أخبار عاجلة
الرئيسية / صوت الوطن / قانون التّقاعد المبكّر الاختياري: مزيد تعميق لأزمة الصّناديق الاجتماعيّة ونشر البطالة

قانون التّقاعد المبكّر الاختياري: مزيد تعميق لأزمة الصّناديق الاجتماعيّة ونشر البطالة

 حسين الرحيلي

تكتسي مسألة التغطية الاجتماعيّة ونظام التّقاعد أهمّية مركزيّة وتشغل اهتمامات الطبقة العاملة بصفة مباشرة أو غير مباشرة. ومثّل انخرام التوازنات المالية لصندوقي الضمان الاجتماعي في تونس خلال الخمس سنوات الأخيرة الهاجس الأكبر لدى كلّ المتدخّلين في المجال الاجتماعي وخاصة العمّال المموّلين الرئيسيين للصندوقين.

ونعتبر أنّ هذا الوضع المتأزّم للصناديق الاجتماعية نتيجة مباشرة للخيارات التي انتهجتها السلطة الحاكمة منذ أواخر الثمانينات من خلال الإصلاح الهيكلي للاقتصاد والشروع الفعلي في خصخصة القطاع العام، و فتح البلاد على مصراعيها إلى الشركات الاحتكارية الكبرى التي قامت بابتلاع جزء من النسيج الصناعي المحلي وإرغام جزء آخر على الغلق لضعف القدرة التنافسية للنسيج الصناعي والخدماتي المحلي، ممّا أفرز خلال التسعينات التسريح القصري لآلاف العمّال، إمّا في إطار التقاعد المبكّر بالنسبة إلى المؤسسات العمومية في إطار ما سمّي بتطهير القطاع العام، أو الطرد والبطالة الفنية بالنسبة إلى القطاع الخاص.

ولكن وبعد 14 جانفي، وعوض العمل على تفكيك العوامل والسياسات التي تسبّبت في إفلاس الصناديق الاجتماعية، فإنّ الحكومات المتعاقبة وإلى الآن كانت وفيّة للخيارات السابقة لمنظومة بن علي بل أصبحت أكثر ليبرالية، حيث بدأت تقود حملة في إطار تطبيق مقتضيات أحد أهمّ شروط صندوق النقد الدولي في مجال التغطية الاجتماعية وهي:

رسملة الصناديق الاجتماعية وغلق باب الانتدابات بالقطاع العمومي.

شروط صندوق النّقد الدّولي في مجال التّغطية الاجتماعيّة والصّحّيّة:

منذ تاريخ 7 جوان 2013، تاريخ إمضاء القرض الائتماني الأول مع صندوق النقد الدولي، تصدّرت الشّروط ذات الطابع الاجتماعي أولوية التزامات حكومة الترويكا آنذاك وخاصة فيما يتعلق:

  • بغلق باب الانتدابات في الوظيفة العموميّة
  • إعادة هيكلة الصناديق الاجتماعية ومراجعة قيمة الجرايات والترفيع في قيمة المساهمات مع إمكانية الترفيع في سن التقاعد
  • التقليص من عدد الموظفين العموميين من خلال التسريح المبكّر
  • العمل على رسملة الصناديق الاجتماعية والتأمين الصحي

ولئن شرعت حكومة الترويكا في تنفيذ جزء من هذه الشروط ولو بشكل محتشم من خلال غلق باب الانتداب إلاّ لمنظوريها طبعا، فإنّ الحراك الاجتماعي وقوّة القوى التقدمية آنذاك جعلها لا تنفّذ كلّ التزاماتها مع صندوق النقد الدولي.

ولكن ومع إمضاء رسالة النوايا خلال شهر ماي 2016 والمتعلقة بالقرض الائتماني الثاني مع صندوق النقد الدولي والذي مثّل أكبر قرض في تاريخ تونس بحوالي 6 مليار دينار على أقساط، وكلّ قسط مرتبط بشروط محددة وموجعة. والهدف من كلّ هذه الشروط هو تخلّي الدولة كليا عن مسؤولياتها في مجال التشغيل والتغطية الصحية والاجتماعية والاستثمار، أي فتح الباب على مصراعيه للاستثمار والنهب الدولي.

ولقد أبدى صندوق النقد الدولي في هذه المرة صرامة كبيرة، إذ ربط صرف القسط الثاني من القرض والمقدّر بحوالي 314 مليون دولار، أي حوالي 775 مليون دينار لتغطية عجز الميزانية لسنة 2017. ومثّل التقليص من أعوان الوظيفة العمومية الشرط المحوري والأكثر إيلاما على المستوى الاجتماعي في شروط الصندوق. ويتضمّن هذا الشرط التقليص من أعوان الوظيفة العمومية بحوالي 24 ألف موظف بين 2018 و2021 بهدف التقليص من كتلة الأجور إلى مستوى 12.1 بالمائة من الناتج المحلي الخام.

ونظرا إلى كون التحالف الحاكم فاقد لبرنامج واضح المعالم ومحدد الأهداف انطلاقا من كونه تحالف للمصالح والغنائم وليس تحالفا سياسيّا لخدمة الشعب، فإنّ تطبيق هذه الشروط يضمن له البقاء في السلطة والتمتع بخيراتها وامتيازاتها، مهما كانت هذه الإجراءات موجعة لغالبية أبناء الشعب وخاصة العمّال.

وقدّمت تبعا لذلك الحكومة مشروع قانون يسمح للموظفين بالوظيفة العمومية الخروج مبكّرا للتقاعد بشرط عدم تعويضه التزاما بشرط غلق الانتداب الذي فرضه الصندوق الدولي منذ 2013 على الحكومات المتعاقبة.

ونظرا إلى انخرام ميزان القوى داخل البرلمان، وتحت تهديد لجنة صندوق النقد الدولي من مغبّة عدم الالتزام بما تمّ الاتفاق حوله والالتزام به، وأمام تفاقم عجز الميزانية التي وصل إلى 6.2 بالمائة من الناتج المحلي الخام عوض ما كان مبرمجا بحوالي 3.9 بالمائة، فإنه تمّت المصادقة على هذا القانون من طرف نواب التحالف الحاكم، والذي يسمح للموظفين بالوزارات والمؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية فقط بالتمتع بالتقاعد المبكر الاختياري.

فما هي الانعكاسات المباشرة لهذا القانون على الصناديق الاجتماعية؟

الصّناديق الاجتماعيّة: تدفع ضريبة السّياسات الخاطئة والشّروط المسقطة:

وفق الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية، فإنّ عجز الصناديق لسنة 2016 قد بلغ 1100 مليون دينار دون احتساب الأموال المرصودة للصندوق الوطني للتأمين على المرض ومازالت في تصرف الصناديق، كما قامت الحكومة في إطار المساهمة في التقليص من عجز الصناديق وخاصة الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية، بضخّ 700 مليون دينار للصناديق سنة 2016 وتخصيص 500 مليون دينار سنة 2017، في محاولة يائسة لتمديد آجال إعلان إفلاس الصناديق الاجتماعية والتي ستمثّل كارثة اقتصادية واجتماعية بامتياز.

ورغم كلّ هذه الأوضاع المتردية للصناديق، فإنّ الحكومة تقدم على سَنّ قانون التقاعد المبكّر الاختياري، والذي سيكون انعكاساته سلبية جدا على الصناديق من خلال:

  • حرمان الصناديق من مساهمات حوالي 7400 عون في السنة والتي تمثّل حوالي 23 مليون دينار
  • الصناديق ستكون مضطرّة إلى صرف جرايات تقاعد لهؤلاء الأعوان بقيمة لا تقلّ عن 67 مليون دينار سنويا

أي أنّ الصناديق ستجد نفسها مطالبة بتوفير 44 مليون دينار، مع خسارة المساهمات           والمساهمين الجدد، باعتبار غلق باب الانتداب وعدم تعويض الأعوان المسرّحين

وبناء على ذلك، فإنه وإلى حدود 2012 فإنّ الصناديق ستكون مطالبة بحوالي 175 مليون دينار دون الاستفادة من أيّ مساهمات جديدة، وهو ما سيعمّق من عجزها المزمن.

ولكنّ الرّابح الأكبر هو صندوق النقد الدولي، الذي ضمن سداد قروضه من خلال ما ستربحه الميزانية من تأجير الأعوان المسرّحين والمقدّرة بحوالي 90 مليون دينار سنويا، ممّا سيمثّل حوالي 360 مليون دينار إلى حدود 2021.

ولكن تداعيات هذا القانون ليس فقط بشكل مباشر على الصناديق الاجتماعية، بل سيكون لها تأثير كبير على:

  • الموارد البشرية للإدارة العمومية التي ستفتقر لطاقاتها وخبراتها
  • إمكانية استغلال هذه الخبرات المسرّحة من الإدارة من طرف القطاع الخاص الذي سيجد فيها ربحا كبيرا حيث أنها تملك خبرة كبيرة ومستعدة للعمل دون أعباء اجتماعية ودون التزامات شغليّة عادية
  • تقليص إمكانيات التشغيل للمعطلين وبالتالي خسارة مضاعفة للصناديق الاجتماعية: خسارة مباشرة من أعوان الوظيفة العمومية، وخسارة غير مباشرة من خلال تشغيل القطاع الخاص لهؤلاء الأعوان ذوي الخبرة ودون مساهمات اجتماعية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى