الرئيسية / أقلام / مرتضى العبيدي: هل من منتصر في الانتخابات الإسبانية الأخيرة؟

مرتضى العبيدي: هل من منتصر في الانتخابات الإسبانية الأخيرة؟

انتخابات اسبانياتجري في إسبانيا الانتخابات الثانية عشرة منذ نهاية فترة “الفرانكية”، التي لم تعرف فيها طعم الانتخابات طيلة أربعين سنة. إذ ما أن فازت الجبهة الشعبية في انتخابات 1936 بأغلبية مقاعد “الكورتاس” (البرلمان) حتى انقلب عليها اليمين الرجعي واضعا مصير البلاد بين أيدي طغمة عسكرية فاشية بقيادة الجنرال فرانكو وقادة آخرين من الجيش، أدخلوا البلاد في حرب أهلية راح ضحيّتها ما يزيد عن نصف مليون شخص زيادة عن ملايين المهجّرين والمفقودين.

ولم يعد الشعب الإسباني إلى ممارسة حقّه الطبيعي في اختيار حكّامه إلاّ بداية من سنة 1977 فيما سمّي بالانتقال الديمقراطي. ومنذ تلك الدورة الأولى التي خصّصت لانتخاب مجلس تأسيسي يضع دستورا جديدا للبلاد، هيمن على المشهد السياسي حزبان كبيران: حزب يميني، هو “الحزب الشعبي”، وريث أحزاب يمينية تمكّنت من التوحّد تحت هذا المسمّى في أواخر الثمانينات، ويمثّل مصالح البورجوازية التي انتفعت من النظام الدكتاتوري لتحقيق أرباح طائلة بالاستغلال المفرط للطبقة العاملة في ظلّ غياب التمثيل النقابي وأيّ شكل من أشكال التنظيم المستقل، وحزب “يساري” هو “الحزب الاشتراكي الموحد الاسباني” الذي كسب شعبيته من وقوفه في وجه الديكتاتورية رغم القمع الذي سُلّط على قادته ومناضليه. فكانت النتيجة أن تداول هذان الحزبان على الحكم بصفة تكاد تكون مطلقة منذ أربعين سنة، حيث فاز الحزب اليميني في خمس دورات والحزب الاشتراكي في ستة قبل الانتخابات الحالية.

 من فاز بانتخابات 20 ديسمبر 2015؟

رغم تصدّر “حزب الشعب” اليميني للائحة الأحزاب الحاصلة على مقاعد في البرلمان، فإنّه لا يمكن الجزم بفوزه بها. إذ هو لم يحصل على الأغلبية المطلقة التي تخوّل له تشكيل الحكومة الجديدة بمفرده. فبحصوله على 123 مقعدا فقط من أصل 350 أي بخسارة 3,5 مليون صوت و63 مقعدا مقارنة بانتخابات 2011، يجد الحزب الشعبي نفسه في وضع لا يُحسد عليه. وكان المستفيد الأوّل من مثل هذا الوضع الصعب في المرّات السابقة الغريم التقليدي لهذا الحزب، “الحزب الاشتراكي الموحّد”. لكنّ النتائج تبيّن أنّه ليس أفضل حال من غريمه، إذ بحصوله على 90 مقعدا فقط، ورغم مركزه الثاني، فإنّ خسارته تساوي 1,4 مليون صوت و20 مقعدا مقارنة بآخر انتخابات عامّة. وسيكون هو الآخر عاجزا عن تشكيل حكومة جديدة في صورة استحالة ذلك على خصمه. إذن أين ذهبت أصوات الناخبين غير المُسندة للأحزاب التقليدية؟

حزبا “قادرون” و”مواطنون” يصنعان الحدث

هل كانت نتائج هذين الحزبين حديثي النشأة واللذين تتزعّمهما قيادات شابّة مفاجئة؟ كلاّ، إذ هما حقّقا نتائج جدّ إيجابية في أولى مشاركتهما في الانتخابات المحلية التي دارت في ماي الماضي. وأسندت إليهما معاهد سبر الآراء نتائج تفوق ما حصلا عليه اليوم. واللافت للانتباه أنّ الحزبين على طرفي نقيض. ففي حين يُعتبر “بوديموس” (وتعني: قادرون) حزبا يساريا راديكاليا، يقدّم بديلا اجتماعيا لوضع الأزمة التي تتخبط فيها البلاد منذ سنوات، فإنّ حزب “مواطنون” يُعتبر حزبا يمينيا محافظا ويقدّم بديلا مناقضا تماما، أي أنّه لا يرى خلاصا للبلاد إلاّ في الليبيرالية المطلقة. ويعتبر أنّ مأساة الحزب الشعبي الحاكم هو قبوله بأنصاف الحلول رغم كلّ الإجراءات اللاشعبية التي اتّخذها ووضعها حيّز التنفيذ. وهو حزب نشأ في بدايته كحزب جهوي في مقاطعة كاتالونيا فقط، ثم مع تطوّر طموحات زعيمه الشاب، “ألبار ريفيرا”، 36 سنة، أصبح يراهن على احتلال مركز الصدارة على الصعيد الوطني. فمن المرجّح جدّا أن تكون الأصوات التي حصل عليها هذا الحزب والتي بلغت 3,5 مليون صوت هي في معظمها تلك التي فقدها الحزب الشعبي (وعددها 3,5 مليون صوت كذلك) أي هي أصوات البورجوازية الكبيرة التي لم تعد ترى في الحزب الشعبي ممثّلا لها، خاصة أنّ هذا الأخير أقيم منذ نشأته على أنقاض أحزاب عديدة كانت تتبارى جميعا في تمثيل مصالح البورجوازية.

 من صوّت لبوديموس؟

Podemos party leader Iglesias speaks during a news conference in Madridأمّا حزب “بوديموس” فلا يصحّ عليه القول نفسه في علاقة بالحزب الاشتراكي. إذ أنّ هذا الأخير لم يفقد سوى 1,4 مليون صوت بينما حصل بوديموس على 5,18 مليون صوت مثلت نسبة 20,6٪ من الأصوات المصرّح بها. ولولا الحيف الذي يتّسم به القانون الانتخابي والذي يعطي نوعا من التنفيل للأحزاب الكبرى التي بمقدورها وحدها الترشح في كلّ الدوائر والمقاطعات لحصل هذا الحزب على أكبر عدد من المقاعد. فعلى سبيل المثال فإنّ عدد الأصوات التي حصل عليها الحزب الاشتراكي لم تتجاوز أصوات بوديموس إلاّ بـ340 ألف صوت، بينما بلغ الفارق في المقاعد بينهما 21 مقعدا، جرّاء تطبيق هذا القانون الانتخابي الجائر.

إذا فأصوات بوديموس جاءت ولا شك من قواعد الحزب الاشتراكي الغاضبين على سياسة قياداته التي لم يعد يفرّق بينها وبين سياسات أحزاب اليمين أيّ شيء، ولكن كذلك من قواعد الأحزاب والتنظيمات اليسارية الأخرى التي لم يعد لها ذكر في المحطّات الانتخابية على غرار الحزب الشيوعي الإسباني العريق والذي كان في طليعة القوى المناهضة للدكتاتورية وأكبر ضحاياها والذي لم يستفد فيما بعد من ذلك الرصيد النضالي. فبعد أن احتل المرتبة الثالثة في الدورات الثلاثة الأولى للانتخابات العامّة، بدأ يتهاوى حتى كاد يندثر ولم يعد يقدر على الترشح إلاّ في قائمات ما يسمّى باليسار الموحّد. لكن الخزّان الأساسي لحزب بوديموس جاء من الحركات الاحتجاجية العفوية منها والمنظمة التي اجتاحت إسبانيا منذ سن 2011 على خلفية الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها والتي عرف هذا الجيل من الشباب تبنّي مطالبها وصياغتها في شعارات بسيطة وقابلة لصنع الحلم.

ولعلّ اتّخاذ إحدى هذه الشعارات “نحن قادرون” اسما للحزب ذاته عند تكوينه في بداية 2014 يوضّح الصورة أكثر. وأهمّ تلك الحركات هي طبعا حركة “غاضبون” التي نشأت في ذات الآن في عديد بلدان العالم والتي عرفت تعبيرتها السياسية في إسبانيا.

الشّعب يهزم سياسات التّقشّف الرّجعيّة

لم يكن من السهل الجزم بمن فاز في الانتخابات، إذ ينتظر الجميع صعوبات جمّة في تشكيل الحكومة الجديدة التي لا يمكن أن تكون إلاّ ائتلافية، فإنه يمكننا القول إنّ الشعب الإسباني الذي شارك بأعداد غفيرة في الانتخابات الأخيرة، إذ تجاوزت نسبة المشاركة 73٪ من نسبة المسجلين، على عكس ما يجري في بقية البلدان الأوروبية، هذا الشعب صوّت ضدّ السياسات المتّبعة والتي يشترك في وضعها الحزبان التقليديان اللذان تقاسما السلطة طيلة الأربعين سنة الأخيرة. فسياسة التقشف التي تفرضها المؤسسات المالية الدولية والاتحاد الأوروبي، تضرّرت منها بالخصوص دول جنوب أوروبا ومن بينها إسبانيا ودفع ثمنها الشعب الإسباني الذي عبّر عن ذلك بطرق مختلفة وفي مناسبات عديدة، لن تكون هذه هي الأخيرة باعتبارها وإن أدخلت تغييرا مهما على الخارطة السياسية في البلاد فإنّها لم تفرز تحوّلا جذريا لصالح الطبقات الشعبية، بل لعل الاستقطاب الثنائي ذاته الذي بشّر عديد الملاحظين بنهايته هو في طريقه إلى اتخاذ شكل جديد يقابل بين شقين: الحزب الشعبي ومواطنون من جهة والحزب الاشتراكي وبوديموس من الجهة الأخرى. 

(صوت الشعب: العدد 190)

أعدّه مرتضى العبيدي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى