الرئيسية / أقلام / مغالطات إعلامية لعزل الجبهة الشعبية

مغالطات إعلامية لعزل الجبهة الشعبية

%d8%b4%d8%b4تتوالى التحركات الاجتماعية والسياسية وتتواصل معها حملات التشويه والمغالطة من طرف الحكومات المتعاقبة منذ 14 جانفي مستهدفة طبعا الجبهة الشعبية. هل أنها أفلحت في التأثير في الرأي العام وإقناعه بصدق ادّعاءاتها؟ أم أن كل محاولاتها باتت مفضوحة ومكشوفة للجميع؟

الحديث عن عودة الإرهابيين، كابوس جديد للائتلاف الحاكم

لقد دأبت حكومات الالتفاف على الثورة على محاولة عزل القوى الثورية بعضها عن بعض ممنّية النفس بالاستفادة من هذا الانقسام. فمنذ البداية زعمت أن الثورة اندلعت تلقائيّا وبمساهمة “المجتمع المدني” دون مشاركة الأحزاب السياسية فيها، وتقصد منها اليسارية طبعا. كما أنها لجأت لخلق سجال ثانوي حول “الصراع بين الأجيال” وذلك بالادّعاء أنّ الشباب وحده الذي صنع ملحمة 17 ديسمبر-14 جانفي.

وها هي تعود بنا إلى نفس الأساليب لتشويه المسيرة المندّدة بعودة الإرهابيين التونسيين من بؤر التوتر مدّعية أنه لم يشارك فيها غير مواطنين وبعض مكونات المجتمع المدني ومعتمدة في ترويج هذه الأكاذيب على أجهزتها الإعلامية الممتهنة لذلك، والحال أن الأحزاب السياسية الديمقراطية والتقدمية وعلى رأسها الجبهة الشعبية شاركت أيضا في هذه المسيرة كما تدل على ذلك عديد الصور المتناقلة عبر مواقع التواصل الاجتماعي أين يظهر من بين المشاركين ناطقها الرسمي وبعض قياديّيها ونوابها والعديد من مناضليها الذين حضروا بكثافة.

إن هذا الحدث يبرز بوضوح حالة الارتباك والتخبّط التي عليها الائتلاف اليميني الحاكم بسبب الاحتقان الشديد في الأوساط الشعبية نتيجة عجزه عن امتلاك الإرادة السياسية التي تصل حدّ التشكيك في إمكانية تواطئه مع الإرهابيين، والذي كلّفه خسارة سياسية فادحة.

فبالنسبة لحركة النهضة فإنها تعيش عزلة سياسية حادة شبيهة بتلك التي كانت قد عرفتها سنة 2013 عندما أُجبِرت على الرحيل إثر الاغتيال الثاني لأحد قادة ومؤسّسي الجبهة الشعبية الشهيد محمد البراهمي في “اعتصام الرحيل” وذلك في إطار “جبهة الإنقاذ” التي كانت الجبهة الشعبية قد نادت بتأسيسها منذ اغتيال الشهيد شكري بالعيد.

كابوس الرحيل يطل مجددا على الإخوان ويطارد مشاريعهم الرجعية وينغّص عليهم متعتهم، وهو ما يفسّر توترهم وتشنّجهم الكبير الذي نلحظه في الآونة الأخيرة مع تصاعد موجة الاحتجاجات الشعبية ضد حركة النهضة ومطالبة التونسيّين بتحميل منظومة “الترويكا” المسؤولية كاملة في تشنيج وتسميم الأجواء بالتشجيع على العنف وزرع الإرهاب بالبلاد وتكوين شبكات استقطاب وتسفير الشباب إلى بؤر التوتر خصوصا منها سوريا. وقد كان هذا “الاتّهام” واضحا من خلال الشعارات التي رفعت خلال مسيرة الأحد الفارط، ممّا يعيد شبح الانقسام مجدّدا في صلب المجتمع التونسي كما كان عليه الحال سنة 2013.

مواقف الجبهة في انسجام مع هواجس الشارع التونسي

إن التونسيين أصبحوا مقتنعين تمام الاقتناع أن القضاء على الدّاء يستوجب بالضرورة القضاء على أسبابه وإلّا فإنه يستفحل وتصبح معالجته صعبة جدا إن لم نقل مستحيلة. لذلك نراهم متمسّكين أكثر من أي وقت مضى بضرورة إماطة اللثام عن كل ما رافق تلك الفترة من غموض وتعتيم فيما يتعلق بالاغتيالات السياسية التي طالت بالأساس شهداء بالساسبشهداء الجبهة الشعبية، وكذلك بشبكات التسفير التي نمت وتكاثرت مباشرة بعد ما يسمى بـ “مؤتمر أصدقاء سوريا” الذي كان بمثابة التنفيذ الفعلي لأجندة الإمبريالية والصهيونية عبر عرابيها بالمنطقة.

لقد أصبحت هنالك قناعة راسخة لدى عموم التونسيين أنه غير ممكن محاربة الإرهاب محاربة فعلية طالما لم تحدّد المسؤوليات ولم تكشف الحقيقة كاملة حول جميع هذه الملفات الحارقة والمصيرية وبالتالي فإنه غير منطقي التصدّي لهذه الآفة بوضع اليد في اليد مع من هو مورّط أخلاقيا وسياسيا وحتى جنائيا في ظهورها واستفحالها. وهو ما أكدته الجبهة الشعبية في بيانها الذي قدمته للرأي العام الوطني في إطار ندوتها الصحفية الأخيرة أين نادت مجدّدا بضرورة عقد المؤتمر الوطني لمقاومة الإرهاب حتى تتكشف كل الحقائق حول الأطراف السياسية المورّطة فيه، والتي تسعى جاهدة لعرقلة انعقاده حتى تتستّر عن جرائمها.

لا يمكن لأحد أن ينكر، إلاّ جاحد أو حاقد، أن هنالك تقاطعات ونقاط التقاء واضحة وجلية بين ما تطالب به الجبهة الشعبية وما تنادي به الجماهير الشعبية، الشيء الذي يفسّر تواجدهما جنبا إلى جنب في تظاهرة الأحد الفارط للتنديد بمساندي ومبيّضي الإرهاب والمطالبة بكشف الحقيقة.

إن هذا الالتقاء الجديد والمتجدّد يحرج التحالف اليميني الحاكم أيّما إحراج لأنه يقدّم شهادة جديدة في صحّة مواقف وأطروحات وتحاليل وقراءات الجبهة الشعبية التي لم تشوّش بوصلتها منذ تأسيسها على الأقل فيما يتعلق بالقضايا الكبرى كما بين ذلك ناطقها الرسمي حمه الهمامي، لأنها كانت ولا زالت وسوف تظل ملتصقة بالجماهير ومتبنّية لهمومها ومدافعة شرسة عن مصالحها وهو ما يفنّد جملة وتفصيلا ادّعاءات السلطة اليمينية الليبيرالية بشقّيها الإخواني والبرجوازي والتي تشغّل ترسانتها الإعلامية وتجنّد زبانيتها ومرتزقتها كلّما برزت أكثر ملامح هذا الانصهار والتماهي بين هذين الطرفين لأنها تعي تمام الوعي أن في ذلك تهديدا لكيانها ولمستقبلها السياسي.

الائتلاف اليميني الحاكم يعيش التشظّي والارتباك

هذا التهديد أصبح أكثر جدّيا وأكثر وضوحا مع زعزعة أركان الطرف “الحداثي” الذي لم يعد قادرا على لعب دور مطفئ الحرائق والمتستّر عن الجريمة بما أن قواعده وعدد مهمّ من كوادره ونوابه انتفضوا ضده مندّدين بحليفه الإسلامي الذي يدافع عن عودة الإرهابيين على غرار النائبة الندائية فاطمة المسدّي التي أكدت في نهاية الأسبوع الفارط في ندوة نظّمها “مركز دراسات الإسلام والديمقراطية” الذي تروج حوله ارتباطات بالدوائر الإمبريالية والصهيونية، تحت عنوان “عودة الإرهابيين من بؤر التوتر وكيفية التصدي لهم”، اكّدت على رفضها القطعي لعودة هؤلاء وسحب الجنسية منهم باعتبار أنهم “اختاروا “دولة الدواعش” وبالتالي فإنهم قد تنازلوا طواعية عن الجنسية التونسية واختاروا هوية هذه الأخيرة التي عليها توفير الحماية لهم”، وذلك في إطار ردها على المغالطات والسفسطة القانونية التي قدّمها الإسلاميون المشاركون في الندوة على غرار سمير ديلو والذين تعمدوا من خلالها تغييب العنصر السياسي الركيزة الأساسية للموضوع.

موقف النائبة هذا استفز هؤلاء خصوصا منهم محامي السلفيين والإرهابيين، سيف الدين مخلوف، الذي عمد إلى التّجريح باستعماله ألفاظا نابية ضدّها ممّا اضطرّها إلى مقاطعة الندوة ومغادرة القاعة صحبة زميلها النائب بنفس الحزب، لطفي النابلي، الذي لم يشفع له موقفه الداعم لعودة الإرهابيين حيث وجد نفسه في مواجهة أصحاب المشروع تماما مثل زميلته.

إن هذه الحادثة تعد مثالا حيا وملموسا على تشظي حركة نداء تونس والتباعد بين قياديّيه وكوادره إضافة إلى نفور قواعده التي وجدت نفسها ميدانيّا إلى جانب مناضلي مواقف الجبهة الشعبية على الأقل فيما يتعلق بملف الارهاب.

إن الائتلاف اليميني الحاكم يعيش أحلك فترات حكمه حيث أن هذا الملف ينضاف إلى الملفات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الخانقة ليشدد عليه الخناق أكثر فأكثر ويفضح بالتالي أكاذيبه وألاعيبه التي يروّج من خلالها أن التحركات الأخيرة شارك فيها المجتمع المدني فقط سعيا منه لتغييب وعزل الجبهة الشعبية وبالتالي إفراغ هذه التظاهرات من مضامينها ودلالاتها السّياسية والتي تحمل بصمتها. فأين المفر؟

فوزي القصيبي

“صوت الشعب”: العدد 228

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى