الرئيسية / أقلام / قراءة أوّليّة في الدستور: ديمقراطية محلّية في انتظار التجسيم

قراءة أوّليّة في الدستور: ديمقراطية محلّية في انتظار التجسيم

بقلم: جيلاني الهمامي

101

1 – السّلطة المحلّيّة

 نصّص الفصل 131 من الدستور على أنّ السلطة المحلّيّة تقوم “على أساس اللاّمركزيّة” التي “تتجسّد في جماعات محلّيّة، تتكوّن من بلديات وجهات وأقاليم، يغطّي كلّ صنف منها كامل تراب الجمهورية”. وتتمتع هذه الجماعات “بالشخصية القانونية وبالاستقلالية الإدارية والماليّة وتدير المصالح المحليّة وفقا لمبدأ التّدبير الحرّ” (الفصل 132).

 فمن الخاصيّات المهمّة للسّلطة المحلّيّة كما جاء في الدستور الجديد هو أنّ المجالس الجهوية مثلها مثل المجالس البلدية تُنتخب “انتخابا، عامّا، حرّا، مباشرا، سرّيّا، نزيها، وشفّافا ” (الفصل 133) من قبل المواطنين بما يجسّد فعلا طابعها الديمقراطي التشاركي وبما يسمح لناخبيها بممارسة الرّقابة عليها وسحب الثقة منها. وقد أحدث الدستور سلطة جهوية جديدة هي الأقاليم التي تنتخب من قبل المجالس البلدية والجهوية وهي بمثابة هياكل التنسيق بين أكثر من جهة تشترك في جملة من الخصائص التي تجمعها. وإلى جانب ذلك سيقع إحداث “المجلس الأعلى للجماعات المحلية” وهو “هيكل تمثيلي لمجالس الجماعات المحلية مقرّه خارج العاصمة ” ( الفصل 141 ).

 ولكنّ الإقرار بهيئات الحكم المحلّي على الصورة التي ذكرنا على أهميّته، يمكن أن يظلّ حبرا على ورق ما لم يعهد لهذه الهيئات بصلاحيات تصرّف حقيقية لتجسّم سلطتها. من هذه الناحية أقرّ الفصل 134 ما يلي “تتمتع الجماعات المحلية بصلاحيّات ذاتية وصلاحيّات مشتركة مع السلطة المركزية وصلاحيات منقولة منها” و”توزّع الصّلاحيات المشتركة والصلاحيات المنقولة استنادا إلى مبدأ التفريع “مضيفا” تتمتع الجماعات المحلية بسلطة ترتيبية في مجال ممارسة صلاحياتها، وتُنشر قراراتها الترتيبية في جريدة رسمية للجماعات المحلية”.

 غير أنّ لإقرار هذه الصلاحيّات يبقى لا محالة غير ذي معنى إذا لم يمنح لهيئات الحكم المحلي الإمكانيات المادية والموارد اللازمة لممارسة سلطتها. وهو ما تضمنته الفصول 135 و136 و137 حيث جاء فيها أنّ “للجماعات المحلية موارد ذاتية، وموارد محالة إليها من السلطة المركزية “ملائمة للصلاحيات المسندة إليها قانونا إلى جانب ما يقع تخصيصه كنسب “من المداخيل المتأتية من استغلال الثروات الطبيعية للنهوض بالتنمية الجهوية”. وتتمتع هذه الجماعات بـ”حرية التصرف في مواردها” في إطار الميزانية المصادق عليها” حسب قواعد الحوكمة الرشيدة وتحت رقابة القضاء المالي”.

2 – في انتظار التجسيم

يبقى الآن أن تُلقى هذه اﻷحكام طريقها إلى التجسيم في القوانين التطبيقية (مجلة البلديات الخ..) وفي الممارسة. والمهم أن تكون الإدارة التنفيذية المحلية في المستوى المحلي والجهوي والإقليمي في متناول السكان فعلا وأن تمنحهم فرصا حقيقية لتوسيع ﻤﺠﺎﻻت اﻟﻤﺸﺎرﻛﺔ اﻟﻤﺠﺘﻤﻌﻴﺔ ﻓﻲ ﺼﻨﻊ اﻟﻘرار اﻟﻤﺤلّي وﺘﺸﺠﻴﻊ اﻟﺘﻌددﻴﺔ وﺘﺤﻘﻴق اﻟﺸﻔﺎﻓﻴﺔ وﺘوﻓﻴر ﻤﺠﺎﻻت اﻟﻤﺴﺎءﻟﺔ وأن تكون هذه اﻟﺴﻠطﺎت اﻟﻤﺤﻠﻴﺔ أﻛﺜر ﺘﺠﺎوﺒﺎ وﺘﻛﻴّﻔﺎ ﻤﻊ اﻷوﻀﺎع اﻟﻤﺤﻠّﻴّﺔ اﻷﻤر اﻟذي سيعطيها ﻓﺎﻋﻠﻴﺔ أﻛﺒر في تنمية الجهات وانتشالها من التهميش.

     ونعتقد أنّ ظروف بلادنا مهيّأة ﻷن يلقى نظام الجماعات العمومية الجهوية والمحلية على صورته الجديدة طريقه للنجاح. فالمدن التونسية التي كانت مهد الاحتجاجات والثورة تشكّل اليوم مركز ديناميك سياسي واقتصادي واجتماعي زاخر بالنشاط والحركة. وما انفكت الجهات تدفع، في الشمال الغربي (جندوبة، سليانة..) وفي الوسط والساحل (بوزيد والقصرين…) وفي الجنوب الغربي (المناجم) والشرقي (بن قردان)، إلى التسريع بفك خناق التصرف المركزي في التمويل والاستثمار والتنمية وحلّ المعضلات الاجتماعية الكبرى كالفقر والبطالة والتهميش.

3 – غموض وثغرات

    إنّ أهمية ما جاء في هذا الباب من الدستور لا يمكن أن يحجب عنا بعض النقائص والثغرات التي لا مناص من إبداء بعض الملاحظات بشأنها. فمن الناحية الشكلية كان من الأدق والأصح عنونة هذا الباب بـ”اللاّمركزية والديمقراطية المحلية” عوضا عن “السلطة المحلية”، أوّلا لعدم شموليّة كلمة “المحلية” للجماعات الجهوية والمحلية والإقليمية وثانيا للقطع حتى من حيث الإصطلاح مع مفهوم المركزة المفرطة وغياب الديمقراطية بالتنصيص عن بديلها دستوريا بـ “اللامركزية والديمقراطية المحلية “.

 من جهة ثانية جاء في الفصل 131 تعريف غير دقيق للهيئات التي تتجسّد فيها السلطة المحلية حيث نصّ على الآتي “يمكن أن تحدث بقانون أصناف خصوصية من الجماعات العمومية” بما يتعارض مع ما جاء في الفصل 65 من الدستور الذي ينصّ “تتخذ شكل قوانين أساسية النصوص المتعلقة بالمسائل التالية: … السلطة المحلية” ولا ندري ما إذا كان ذلك لمجرد سهو أم لأسباب أخرى.

 زيادة على ذلك فإنّ ترك الباب مفتوحا لإحداث سلط محلية أخرى “خصوصية” من شأنه أن يشكّل مغالاة في الاتجاه المعاكس للمركزية المشطّة وهي مغالاة لا تأخذ بعين الاعتبار ضيق مساحة البلاد والكلفة العالية للاّمركزية إذا لم يكن متحكّما فيها في حدود ما لا يمسّ من الوحدة الوطنية.

 وأخيرا يمكن الإشارة أيضا إلى الغموض الذي اكتنف مسألة التفريع والاختصاصات وتوزيعها وتنظيمها. فمصطلح “صلاحيات منقولة” الوارد بالفصل 134 إذا كان المقصود بها ما ينقل للجماعات الجهوية والمحلية من صلاحيات فإنها حينئذ تتحوّل إلى اختصاصاتها ويصبح التنصيص على توزيعها على أساس مبدإ التفريع غير ذي موضوع ونعتقد أنه كان كافيا التنصيص على الصلاحيات الذاتية والصلاحيات المشتركة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى