الرئيسية / صوت الثقافة / مسرحية “جويف” لحمادي الوهايبي: جرأة المشي في المساحات اللّزجة

مسرحية “جويف” لحمادي الوهايبي: جرأة المشي في المساحات اللّزجة

سمير طعم الله

ملامسة المواضيع الحارقة بالفن والنبش في المسكوت عنه والغوص في مناطق حذرة هي عبارة عن مطبّات، ليس بأمر هيّن على الإطلاق في عمل فكري رصين يكتسيه التفكّر وإعمال العقل، فما بالك حين يتجرّأ عمل مسرحي على ملامسة تلك المناطق الرجراجة واللزجة ويعمل على تفكيكها، إنها مغامرة حقيقية وخطيرة قد تذهب بصاحب العمل وبالفريق العامل معه إلى نهايات غير مضمونة وربما غير محمودة.

في الموضوع:

في تلك اللحظة التي اشتعلت فيها الدنيا وتدفّقت دماء الشهداء، وفاض الشارع التونسي حقدا ونقمة وثورة ورفضا للاستبداد ورفع صوته المزلزل عاليا حتى رجّ أعمدة بناء الدولة البوليسية بتلك الكلمات التي أصبحت أغنية الشعوب التائقة للحرية “الشعب يريد إسقاط النظام – الشعب يريد إسقاط النظام”، كان اليهود التونسيون محاصرين في حاراتهم سواء في جربة أو في مناطق أخرى من الوطن. وكان السؤال بالنسبة إليهم سؤال يعني الوجود والحياة أو الفناء والاندثار. أمّا فوضى المحتجّين الذين انفلت عقال كبتهم السياسي ليعبّر عنه بالتدمير أحيانا، وبالانزلاقات المتطرفة والعدوانية أحيانا أخرى.

تلك هي اللحظة الحرجة في حياة اليهود التونسيين التي التقطها حمادي الوهايبي في مسرحيته التي عنونها بـ”جويف”. ليجعل منها عملا مسرحيا يأخذ على عاتقة طرح مسألة اليهود في تونس، ومساءلة المجتمع ووضعه أمام مرآة الوطنية والهوية والانتماء ومقولات التعايش والتسامح وكل تلك القيم والمبادئ التي يتباهى بها. ما الذي يجعلنا ننتمي إلى هذا الوطن؟ وما الذي يجعل منّا مواطنين تونسيين؟ هل هو الدّين أم هي الجغرافيا والدم والتاريخ واللغة؟

في الخرافة:

ميمون العميل في جهاز المخابرات الصهيونية يتسلل إلى تونس تحت يافطتة باحث في علم التاريخ والأركيولوجيا ليقوم بتهريب كتاب توراة كتب على جلد ثور عثر عليه في تونس يعود تاريخه إلى أكثر من 500 سنة، وهو كذلك في مهمة لإقناع اليهود التونسيين بالهجرة إلى “إسرائيل” مستعملا كل الأساليب من ترغيب وترهيب وتخويف من خطورة الوضع في تونس أثناء الثورة. لكنه يصطدم بواقع آخر لم يكن يخطر له ببال، فلئن طاوعه البعض ممّن كان مجنّدا من قبل في مهمة مثله فإنّ روح المقاومة والتشبث بتراب الوطن والتمسك بتاريخه والذود عنه وفشل مسعاه في التهريب وفي التهجير.

في المقاصد:

إنّ أمراض العقول المتحجّرة التي خرجت من جحور الظلام بعد الثورة عبثت بكل القيم والمفاهيم التي تربّى عليها الوعي التونسي، وعاش بها النمط الحضاري المدني المنفتح والمتحرر والمحكوم بقاعدة المواطنة ولا شيء غير المواطنة. في مواجهة هذا المد التكفيري، الذي كفر بكلّ المنجز الإنساني والحضاري في تونس تتنزّل مسرحية “جويف” بكل قلقها وخوفها وجرأتها. وهي مسرحية تتنزل حسب تتبّع المنجز المسرحي لحمادي الوهايبي في إطار مشروع ملامسة المسكوت عنه. فبعد مسرحية “الصابرات” كانت “جويف” مواصلة لتلك الرغبة في المساءلة دون تراجع، رغم ما لحقه من تهديدات جرّاء عمل الصابرات. وجويف في طور التشكّل وقع شن حملة تحريضية على مركز الفنون الدرامية والركحية بالقيروان في خطبة جمعة بالمسجد المجاور، لكن لعبة الفن محكومة بالتحدي ومجبولة بالمقاومة وكما قول المثل الشعبي “اللي يخاف يبطّل”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى