجتمعنا خصوصا منها تلك المواقف ذات الصلة بالحريات الفردية والمساواة والكرامة البشرية. لقد خشي هؤلاء الأصدقاء أن تشغّل القوى الظلامية والرجعية «بطارياتها» في هذا الظرف قبل الانتخابات وتشنّ حملة تشويهية، تكفيرية، قد يكون لها تأثير في الرأي العام. ولكنّ هذا لم يحصل إذْ لاقى الكتاب من الوهلة الأولى رواجا محترما وإن ظهرت بعض الكتابات أو بالأحرى التدوينات المناوئة فقد بقيت في نطاق ضيق جدا ولم يهتم بها الرأي العام ولم تتحول إلى حملة كما جرت العادة خلال السنوات التي تلت سقوط الدكتاتورية وصعود حركة النهضة الإخوانية إلى الحكم. وفي ذلك أكثر من معنى.

ليس المجتمع التونسي كما يظن البعض مجتمعا محافظا مغلقا، بل إنه يعدّ، مقارنة بمعظم المجتمعات العربية والإسلامية الأخرى، منفتحا وتقدميا حتى وإن ابتُليَ في بعض الأحيان بمدّ رجعي، نتيجة عدة مؤثّرات داخلية وخارجية. وهذا الأمر ليس استثناءً فالمجتمعات في ظل أنظمة الاستغلال يمكن أن تعرف فترات نكوص خطيرة سياسية واجتماعية وثقافية على غرار ما حصل في ألمانيا وإيطاليا ما بين الحربين العالميتين في القرن العشرين.

إن المجتمع التونسي يتميّز بقابلية فريدة للإصلاح والتقدم، ولولا ذلك لما كان عرف منذ أواخر القرن التاسع عشر ما عرفه من حركات إصلاحية ومفكرين تجرّأوا على نقد السائد ولما كان سبّاقا إلى احتضان أولى الحركات النقابية والحقوقية في الوطن العربي ولما احتضن أولى ثورات القرن الواحد والعشرين تحت شعار: «شغل، حرية، كرامة وطنية». كل هذا دليل على قدرة مجتمعنا على تقبل الأفكار الجديدة وإن كان ذلك بصعوبة أحيانا وكان ذلك، أحيانا أخرى، بأشكال محدودة ومشوهة بفعل مناورات الحكّام الذين يعرقلون سير مجتمعنا وشعبنا نحو التحرر الكامل والفعلي. وإلى ذلك كله، وفي كل الحالات، فإنه من الطبيعي جدا ألاّ تنتشر الأفكار والاكتشافات والإبداعات الجديدة بشكل عام وتأخذ مكان الأفكار القديمة إلا عبر صراعات يمكن أن تتخذ أشكالا عنيفة أحيانا. فالقوى الرجعية لا تستسلم بسهولة وهي تدرك أن مواصلة الهيمنة على مقدرات مجتمع بأكمله لا تتطلب وسائل القهر المادي فحسب بل كذلك وسائل القهر الأيديولوجي والثقافي. إن السيطرة على العقول تبدو في بعض الحالات أكثر خطورة وأشدّ تدميرا للمجتمعات من وسائل القهر المادي، لذلك لم يسلم من أذى القوى الرجعية عبر التاريخ لا العلماء ولا الفلاسفة ولا الأدباء ولا دعاة الإصلاح والتغيير من كل الأمم والأجناس بما في ذلك في بلدنا الصغير تونس.

إن المجتمع التونسي سائر إذن ومهما فعلت القوى الرجعية إلى الأمام. وهذه المسألة لا يمكن النظر إليها بشكل ضيق أو ميكانيكي بل ينبغي النظر إليها على أساس أنها سيرورة تخضع لقانون التراكم كمّا ونوعا مصحوبا بحركة مدّ وجزر. ولا ينبغي لأي ثوري حقيقي أن تحبطه الانتكاسات والتراجعات ولا ينبغي له أن يغترّ بالانتصارات فتخفى عليه إمكانية الارتداد لفترة طويلة من الزمن، ولكن المؤكد أن الانتصار سيكون في النهاية للحرية على الاستبداد وللتقدم على التخلف وللمساواة على الميز وللعدالة الاجتماعية على الاستغلال وللاشتراكية على الرأسمالية. ونحن لا نعتقد أن مجتمعنا الذي تجاوز عددا من الأحكام والأعراف والتقاليد المُغلّفة بغلاف الدين مثل قطع يد السارق وتعدّد الزوجات واعتباطيّة التطليق وحرمان الفتاة من التعليم والشغل وغير ذلك من أشكال الميز لن يتجاوز التمييز في الميراث. ولكن لسائل أن يتساءل لماذا يبدي الرجعيون عامة مقاومة أشد في التصدي لتغيير قانون الميراث والسير نحو المساواة في هذا المجال بينما قبلوا التخلي، تحت الضغط بالطبع، عمّا ذكرنا من أحكام وممارسات؟ إن الجواب لا يتطلب جهدا كبيرا وهو أنّ الأمر يهمّ رأسا تقسيم الملكية وتوزيع الثروة، وهو ما يجعل من التمسك بالحق الذكوري أقوى وأشدّ.

قبل إلغاء العبودية والحدود وتعدّد الزوجات والتطليق وكذلك قبل تجريم ضرب النساء، كان الرجعيون يتهمون كل من يدعو إلى الإصلاح بالكفر والإلحاد ومعاداة شرع الله مرددين: «لا نحلّل ما حرّم الله، ولا نحرّم ما أحلّ الله». ولكنهم بعد أن غلبهم تيار التقدم الجارف أصبحوا يعتبرون كل تلك الأحكام التي وقع تجاوزها من «المتغيرات» وليست من الأحكام «الصالحة لكل زمان ومكان» وأوجدوا لها فتاوى. ومن المؤكد أنه سيأتي اليوم الذي تتحقق فيه المساواة في الإرث وسنجد تكفيريي اليوم يردّدون ما رددوه بالأمس بشأن قضايا أخرى وهو أن الإسلام مع المساواة ويتجلببون بجلباب «الحداثة» بحثا عن موقع آخر يتمترسون فيه دفاعا عن مصالحهم ومصالح الفئات الاجتماعية التي يمثّلونها إلى أن يندثروا تحت ضربات التغيير. ولكن سيكون ذلك بعد أن أضاعوا وقتا طويلا على مجتمعنا كي يخطو خطوات إلى الأمام من أجل تحرره.

إن محاولة إضفاء القداسة على أحكام الميراث شأنها شأن محاولة إضفاء القداسة على العديد من أحكام الشريعة الأخرى وتقديمها على أنّها صالحة لكل زمان ومكان إنّما يعبر عن رفض لمنطق التطور لأن التشريعات مهما كانت تبقى بنت ظروفها اجتماعيا وسياسيا وثقافيا ولا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تكون قَطْعيّة في المطلق فما كان صالحا أو بالأحرى «قطعيّا» في وقت ما يصبح غير صالح وغير قطعيّ في زمن آخر بحكم قانون التطور وهو القانون المطلق الوحيد في الكون، أما ما عدا ذلك ونقصد الاستقرار فهو نسبي وانتقالي. ولذلك لا بد من مناقشة جميع قضايانا باعتبارها قضايا نسبية، مرتبطة بمراحل معينة من تطور مجتمعاتنا المتغيرة باستمرار بسبب تطور أنماط إنتاجها وعيشها وتفكيرها وسلوكها، وهو ما يعمل على إنكاره كل الرجعيين لأن قبولهم بقانون التطور والنسبية يعني قبول نهايتهم كممثلين لعالم قديم لم يعد يتماشى مع مقتضيات الحياة الجديدة طُرَقَ إنتاج ومؤسساتٍ وقيما وقوانين الخ… إنّ وجهة النظر المادية التاريخية هذه هي التي قادتنا في تناول مختلف المسائل التي أثرناها في هذا الكتاب سواء تعلقت بالأحوال الشخصية أم بالعقوبات الجسدية أم بالسلوكيات والأخلاق.

وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى ما ذهب إليه بعض المنتقدين، بعد صدور الطبعة الأولى من الكتاب، من أنني «انحرفت» عن الفكر المادّي، العقلاني بضغط من القوى المحافظة، وأنني أصبحت أبحث عن تبرير للموقف من قضية الميراث وغيره من المسائل من «داخل المنظومة الفقهية الإسلامية» ذاتها تماما كما يفعل بعض المشايخ الذين تنحصر المعرفة عندهم في التأويل المستمر للنص الديني ومحاولة تكييفه مع الواقع لإلباسه لبوسا تحديثيا خوفا من التكفير والتشويه. وأصحاب هذا الموقف قسمان، قسم تغلب عليه الانطباعية وقلّة التعمق في محتويات الكتاب وهو أمر أصبح معتادا في أيامنا هذه التي انتشر فيها التصحّر الثقافي وقلّ فيها النقد العلمي، الموضوعي، وقسم ينتمي إلى قوم قليلي الاطلاع على التاريخ والثقافة العربيين الإسلاميين ومتأثرين بما يقرؤون من أفكار المستشرقين الاستعماريين الغربيين المعادين للعرب والمسلمين عامة، مما يجعلهم لا يرون في الثقافة العربية الإسلامية إلا «إرثا رجعيا متخلفا لا يصلح لشيء».

إن الثقافة العربية الإسلامية ليست «كلّا موحّدا» بل شقّتها، مثلها مثل كل الثقافات الإنسانية، تيارات متصارعة يمكن حصرها في النهاية في تيارين أساسيين بارزين: تيّار عقلاني، تقدمي يسعى، وفقا للظروف التاريخية، إلى زرع بذرة من بذور التحرر الإنساني، وتيّار نقلي رجعي متخلّف يحاول الحفاظ على السائد وعرقلة كلّ تطور. وإذا كان التيار الأول مرتبطا بالقوى الاجتماعية الصاعدة تاريخيا وهي قوى من صالحها التقدم فإن التيار الثاني ارتبط على الدوام بالطبقات السائدة التي تعمل على تأبيد هيمنتها على المجتمع عبر نشر الفكر المثالي الثبوتي الذي غالبا ما اتخذ صبغة دينية تقديسية لإيهام الطبقات والفئات الاجتماعية الراغبة في التغيير بأنّ ما يسلط عليها من اضطهاد إنما هو «قضاء وقدر» حتى تقبله صاغرة خانعة. ومن هذا المنطلق فإن ما قد يبدو لنا في بعض الأحيان صراعا لاهوتيا أو فقهيّا إنما هو في عمقه وفي خلفيته صراع سياسي اجتماعي بين التيارات المتصارعة داخل المجتمع تعكس المصالح المختلفة والمتضاربة داخله.

إن من بين الأمثلة التي يمكن أن نسوقها في هذا المجال هو الصراعات التي دارت في النصف الأوّل من القرن الرابع إلى بدايات القرن الخامس هجري بين المعتزلة والأشاعرة (نسبة إلى أبي الحسن الأشعري 260هـ/874م ـ 324 هـ/936م) وغيرهم من أتباع المدرسة النقلية. إن المعتزلة، الذين أبدعوا علم الكلام متأثرين بالفلسفة اليونانية، ودافعوا عن خلق القرآن في وجه دعاة أزليته وعن القدرية ضد الجبرية وعن التخيير ضد التسيير، لم يخوضوا، شأنهم شأن خصومهم، صراعا في اللاهوت معزولا عن واقعهم وعن قضاياهم، وإن بدا في الظاهر كذلك وإنما كانوا يهدفون من وراء هذا الصراع أوّلا إلى تنسيب النص الديني بربطه بظروف «نزوله» وثانيا إلى «علْمنة» الحياة السياسية والاجتماعية بإعطاء الإنسان القدرة على خلق أفعاله وعلى الاختيار بين «الخير والشر» وهو ما يقودهم في نهاية الأمر إلى تحميل الحكام وعلى رأسهم الخليفة مسؤولية أعمالهم وفي هذا التصوّر ما يفتح الباب على إمكانية التمرد على «الحاكم الجائر» ومحاسبته. وبالمقابل فإن الأشاعرة وغيرهم من أتباع المدرسة النقلية، بدفاعهم عن «سرمدية النص» وعن الجبرية (الإنسان مجبر على أفعاله، وقد كانت الجبرية عقيدة دولة في العهد الأموي الذي رٌوّجَ فيه أنّ حكم معاوية «قضاء وقدر» لتبرير انتزاعه الحكم من علي بن أبي طالب) والتسيير (الإنسان مسير وليس مخيّرا) إنما كانوا يريدون الإيهام بأنّ كل شيء مقرّر مسبقا، ثابت لا يتغير وبأن الخليفة إنما هو «ظل الله على الأرض» وأنّ ما يفعله إنما هو بإرادة من الله وأنّ القيام في وجهه ومحاولة تغييره «فتنة» وتمرّد على إرادة الله مما يعني أن الطبقات الكادحة والمفقرة مطالبة بالخضوع وبأن أهل الفكر الحر مطالبون بالرضوخ للخليفة وأعوانه وتبرير أعماله وجرائمه ومن لا يفعل ذلك من «الرعية» أو من «أهل الفكر» فمصيره التنكيل.

فعلاوة على القمع الذي حلّ بكل التمردات الشعبية التي عرفها المسلمون (القرامطة الخ…)، فقد دفع بعض الأحرار الثمن غاليا بسبب خروجهم عن الصف أمثال الجعد بن درهم (46هـ/666م ـ 105هـ/724م) القائل بخلق القرآن وقد ذبحه والي الكوفة في أول أيام عيد الأضحى وعبد الله بن المقفع (106هـ/724م ـ 142هـ/759م) المتهم بالزندقة الذي أمر والي البصرة بربطه وتقطيع أعضائه وأطرافه عضوا عضوا ورميها في النار وهو (أي ابن المقفع) ينظر إلى ذلك إلى أن هلك ومات من التعذيب بقطع الأوصال. وبهذه الصورة يتّضح أنّ الانتصار للنقل كان انتصارا لسياسة تتصدّى لتحرير العقل بهدف إلغاء الإرادة الحرة للكائن البشري وتعطيل تحرّره من الاستبداد والاستعباد اللذين يرفضهما العقل والمنطق. وبعبارة أخرى فإن النقل لم يكن سوى اغتيال للعقل وشرط من شروط استدامة الاستبداد والاستغلال بغطاء ديني، قدسي.

إن المعتزلة وعلى رأسهم ( بعد المؤسس واصل بن عطاء) كلٌّ من الزمخشري (467 هـ/1074م ـ 538 هـ/ 1143م) والجاحظ (159 هـ/755 أو 756م ـ 255 هـ/868م) والخليفة المأمون (170 هـ/768م ـ 218 هـ/833م) صاحب بيت الحكمة والقاضي عبد الجبار (359 هـ/969م ـ 415هـ ـ 1025م)، كانوا عقلانيّي عصرهم وتقدّميّيه الذين قدّموا العقل على النصّ فجعلوه «حاكما عليه» و«مصدر الأمر والنهي» و«مدرك الحسن والقبح» بقطع النظر عمّا أمر به الشرع ونهى عنه، فاتحين بذلك ثغرة هامة في جدار التفكير الجامد والمتكلّس في ذلك الزمن، ولم يكونوا في الواقع سوى ممثلي القوى الصاعدة من تجار وأصحاب مهن وصنائع في مجتمعهم لذلك ازدهر في عصرهم إنتاج المعارف في مختلف المجالات من فلسفة وتاريخ وجغرافيا وطب ورياضيات وهندسة وفيزياء وكيمياء وفلك وأدب وشعر الخ… ولكنهم، وهذا أمر طبيعي، كانوا محكومين بظروف عصرهم فقاموا بما كان بمقدورهم القيام به وفقا لتلك الظروف فأسهموا في زرع البذور الأولى للفكر العقلاني العربي الإسلامي. وعليه فإن التقدمية تستمد مضامينها من ظروف المرحلة التاريخية المحددة، وليس من معايير مطلقة، فالتقدمي هو كذلك يكون نسبةً إلى ما قبله وإلى ما هو سائد حوله في هذا المجتمع أو ذاك أو في المجتمع الإنساني بشكل عام بما يجعل منه خطوة إلى الأمام في اتجاه تحرير الإنسان من الاستلاب الفكري والاجتماعي والسياسي ولو بشكل جزئي وتدريجي.

إن التقدّميين اليوم في بلادنا وفي الوطن العربي ليس دورهم ترديد ما أنجزه أجدادهم وتكراره بل إنه بات من الواجب عليهم أن يكونوا تقدميين بمقاييس عصرنا أي حَمَلةَ ما توصلت إليه الإنسانية من تقدم فكري وبالتالي لا يمكنهم أن يكونوا إلّا ماديين جدليين وماديين تاريخيين ينزعون عن مختلف الظواهر الاجتماعية والسياسية والفكرية والدينية والثقافية والقانونية كل غطاء مثالي، فيتناولونها بالبحث والتحليل باعتبارها منتجات تاريخية اجتماعية نسبية وانتقالية، تتغير بتغير الظروف التي أنتجتها وهو ما يجعلهم، مثلا، لا يقبلون اليوم باستمرارية العمل بأحكام وتشريعات مرّت على ظهورها قرون من الزمن وبالتالي تجاوزتها الأحداث ولم تعدْ صالحة.

إن الإسلام ذاته، إذا نظرنا إليه من زاوية تاريخية، أي من زاوية ما كان سائدا في مكة وفي الجزيرة العربية بشكل عام، مثّل ثورة على أكثر من مستوى بما في ذلك في مجال الأحوال الشخصية وحتى في مادة الميراث. ولا يمكن تقييم ما أتى به الإسلام بمعايير اليوم فذلك إسقاط غير منطقي وغير مقبول، وإنما مقارنة بما كان موجودا وسائدا في المجتمع العربي القبلي آنذاك وفي المنطقة كلها وحتّى في العالم، وأخذا بعين الاعتبار ما أحدثه من تطور في مختلف البنى الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية. إن المعضلة الآن تكمن في محاولة تحويل ما أتى به الإسلام مثلا من أحكام في هذا المجال أو ذاك إلى أحكام مطلقة صالحة لكل زمان ومكان والادعاء بأن «الكتاب» أتى بكل شيء مرة واحدة وإلى الأبد وبأن الإنسان عليه أن يكتفي بتطبيق ما ورد فيه دون مراعاة لتطور الحياة وما يفرضه من علاقات اجتماعية ومؤسسات وأفكار وقوانين وعلوم جديدة. إن الجمود هو عدو الحياة، ومن هنا يمكن القول إن المعضلة إذن ليست في الإسلام في حد ذاته فهو ابن عصره، ومن صميم التاريخ الذي أنتجه، وليس خارجا أو متعاليا عنه، وقام بدوره في الظروف التي جاء فيها، وحّد قبائل مشتتة، وأسّس لدولة، وألهم حضارة كانت هي الحضارة العالمية في العصر الوسيط، مما جعل ماركس وأنجلس، مؤسّسي المذهب الاشتراكي العلمي، يتحدثان في عدد من الرسائل المتبادلة بينهما فيما بين ماي وجوان 1853 عن «ثورة محمدية»، مُشيدين في الوقت نفسه بالعرب الذين «كانوا شعبا لا يقلّ مدنية عن المصريين والآشوريين وغيرهم…».

إنّ المشكل في المسلمين أو بالأحرى في القوى المسيطرة في المجتمعات الإسلامية التي حنّطت الإسلام وحولته إلى مجرد قوالب صالحة لكل زمان ومكان تماما مثلما فعلت الطبقات نفسها في المجتمعات التي تسيطر عليها المسيحية أو البوذية أو الكونفوشيوسية أو غيرها من العقائد، لتبرير سيطرتها تلك وتقديم نظامها على أنه نظام أزلي وهي بذلك تُعطّل سير التاريخ وليس أدل على ذلك من أن الحركات الظلامية التي تشتغل اليوم في المجتمعات العربية الإسلامية تسير بأفكارها اللاّتاريخيّة الرجعيّة في الاتجاه المعاكس لما أحدثه الإسلام في عصره. فهي تجد شعبا موحّدا فتمزقه، وتجد دولة قائمة فتدمّرها وتفكّكها، وتجد اقتصادا منتجا ولو إلى حدّ فتخرّبه وتنشر الفقر والبطالة، وتجد ثقافة وحضارة فترتد عن مكاسبها محدثة تصحّرا ثقافيا رهيبا ممّا يؤكّد أنها حركات معادية لاتجاه تطوّر التاريخ.

ومن هذا المنطلق تتأتى أهمية الثورة الفكرية في مجتمعاتنا والتي لن تكون إلا جزءا من ثورة شاملة اجتماعية وسياسية وثقافية تقودها الطبقات والفئات الاجتماعية ذات المصلحة في التغيير والتي يقوم فيها العنصر الواعي بدور الملهم والمؤطّر، إذ ما من ثورة حقيقية في التاريخ لم تُمهّد لها ثورة في الأفكار والقيم.

وإنّي لأودّ الردّ على الذين يدّعون أنني في كتابي دافعت عن المساواة في الإرث من داخل المنظومة الفقهية الإسلامية تودّدا للناخبين، والحال أنهم لو عكسوا لأصابوا، فلو كان الأمر كما ادّعوا لكنت فعلت ما يفعله أصحاب المنهج التلفيقي أو في أفضل الحالات أصحاب المنهج «المقاصدي» (الطاهر الحداد الخ…) الذي يعدّ في حدّ ذاته خطوة هامة، ولو محدودة، على طريق تحرير الفكر الإسلامي من هيمنة المنهج النقلي الجامد، والذي يعتمد التأويل المستمر للنص وتكييفه مع تطورات الواقع، وهو ما يسقطه في الانتقائية وحتى في التلفيق أحيانا بل وفي ليّ عنق النص لاستحالة تأويله أو نزعه من سياقه التاريخي، أما أنا فإنني لم أستعمل هذا المنهج وإنما استعملت منهجا آخر، منهجا ماديا تاريخيا. لقد كان همّي، سواء في الكتاب أو في بعض مداخلاتي، هو إبراز الطابع التاريخي النسبي لبعض الأحكام الإسلامية الفقهية ومنها حكم الميراث «وللذكر مثل حظ الأنثيين» أو حكم قطع يد السارق، وبالتالي إبراز أنها بنْتُ الواقع، أو إن شئنا بنت الأرض، ناهيك أنها كانت موجودة قبل الإسلام وأنّ مبدعيها بشر معروفون بالاسم، وقد أخذها الإسلام وأدرجها ضمن منظومته التشريعية لأن الإسلام ذاته ابن واقعه وما كان له أن يكون غير ذلك وإلا لما كان له التأثير الذي كان له وهو ما ينزع عن تلك الأحكام الواردة فيه طابع القداسة.

ولنا أن نتساءل ماذا يمكن أن يكون التحليل المادي التاريخي إن لم يكن تنسيب الأحكام والتشريعات وتنزيلها في سياقها التاريخي الاجتماعي بما ينفي عنها كل إطلاقية تتلفّع بجلباب القداسة؟ ليس الدين في حد ذاته عدوّا، ولكن عدونا الواقع المرّ الذي يدفع الناس إلى التشبث بخيط النجاة حتى لو كان خيطا وهميا وبالتالي فمن دون تغيير هذا الواقع المرّ فلا أمل في تغيير الذهنيات، وهو ما يتطلب وقتا طويلا. ولكن مشكلة بعض أدعياء العلم والمعرفة هي أنهم مُنْبَتّون، منعزلون عن تاريخ شعوبنا وأمتنا العربية وعن ثقافتهما وحضارتهما فتراهم يتمثلون دائما ثقافة المستعمر وحضارته الرأسمالية الامبريالية ليظهروا بمظهر «التقدميين» و«الحداثيين». ومن الطبيعي أن يبقى هذا الرهط من المثقفين عاجزا عن تغيير أدنى شيء في الواقع، فهو من جهة منقطع عن هذا الواقع ومن جهة أخرى غير معتَرَف به ممّن يحاول التشبّه به. ولكن هل يعني ذلك أننا منغلقون أو أننا منقطعون من جهتنا عن المكاسب الإنسانية الكونية؟ إنّ الكونيّة أضرب وأنواع.

نحن ضد «الكوسموبوليتزم»، أو بالأحرى كونية الاستعمار التي تُقزّم الثقافات والحضارات الأخرى وتسعى إلى فرض نمط واحد من التفكير والسلوك وحتى اللباس والأكل والفن والذوق على كافة شعوب العالم لتستغلها في ترويج بضاعتها ومراكمة الأرباح، ولكننا مع كونية الشعوب التقدمية التي تعترف بالتنوّع وتقرّ بمساهمة كافة شعوب الأرض، بهذا القدر أو ذلك، في تكوين الإرث الإنساني. إن العرب، أحبّ الاستعماريون أم كرهوا، ساهموا في بناء الحضارة الإنسانية وكانت حضارتهم في العهد الوسيط الحضارة العالمية الأولى. وحتى الشعب التونسي، هذا الشعب الصغير، فقد كان له عبر العصور دور في التقدم الإنساني، وله الفخر والمجد اليوم أنه كان فاتح الثورات في القرن الحادي والعشرين. ومن هذا المنطلق يصح التثاقف بين الشعوب والمجتمعات، فأي خطوة في أي مجال من المجالات يقطعها شعب من الشعوب أو أمة من الأمم فهي مكسب للإنسانية جمعاء.

إن النظرة المعادية لموروثنا الثقافي دون التمييز بين ما فيه من إيجابي وتقدمي من جهة وما فيه من رجعي متخلف من جهة ثانية، وتقديمه على أنه «استثناء»، رجعي برمته وأن الأنوار لم تعرفها ولم تسهم فيها إلا المجتمعات الغربية، تخدم الظلاميين الذين يقدمون المكاسب التقدمية «كبضاعة أجنبية لتخريب مجتمعاتنا» نافين من جهة مساهمتنا في بلورتها وفي إثرائها عبر التاريخ ومن جهة ثانية حاجتنا إليها لتثوير مجتمعاتنا وتطويرها، كما تخدم الاستعماريين الذين يقدموننا على أننا «وحوش معادون للحضارة ولسنا أهلا للحرية والتقدم وأننا خلقنا ليستعمرونا»، وهو ما يُبيّنُ في الواقع التقاء مختلف هذه الأطراف في معاداة شعوبنا. فالبلدان الاستعمارية الغربية هي الحليف والحامي الأكبر للسعودية وللحركات الوهابية والإخوانية والإرهابية «الداعشية» وغيرها في العالم وهي تُعوّل عليها للهيمنة على مجتمعاتنا وتأبيد تخلفها. كما تعوّل على أذنابها من أشباه الحداثيين، المنبتين، لترويج بضاعتها وخدمة مصالحها وزرع روح الانهزام والعجز والشعور بالنقص وبالحاجة إلى التبعية في وعي شعوبنا.

يتبع

جريدة المغرب 22 ماي 2019

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى