الرئيسية / صوت الوطن / كفى دجلا على الشعب // بقلم حمّه الهمامي

كفى دجلا على الشعب // بقلم حمّه الهمامي

بقلم: حمه الهمامي

في مقابلة مع إذاعة «شمس اف ام» في المدّة الأخيرة، ذكرت، عند تناول مسألة المساواة في الميراث،

أنّ حكم «وللذكر مثل حظ الأنثيين»، سابق للإسلام. وقد أثار هذا الكلام زوبعة في الشبكة الاجتماعية إذ سارع البعض بالاستنكار نافين صحة ما ذكرته، معتبرينه «اعتداء على شرع الله» وعلى «قدسية القرآن». وفي الحقيقة لم أفاجأ بمثل ردّة الفعل هذه التي أصبحت عادة التكفيريين كلّهم. فأبسط السبل عندهم، لطمس الحقائق ولجم حرية التفكير وإغراق عامة الناس في الجهل والظلمات هو إشهار سلاح التكفير في وجه كلّ من ينشر ولو خيطا واحدا من نور في بحر الظلمات الذي يريدون إغراق مجتمعاتنا فيه لإبقائها تحت نفوذهم.
وهذا الأسلوب ليس جديدا. فإخوان الظلام بمختلف فصائلهم، ليسوا إلا أحفاد أولئك الذين وأدوا حرية التفكير في تاريخ شعوبنا وحرّموا الاجتهاد وجرّموا إعمال العقل واعتبروا الفلسفة زندقة حتى لا يُعْمِلَ مُضْطَهَدٌ عقله ويتساءل عن سرّ ثرائهم من جهة وعن سرّ فقره من جهة ثانية، وحتى لا يُحَاسِبَ حاكمًا على أعماله أو يثور عليه. إنّهم أحفاد صاحب «المنشور القادري» (الخليفة العباسي القادر بالله، 336/422 هـ/ 947 – 1031م) الذي حدّد، بقرار، عقائد المجتمع، وأباح قتل المسلمين على أمر اجتهادي، ونكّل بالمعتزلة. وهم أيضا أحفاد أبي جعفر يعقوب المنصور «الموحّدي» (1160 ـ 1199م)، صاحب قرار منع الفلسفة ببلاد المغرب (1195) الذي أحرق كتب الفلاسفة ونفى ابن رشد وحرّض عليه بدعوى أنّه «زنديق» لأنّه أعلن العقل مرجعا أوّلا وأخيرا.

• عودوا إلى كتب التاريخ

إنّ كتب الأخباريّين والنسّابين العرب حافلة بالمعطيات حول جذور الشريعة الإسلامية، فأحكام الإسلام، في معظمها، أعراف وتقاليد سابقة له. وفيما يخصّ الميراث، موضوعنا في هذا المقال، فإنّ كتب التراث تذكر العديد من التفاصيل حول ما كان معمولا به عند «عرب الجاهلية». ومن لا طاقة أو لا وقت له للاطلاع على تلك الكتب فتكفيه العودة إلى الجزء الخامس من مؤلف المؤرخ العراقي الكبير، جواد علي، «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام»، وتحديدا إلى الباب المتعلق بالأحوال الشخصية.

أمّا من يريد تعميق البحث عن جذور حكم «وللذكر مثل حظ الأنثيين» فعليه أن يرجع إلى كتاب «المحبّر»، للعلاّمة بالأنساب والأخبار، محمد بن حبيب البغدادي (المتوفّى سنة 245 هـ/ 859م). ويحوي «المُحَبِّر» إلى جانب «المُنَمِّق»، لنفس المؤلف، ثروة من المعطيات التي لا يمكن الاستغناء عنها لمعرفة عدّة أوجه من حياة قريش التي ظلّت مغمورة لأسباب متعدّدة لاسيما السياسية منها. وقد تعرّض ابن حبيب لموضوع الميراث في قريش في موقعين من كتابه «المُحَبَّر». فالمرّة الأولى بالصفحة 236 حيث قال: «وكانوا لا يورّثون البنات ولا النساء ولا الصبيان شيئا من الميراث. ولا يورّثون إلاّ مَنْ حاز الغنيمة وقاتل على ظهور الخيل. فأوّل من ورّث البنات في الجاهلية فأعطى البنت سهما والابن سهمين هو ذو المجاسد اليشكري وهو عامر بن جشم بن حبيب.» (المحبّر، تحقيق د. إيليزه ليختن شتيتر. مطبعة جمعية دائرة المعارف العثمانية حيدر أباد الدكن الطبعة 1361 هـ ـ 1942م)

أمّا المرّة الثانية فبالصفحة 324 تحت عنوان: «من حكم في الجاهلية حكما فوافق حكم الإسلام ومن صنع صنيعا في الجاهلية فجعله الله سنة في الإسلام». قال ابن حبيب: “وكانت العرب مُصفقة (أي متفقة) على توريث البنين دون البنات، فورّث ذو المجاسد وهو عامر بن جشم بن غنم بن حُبيّب بن كعب بن يشكر ماله لوُلده في الجاهلية للذكر مثل حظّ الأنثيين ، فوافق حكم الإسلام». ومن هنا يتّضح أنّ حكم «وللذكر مثل حظّ الأنثيين» الوارد في القرآن سابق للإسلام وقد وضعه بشر فأخذه عنه الإسلام ولم يكن المسلمون يرون حرجا في ذكر ذلك وفي ذكر غيره من الأحكام والأعراف التي كانت سارية لدى القبائل العربية وأخذها الإسلام، وهي كثيرة، لأنّهم لم يكونوا منقادين بنفس الاعتبارات الأيديولوجية التي ينقاد بها «جهلوت» اليوم و»ظلموته».

إنّ ما دعانا إلى التذكير بتاريخية حكم «وللذكر مثل حظّ الأنثيين» إنّما هو إبراز الطابع النسبي لهذا الحكم فهو لم يكن مسقطا عن الواقع أو معزولا عنه، بل كان ابن ظرفيته بما تعنيه من بنى اجتماعية واقتصادية وثقافية قبلية. وقد كان هذا الحكم في وقته خطوة تقدمية سواء بالمقارنة مع ما كان سائدا عند القرشيين خاصة والعرب عامة من عدم توريث للبنات (وحتى للأطفال) لأنهنّ لا يقمن بدور محوري في توفير الغذاء للقبيلة (لا يركبن الخيل ولا يحزن الغنيمة) أو مقارنة بالديانتين السابقتين للإسلام أي اليهودية والمسيحية اللتين كانتا لا تورّثان البنات بالمرّة.

ومن هذا المنطلق فإنّ تأكيدنا أنّ حكم «وللذكر مثل حظّ الأنثيين» سابق للإسلام وأنّ مصدره الأوّل بشري لا يمثّل في شيء «اعتداء» على عقائد بنات شعبنا وأبنائه المسلمات والمسلمين. فهو، من جهة، نقل لحقيقة تاريخية أوردها المسلمون الأوائل أنفسهم. وهو، من جهة ثانية، تنسيب للإسلام الذي لم يكن معزولا عن الظرف التاريخي الذي جاء فيه بل كان ابنه في كلّ الأوجه وما كان ليكون غير ذلك وإلاّ لما أثّر ذلك التأثير المدوّي في نفوس العرب وغير العرب ولما أسّس لحضارة كانت هي الأعظم والأبرز في العهد الوسيط. وهو من جهة ثالثة لإثبات قابليّة هذا الحكم للتغيير، فما جاء في ظرف محدّد يزول بزوال الظرف الذي أتى به. وهو ما يفتح أمام المسلمين بابا للتطوّر والتقدّم وعدم البقاء أسيري ماضيهم.

وهو ما فهمه من قبل كلّ الذين اجتهدوا من أصحاب المذاهب للتكيّف مع تغيّر أسباب الحياة. كان أبو حنيفة، فقيه العراق (80 ـ 150 هـ/699 ـ 767م)، يردّ على من يسأله عن سبب عدم أخذه عن «التابعين»: «هم رجال ونحن رجال». وكان «المقاصديّون»، على غرار الشاطبي (ت 790 هـ/1388م)، نسّبوا الأحكام الظرفية وجعلوها خطوة نحو مقاصد كبرى كالعدل والحرية الخ… وقد نسج على منوالهم معاصرون، ولو بدرجات، من بينهم، في بلادنا، الطاهر الحداد والطاهر بن عاشور ومحمد الطالبي وغيرهم …إلخ وقد أسهم جميعهم في تنوير الفكر الإسلامي ناهيك أنّ الحداد دافع عن المساواة في الإرث في عام 1930.

• أوضاع اليوم ليست أوضاع الأمس 

إن أوضاع النساء اليوم هي غير أوضاع النساء قبل 16 قرنا. فالمرأة اليوم «تقود الطائرة» لا الخيل فقط، وهي تسهم إسهاما كبيرا في إنتاج الثروة، فلاحة وصناعة، وفي إنتاج المعرفة، بشتّى فروعها، وفي إدارة شؤون الدولة والمجتمع كما تسهم إسهاما يفوق إسهام الرجل أحيانا في الإنفاق على العائلة، فمن باب أولى وأحرى أن نتجاوز أحكاما وأعرافا لم يعد لها ما يبرّرها في الواقع. فكلّ شيء يدعو اليوم إلى تحقيق المساواة التامة في الحقوق بين النساء والرجال.

والسؤال هو: هل في إقرار المساواة انتهاك لإيمان المسلم وعقيدته وهويّته؟ كلاّ وألف كلاّ. بل العكس هو الصحيح. إنّ الجمود والتشبّث بالماضي يُدمّر حياة المسلم ويحكم عليه بالموت ويجعله فريسة للجهل ولقمة سائغة للقوى المهيمنة الأجنبية التي تتقدّم عليه في كافة المجالات.

إنّ التطوّر قانون مطلق. أمّا الثبات والاستقرار فهو قانون ظرفي وهذا ما يعارضه شيوخ الظلام بمختلف فروعهم لأنّ لا مصلحة لهم في التطوّر والتقدم، بل لا مصلحة لهم في تحرّر الناس وفي السيطرة على مصائرهم لأنّ ذلك يفقدهم، أي شيوخ الظلام، سيطرتهم على المجتمع.

إنّ الهوية تتطوّر باستمرار. وكلّ جيل من الأجيال يثريها بإبداعاته. فإذا كان المسلم تقدّم عن بني عصره بإسناد الثلث للبنت في الميراث في عالم كان فيه النساء لا يرثن بالمرّة، فما عساه أن يفعل في عالم أصبح معظمه يساوي بين النساء والرجال؟ هل يبقى متشبّثا بقاعدة زال الظرف الذي أوجدها؟ هل يبقى ملتفتا إلى الوراء أم يمضي إلى الأمام شاقّا طريق الحرية بلا خوف ولا وجل ولا تردّد؟ هل يجعل من إنسانيته محور نشاطه وهدف أعماله أم يظلّ يبرّر أحكاما أصبحت في نظر البشرية اليوم وحشيّة؟ ألم تكن العبودية النموذج الأخلاقي السائد في عهود سابقة والحرية فسادا وهرطقة؟ ألم تصبح العبودية اليوم وحشية والحرية قيمة إنسانية؟ لماذا لا يدافع إخوان الظلام إن كانوا متماسكين حقّا عن العبودية؟ لماذا لا يدافعون عن تعدّد الزوجات وعمّا ملكت اليمين؟ لماذا لا يدافعون عن تأديب النساء ضربا؟ هل لهم الجرأة اليوم للقول إنّ هذه الأحكام «ربانية» وإنّ من يتخلّى عنها «كافر»؟

إنّ هويّة أي شعب من الشعوب لا تتحدّد مرّة واحدة بما تفرضه عليه الظروف من أحكام بل تتحدّد بروحه التجديدية الدائمة واستيعابه الذي لا يتوقّف لأي خطوة تسير بالإنسان نحو تحرّره من الخوف والفاقة. لقد كان الإسلام، بمقاييس عصره، ثورة على القديم.

ولكن شيوخ الظلام يحنّطونه اليوم ويقتلون فيه تلك الديناميكية الثورية التي جعلته ينتصر على القديم في عصره. ومن باب أولى وأحرى أن ينتصر المسلم اليوم لنفسه ويثور على كلّ ما يعيق تقدّمه بمقاييس العصر لا بمقاييس الأمس الغابر ومقاييس العصر هي حرية وكرامة ومساواة وتقدّم اقتصادي وتقني وعلمي ومعرفي وعدالة اجتماعية ونبذ لاستغلال الإنسان للإنسان …إلخ

إنّ إخوان الظلام الذين يرفضون التقدّم ويعادون الفكر النقدي المدمّر للمسلّمات والأجوبة الجاهزة التي يتشبّثون بها، يدافعون عن مصلحة خاصة لا عن أمّة أو شعب أو هوية وهم يدركون أنّ وجودهم مشروط بتجهيل الكادحين والفقراء وتقييدهم والاستبداد بهم وهم إذ يعترضون على المساواة بين النساء والرجال في الحقوق ويجعلون من التمييز ومن دونية المرأة معتقدا دينيا، فذلك، أوّلا، لعقلية ذكورية تسكنهم، وثانيا لأنّهم كرجال يريدون ضمان استمرار هيمنتهم في العائلة والمجتمع والحفاظ على امتيازاتهم في الميراث. وأخيرا فللمسألة بعد رمزي، فهم يدركون أنّ أسس سلطتهم على المجتمع تنهار اليوم الواحد بعد الآخر. ومن ثمة فهم يتمسّكون بآخر مظهر من المظاهر الأساسية للتمييز بين الجنسين حفاظا على سلطة ذكورية تتهاوى. وفي كلمة إنّهم لا يريدون فردا، امرأة كانت أم رجلا، متحرّرا قادرا على التفكير والتمييز وتقرير المصير واتخاذ القرار بل عبدا بلا عقل يتحكّمون فيه ويوظّفونه لتحقيق مصالحهم.

• خطاب للخارج وخطاب للداخل

وحتّى يفهم القارئ الطابع الديماغوجي والكاذب لخطاب إخوان الظلام، فإنّنا نسوق إليه بعض الأمثلة. إنّ حركة النهضة التي عبّرت عن اعتراضها على المساواة في الإرث هي نفسها التي صادق نوّابها يوم 24 ماي الماضي على بروتوكول المساواة في الميراث في إطار المصادقة على «بروتوكول الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب بشأن حقوق المرأة». ومن البنود الهامة في هذا البروتوكول البند 21 الذي يحمل عنوان: «حقّ الأرض». وهو ينصّ على أن:

« 1 – يكون للأرملة الحقّ في حصة عادلة من إرث ممتلكات زوجها. ويكون للأرملة الحقّ في مواصلة الإقامة في بيت الزوجية غير أنّها إذا تزوّجت من جديد تحتفظ بهذا الحقّ لو كان البيت ملكا لها أو ورثته.

2 – يكون للنساء والرجال الحقّ في إرث ممتلكات أبويهم بحصص منصفة».

ماذا نستخلص من هذا؟ نستخلص أنّ حركة النهضة تحترف ازدواجية الخطاب فهي لا تنقاد بمبادئ وقيم وإنّما بمصالح فئوية ضيقة. فهي تصادق على بروتوكول الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان بشأن المساواة بين الرجال والنساء في الميراث لتظهر خارجيا بمظهر الحركة القابلة بمعايير حقوق الإنسان الدولية وهي تعارض داخليا إقرار تلك المساواة تماشيا مع مزاج القوى المحافظة في المجتمع التي تستمدّ منها قوّتها الانتخابية. فمن يصدّق التونسيّون: «نهضة» الداخل المحافظة؟ أم «نهضة» الخارج الحداثية؟

• لنواصل..

إنّ أتباع حركة النهضة وحلفاءهم لم يكتفوا بتكفير الخصوم ولكنّهم اتهموهم بكونهم يُلهون الناس بـ»قضايا فارغة» عوض أن يعتنوا بأوضاع «أخواتنا الكادحات في المدن والأرياف اللواتي يعانين الأمرّين من جرّاء ضعف الأجور وظروف العمل القاسية ومن العنف…». فَيَا للصفاقة !فمن يحكم البلاد غير النهضة وحلفائها منذ 2011؟ فماذا فعلوا «لأخواتنا» الكادحات غير تعميق شقائهن المادي والمعنوي؟ أيّ إجراء اتخذوه أو ساهموا في اتخاذه من أجل تحسين ظروف العاملات الفلاحيّات وعاملات النسيج والصناعات المعمليّة والموظّفات؟ وأيّ إجراء اتخذوه أو ساهموا في اتخاذه لفائدة النساء الحوامل حتى يعالجن مجّانا ويضعن في ظروف حسنة؟ وأيّ إجراءات اتخذوا أو ساهموا في اتخاذها لتحسين أوضاع الأمهات وتخفيف عبء تربية الأطفال عليهنّ بإقامة المحاضن ورياض الأطفال بأسعار رمزية على الأقلّ؟ وأيّ إجراءات عملية اتخذوا أو ساهموا في اتخاذها لخلق مناخ يحدّ من العنف المسلّط على النساء؟ وأيّ إجراء اتخذوا أو ساهموا في اتخاذه من أجل تحسين أوضاع العائلة التونسية وإنقاذها من التفكّك والضياع؟
إنّ الأرقام والمعطيات لجوجة وكلّها موجودة لتؤكّد أنّ أوضاع المرأة والعائلة في تونس قد ازدادت سوءا مع حكم حركة النهضة وحلفائها واختياراتهم الرأسمالية المتوحّشة …إلخ

الجبالي الذي لا يستحي

أمّا حمادي الجبالي فحدّث ولا حرج. إنّ هذا الرجل الذي، مع كلّ الأسف، لا يستحي، نشر يوم 18 أوت تدوينة أثّثها بعدد من الآيات القرآنيّة ليظهر بجبّة «الخليفة السادس» وليوهم الناس أنّ ما سيقوله هو «عين الحقّ» الصادر عن «رجل الحقّ» في خلط بائس بين الدين والسياسة. ثمّ أتى إلى الأساسي فتهجّم على النخب دون أي تمييز متّهما إيّاها بأنّها نخب «مؤدلجة مرتبطة بأجندات وإملاءات خارجية» وتريد «استنساخ شعب مدينة سدوم قوم سيدنا لوط عليه السلام». وبعد ذلك وبكلّ صفاقة يكتب: «أين نحن من أهداف الثورة في المساواة في تكافؤ الفرص بين الأفراد والجهات وفي محاربة الفساد؟ أين هم من معاناة نساء بلادي العاملات الكادحات في المنازل والمصانع والحقول بأجور دنيا لا تضمن لهنّ العيش الكريم؟ ألم يكن من الأولى والأجدى التركيز على إيجاد الحلول للاقتصاد التونسي المتداعي والدينار المنهار وغلاء المعيشة وضعف المقدرة الشرائية واستشراء الفساد في جميع دواليب الدولة وفشل حكومات النداء والتوافق المغشوش في محاربة لوبيات الفساد؟»

ما كلّ هذه «الحِنِّية» على نساء بلادنا؟ أهذا هو حمادي الجبالي الذي يعرفه التونسيّون؟ ألم يقض الرجل أكثر من عام في القصبة حاكما بأمره؟ فماذا فعل بنساء بلادنا؟ هل خفّف من معاناة العاملات الكادحات في المنازل والمصانع والحقول؟ هل حسّن أجورهنّ وظروف عملهن؟ أليس هو من واجه كادحات سليانة وبناتهنّ وأبنائهنّ بالرشّ وما يزال يدافع عن جريمته إلى اليوم؟ أليس هو من أرسل قوّات الأمن إلى أهالي منزل بوزيان ليتشفّى منهم لأنهم طالبوا بحقّهم في الأرض والشغل والكرامة؟ ما ذا فعل لضحايا العمل الهشّ؟ وهل خفّف من معاناتهنّ؟ ماذا فعل للنهوض بالاقتصاد التونسي وتحسين الوضع المالي للبلاد والتحكم في الأسعار والحدّ من الفوارق بين الجهات ومقاومة الفساد؟

لا شيء فعله حمّادي الجبالي في هذا المجال بل إنّه واصل تكريس نفس سياسات بن علي المعادية للشعب. ومن جهة أخرى ماذا فعل هذا الرجل لتونس التي يتّهم نخبها كلّها بالعمل لصالح أجندات أجنبية؟ فهل هو في الموقع الذي يسمح له بإعطاء الدروس في الوطنية؟ هل حقّق ولو ذرة سيادة لتونس على ثرواتها؟ هل نسي اندفاعه نحو «تتريك» البلاد بالمعنى الحقيقي والمجازي؟ هل نسي صفقة المساكن الاجتماعية التي أراد أن يعطيها للأتراك على حساب المقاولين التونسيّين؟ وهل نسي صفقة «التكتك»؟ وهل نسي علاقته بقطر ودوره في تخريب ليبيا وتسفير الشباب إلى سوريا؟ هل نسي علاقته بـ»جون مكّاين» الصهيوني الأمريكي؟ وقبل ذلك بسنوات هل نسي وقوفه في عام 1990 إلى جانب السعودية التي «استضافت» القوّات الأمريكية على أرض الحرمين الشريفين لتغزو العراق؟ وفوق كلّ ذلك ما علاقة الجبالي اليوم بكادحات تونس في المعامل والمصانع والحقول؟ أليس الأجدر به وبغيره من العديد من قيادات النهضة أن يتّجهوا في أقرب وقت إلى دائرة المحاسبات للتصريح بممتلكاتهم وتوضيح مصدرها ونشر ذلك للعموم؟

إنّ الجبالي شأنه شأن كلّ الذين خرجوا من كهوفهم في المدة الأخيرة، بعد نشر تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، لا يتاجرون بالدين فقط بل يتاجرون بمعاناة الكادحات والفقيرات لتجييشهن ضدّ مصالحهن وحريّتهنّ وكرامتهنّ وضدّ أصدقائهنّ الحقيقيّين من النساء والرجال الذين يدافعون عنهنّ. وهم إذ يتظاهرون بالدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية فليس إلّا للدمغجة بها ولإقامة حائط سميك بينها وبين الحقوق المدنية للنساء. لا توجد مفاضلة بين حقوق النساء، المدنيّة والسياسيّة منها والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة أيضا. فهي كلّ مترابط يكمّل بعضها بعضا. إنّ المرأة التي لا حقوق مدنية وسياسية لها لا يمكن أن تكون لها حقوق اقتصادية واجتماعية فعلية وتامة والعكس بالعكس. إنّ المرأة إمّا حرّة وإمّا لا. لا توجد نصف حرية في الحياة بل حرية كاملة أو لا تكون.

ولنكن واضحين هل أنّ المرأة الكادحة الريفية التي يتحدّث عنها حمادي الجبالي ليست في حاجة إلى المساواة في الميراث وهي التي تكدح في الأرض وتفلحها والأخ غائب أحيانا في المدينة أو في الخارج ثم يحضر عند اقتسام الورثة ليطالب بتطبيق الشرع؟ هل يعقل أنّ في 85 بالمائة من حالات اقتسام الميراث في الريف يقع خلالها حرمان النساء كليّا من حقوقهنّ أو يجبرن على منح التوكيل المطلق للإخوة؟ ثم هل أنّ الكادحة في المدينة التي تسهم في الإنفاق على العائلة وفي تكوين مخزونها العقاري ليست في حاجة إلى المساواة في الميراث عند اقتسام التركة وخاصة محلّ السكنى؟
لا شيء عند إخوان الظلام للارتقاء بتونس وشعبها لا اقتصادا ولا اجتماعا ولا سياسة ولا ثقافة ولا قيما ولا سلم مدنيةً ولا حبّا ولا أُخوّةً ولا فرحًا.
هذه هي الحقيقة. فإمّا أن نقتنع بها ونفتح بابا واسعا للحرية وإمّا أن نستعدّ لليل طويل. ونحن لا نعتقد أن أحرار تونس، نساءً ورجالا، مستعدّون لغير الحرّية.

للتأمل فقط:

هذا ما كتبه ابن رشد في القرن الثاني عشر (1126م ـ 1198م)، ضعوا إلى جانبه أي قول شيوخ الظلام واسألوا أنفسكم أيّهما ينتمي إلى الحاضر وأيهما ينتمي إلى الماضي السحيق:
«يجب أن لا ننخدع بأن المرأة تبدو في الظاهر صالحة للحمل والحضانة فقط فما ذلك إلا لأن العبودية التي أنشأنا عليها نساءنا أتلفت مواهبهنّ العظيمة وقضت على إمكانياتهن العقلية، فحياة النساء تنقضي كحياة النبات فهن عالة على أزواجهن ، وقد كان ذلك سببا في شقاء المدن وهلاكها. إنه يجب على النساء أن يقمن بخدمة المجتمع والدولة قيام الرجال وأن يُمكّنّ من المشاركة في إنتاج الثروة المادية والعقلية وفي حفظها».

مقال بقلم حمّه الهمامي
نشر بجريدة المغرب بتاريخ 25 اوت 2018

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى