الرئيسية / أقلام / محمّد مزام: “حول الخلاف الأخير: العدل أساس العمران”

محمّد مزام: “حول الخلاف الأخير: العدل أساس العمران”

ggggتعيش العائلة القضائية هذا الأسبوع على وقع الإضرابات، فبعد إضراب المحامين يوم الاثنين،يضرب القضاة والعدول المنفّذون كل من جهته يوم الخميس.وإن خيّم على هذه الإضرابات التصعيد الأخير بين “جناحي العدالة” ،المحامون والقضاة، وذلك على خلفية حادثة صفاقس، فليس خافيا أنهّا مرتبطة بشكل واضح أو خفيّ بالقانون الأساسي المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء الذي يستعد مجلس نواب الشعب للانطلاق في النظر فيه خاصة وأن أحكام الدستور تقضي بإرساء هذا المجلس في أجل أقصاه ستة أشهر من الانتخابات التشريعية.

ومن جهة أخرى،صادق مجلس الوزراء المنعقد يوم الأربعاء على مشروع القانون الأساسي المذكور استعدادا لإحالته على مجلس نواب الشعب، بعد أن كانت وزارة العدل قد قامت بمراجعة المشروع الذي أعدته سابقا مراجعة جوهرية أثارت احتجاج القضاة والعدول بل أكثر من هذا دفعت أعضاء من اللجنة الفنيّة التي أعدت المشروع في صيغته الأولى إلى “التبرّؤ منه”.

إن هذا التوتر الذي يشق مكونات “أسرة العدالة” حول هذا القانون وأحكامه ودرجة تمثيل هذا المكون أو ذاك في هياكل المجلس الأعلى للقضاء -والذي لا يخلو من نزعات فئوية ومهنية مرتبطة بدفاع كل منها على مصالحه الخاصة- لا يجب أن يحجب الأهمية القصوى الذي يكتسيها هذا القانون، لا بالنسبة لمكونات المنظومة القضائية فحسب، بل لكامل الشعب التونسي. فهذا القانون يأتي لتأطير أحد المبادئ الجوهرية لأي نظام ديمقراطي ومطلب أساسي من مطالب الثورة والتي كرسها الدستور أي استقلالية السلطة القضائية.

إن هذا القانون سيكون مناسبة لعدد من الامتحانات، فهو من جهة أولى سيضع مجلس نواب الشعب أمام امتحان احترام الدستور خاصة في غياب المحكمة الدستورية حيث أنه مطالب بإرساء المجلس الأعلى للقضاء قبل انقضاء مهلة الستة أشهر التي يفرضها الدستور الشيء الذي تدلّ كل المؤشرات أنه أمر يكاد يصبح في عداد المستحيل. وهو من جهة أخرى سيضع القوى السياسية الممثلة داخل البرلمان –وخاصة صاحبة الوزن العددي والممسكة بالسلطة السياسية- أمام امتحان الالتزام بذلك المبدأ الديمقراطي الجوهري المتمثل في استقلال السلطة القضائية في التوجهات التي ستدافع عنها بخصوص أحكام القانون خاصة وأن تجربة المجلس التأسيسي ومحاولات القوى المهيمنة داخله تدجين السلطة القضائية مازالت حاضرة في الذاكرة. وهو من جهة ثالثة سيضع القوى الديمقراطية داخل مجلس النواب وخارجه أمام امتحان قدرتها على الوقوف ضد أي مسعى محتمل لضرب استقلالية القضاء وإحباطه.وهو من جهة رابعة سيضع مكونات المنظومة القضائية من قضاة ومحامين وعدول وغيرهم أمام امتحان مدى قدرتها على تجاوز المنطق المصلحي المهني وإعلاء المصلحة العامة في قانون يكرّس بحق استقلالية القضاء ويطور مرفق العدالة.

إن مدى النجاح في هذه الامتحانات سيكون المحدد في مدى تماسك التجربة الديمقراطية الناشئة في بلادنا وتثبيت المكاسب السياسية التي حققتها والانتقال إلى خوض تحدي التنمية… فالعدل أساس العمران.

افتتاحية “صوت الشعب”- العدد 167

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى