الرئيسية / صوت الجهات / قفصة: بين لعنة الفسفاط واستهتار الحكومات // عمار عمروسية

قفصة: بين لعنة الفسفاط واستهتار الحكومات // عمار عمروسية

 

“قلوبهم على الفسفاط وعيونهم على المرابيح وأحذيتهم على الأهالي”

تعاقبت السنوات، وتوالت الحكومات والأوضاع بهذه الجهة على حالها، بل أفظع بكثير. فالأمور على  جميع الأصعدة وفق أغلب المتابعين للشأن الجهوي يجزمون بأنّ وجهة السير حثيثة  نحو الخلف والتقهقر. وحضور الدولة وخصوصا ما تعلّق بالمرفق العمومي أضحى مثيرا للسخريّة وحتى الغضب في قطاعات واسعة من الأهالي. ويذهب طيف كبير من  متساكني هذه  الولاية  الى  الاعتقاد الراسخ  بأنّ وجود هياكل الدولة والحكم المحلي والجهوي والوطني أيضا لأكثر من قرن أسقطت كليّا أو يكاد  من  دوائر اهتماماتها النهوض بأوضاع التنمية والتشغيل. وأبقت على  دائرة العناية الوحيدة التي لا تتجاوز تأمين استخراج الفسفاط وترويجه. فالطبيعة والجغرافيا أنعمتا على قفصة بثروة هائلة هي دون شكّ “الفسفاط” إلّا أنّ استثمارها وتوظيف عائداتها كانا على الدوام على حساب الأهالي ومصالحهم. ذلك أنّ المنتفعين قلّة قياسا بالمتضرّرين في كلّ المعتمديات والقرى بالجهة.

والأنكى من ذلك أنّ عمليات إعادة الهيكلة والإصلاح المزعوم بما في ذلك “المكننة” التي تمّت منذ أواسط السبعينات وتوسّعت في الثمانينات انتهت وفق ما هو مخطط لها إلى الرّفع من نسق الإنتاج والإنتاجيّة ومزيد تكديس الأرباح في ظلّ ارتفاع  أسعار “التراب الذهبي” في الأسواق العالمية.

وبالتوازي مع ذلك تفاقمت الأضرار البيئية وتزايدت آثارها المدمّرة على صحّة المتساكنين وعلى  القطاع الفلاحي.

 وتحت دعاوي “المكننة” وتطوير النشاط المنجمي بالإكثار من المغاسل، وإحداث المركب الكيميائي  بالمظيلة استنزفت المائدة المائيّة بشكل مفزع وتلاشت الواحات وشحّت الآبار المائية ووصلت الأضرار حدّ تشويه المعالم التراثيّة والعلامات التاريخيّة مثلما هو الحال بـ”واد الباي” ومسبح “سيدي أحمد زروق” الخ…

دارت عجلة الإنتاج المنجمي تحت حكم “بن علي”. إلاّ أنّ الفقر توسّع كما لم يحدث من قبل والبطالة  تزايدت إلى حدود بوّأت الجهة على رأس لائحة الولايات الأكثر فقرا والأقل نموّا وخاصّة الأرفع في جيوش المعطّلين إن في أصحاب الشهائد العليا أو سواهم. دارت العجلة، في كلّ العهود على حساب الأهالي، ومع دوران هذه العجلة أضحت “شركة فسفاط قفصة” بمثابة الكابوس الجاثم على صدور الأهالي.

 كيف لا؟ وهذه الشركة لم تفعل منذ الثمانينات سوى تسريع انسحابها من حياة الناس. فبعد أن كانت  على الأخص بالمعتمديات المنجمية هي الحاضنة الأولى ليس فقط لعمالها وإطاراتها وإنما لكل  المتساكنين، وفي هذا السياق تكفي الإشارة إلى أنّ المجانيّة  التامة لاستعمال المياه والنور الكهربائي إضافة إلى الأسعار التفاضليّة وحتى الرمزيّة لكل معروضات “المغازة العامة” بمعتمديات الحوض المنجمي.

ابتعدت الشركة عن محيطها وأضحت إلى حدّ ما غريبة عن بيئتها وحتى استمرارها في لعب بعض وظائفها الاجتماعية أهلكته وجوه الفساد وهياكل التلاعب التي تمّ إحداثها. ومع مرور الوقت وبالتساوق مع التمشي النظامي مع تحديد التوجّهات الاقتصادية والاجتماعية للدولة وفق منطق الاستبداد وسطوة  القوّة والتنكيل تعاظمت نقمة الأهالي على الشركة والدولة أيضا وذاك في اعتقادنا القاعدة الصلبة لبروز  الحركات الاحتجاجيّة وتصلّب عودها  في العشريات الماضية.

ولعل انتفاضة الحوض المنجمي الباسلة في 2008 هي التعبير المكثّف عن  أزمة الدولة مع مواطنيها  ومأزق الشركة مع محيطها.

 ودون شكّ، فإنّ مزايا تلك الانتفاضة، رغم جسامة التضحيات المقدمة، كانت كثيرة ليس فقط على  الجهة وإنما على البلاد برمتها، ذلك أنها عرّت أيما تعريّة الوجه القمعي لنظام الحكم وكشفت أحجام الفساد وأضلاعه القائمة من حكام وأشباه نقابيين وسياسيين إلخ… والأهم  أنها – أي الانتفاضة – وضعت  قضيّة الثورة وتغيير النظام على رأس جدول القوى الثورية ببلادنا وعموم الشعب التونسي.

 ودون شكّ أيضا، فإنّ تلك الانتفاضة هيّأت الطريق لطرح مسألة التوزيع العادل للثروة وشقّ الطريق  أمام القضاء على التفاوت الجهوي الذي مثّل وما زال ركنا أساسيا في مقوّمات النظام القائم.

ونحن نعتقد أنّ الحراك الاجتماعي القائم اليوم بهذه الجهة هو مواصلة ضمن أوضاع جديدة وحتى أشكال  جديدة لنضالات الأمس. وفي ذات الوقت، نحن على يقين بأنّ العوامل الموضوعية التي فجّرت “هدوء الأمس” هي نفسها التي تدفع الشباب والنسوة إلى الاحتجاج والنضال.

 فالاعتصامات لا تحصى ولا تعدّ خصوصا بمدينة “ام العرائس” وأيضا “الرديف” وهي أيضا متكاثرة  بـ”قفصة المدينة” و”القطار” الخ… وشظايا “الحريق الاجتماعي” من حين إلى آخر تمتد إلى مدينة  “المتلوي” علما بأنها استقرّت هذه المرّة بقرى مثل “أم  الأقصاب” و”زانوش” وأيضا بلدة “السند”.

 الجهة على صفيح ساخن، فالاعتصامات تتوالد والمنخرطون في الأنشطة الاحتجاجيّة تتزايد أعدادهم  وتشمل الذكور والإناث والشبّان والكهول. الجميع يطلب الشغل ولقمة العيش.

مراكز الإنتاج بالمعتمديات المنجمية في أغلبها أضحت مخيمات للفقراء والمعطلين ومراكز السيادة  أيضا مثلما هو الحال أمام ولاية قفصة وداخل معتمدية “السند” وكذلك “القطار”  و”بلخير” . وقبل أيام  “سيدي عيش” والأفظع من ذلك أقدام العشرات من طالبي الحقوق إلى تكبّد معاناة التحوّل مشيا على  الأقدام إمّا إلى العاصمة اعتصام المروج 2، وبطحاء محمد علي وإمّا إلى الحدود الجزائريّة مثلما  هو حاصل الآن مع مجموعة بقرية “أم الأقصاب” (أم العرائس بعد أن  وقع فضّ اعتصام “حزوة”).

لاجئون في بلادهم وعلى الحدود ضمن أوضاع إنسانيّة صعبة وعوامل مناخيّة قاسيّة وحكومة السيّد “الحبيب الصيد” تلازم الفرجة وتتابع الأوضاع لا حول لها ولا قوّة.

 يـــــــــــــتـــــــبــع

 عمار عمروسيّة 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى