الرئيسية / أقلام / ملاحظات حول الأوضاع الحاليّة للجبهة (مناقشة هادئة لموضوع ساخن)   

ملاحظات حول الأوضاع الحاليّة للجبهة (مناقشة هادئة لموضوع ساخن)   

 

انشغل الرأي العام الجبهاوي في المدة المنقضية بما أصطلح على تسميته بـ”الأزمة” التي تشقّ الجبهة الشعبية، ولئن وُفّق العديد من مناضلي الجبهة ومسؤوليها في صياغة خطاب سياسي محترم بقطع النظر عن حججه، فقد انحدر البعض الآخر إلى خطاب السّب والشتم والمسّ من الكرامة، فضلا عن غياب المجهود الفكري والسياسي للدفاع عن هذه الفكرة أو دحض مقابلها. إننا ننخرط في هذا الجدل دفاعا عن أفكار وبرامج وخيارات، ستقنع البعض ولن تقنع آخرين، دون أن نسمح لأنفسنا بالتجريح أو الثلب أو المسّ من الأشخاص، وهو ما ندعو إليه كلّ رفاقنا من كلّ حساسيات الجبهة ومكوناتها. إنّ الخلاف في الجبهة اليوم هو خلاف سياسي حسب كلّ أطراف الخلاف، والخلاف السياسي يقع التعاطي معه فقط بأسلحة فكرية وسياسية، وهذه الأسلحة يجب أن تتمحور حول الحجج والبراهين وحول الأداء والمقاربات والمواقف من هذه القضية أو تلك، وحول الاستعدادات للمهمّات القادمة وما تفترضه من اتّفاقات تحدّد اتّجاه السير ومكوّناته. وبالمناسبة نودّ أن نركّز على بعض المسائل المبدئيّة التي بضبطها يسهل التعاطي مع تبعاتها.

 حول أمثلة (idéalisation) الجبهة عند بعض مناضليها

لا شك في أنّ ميلاد الجبهة الشعبية خلق لدى العديد من مناضليها وأنصارها أملا في إمكان تجاوز تشتّت القوى التقدمية واليسارية التي تجرّ وراءها تاريخا طويلا من الصراع، فقد قضّت أجيال متلاحقة عمرها في مصارعة الآخر/الرفيق. ولا شك أنّ أغلبية المناضلين قرفوا من هذا الوضع، كما أنّ العديد منهم انتهى إلى قناعة مفادها أنّ هذا الصراع لم يفد إلاّ العدو، وأنّ أحد شروط الانتصار هي الوحدة. لقد تعززت هذه القناعة لدينا جميعا “حين أكلنا يوم أكل الثور الأبيض”، فبن علي ظل يعربد ويتحكّم ويتسلّط لا لقوة فيه، بل لضعف خصومه وتشتّت قواهم، ومنهم بل في مقدمتهم قوى اليسار. وحين قامت الثورة، ازدادت القناعة عمقا بكون “الوحدة ضرورية الآن وهنا”، وحدة اليسار والتقدميين ضد اليمين والرجعيين، فتأسست “جبهة 14جانفي” مباشرة بعد سقوط نظام بن علي، لكنها انقسمت في أول اختبار سياسي (الموقف من هيئة بن عاشور)، ثم انبعثت “الجبهة الشعبية 14 جانفي” بعدد من قوى اليسار، لكن خيبة الانتخابات التأسيسية أعادت النقاش من جديد حول توحيد الجهود فانبثقت “الجبهة الشعبية لتحقيق أهداف الثورة” في أكتوبر 2012 في اجتماع عام مهيب بالعاصمة حضرته أجيال وأطياف تعزّز في صفوفها الأمل في بعديه، السياسي وأيضا العاطفي/الوجداني. هذا الأخير ظل مهيمنا على طيف واسع من منتسبي الجبهة وأنصارها، وقد تغذّى هذا الوازع بدخول الجبهة للبرمان بـ15 نائبا ما كان لهم ولوج هذه المؤسسة لولا الوحدة التي صنعتها الجبهة. لقد تسللت بين ظهرانينا جميعا فكرة غير علمية وغير سليمة، هي أمثلة الجبهة، أي النظر إليها نظرة مثالية غير مادية وغير واقعية، وهي نظرة تصل حد “التقديس” والذي يعبّر عنه البعض بكون الجبهة يجب أن تكون مهما كان الثمن، بل إنّ الجبهة هي الأصل…، وقد آن أوان “غلق الدكاكين الحزبية” وهو ما عبّر عنه طويلا العديد من الرفاق خاصة غير المنتظمين، والذين شرع بعضهم حتى في الدعوة والإعداد لـ”مؤتمر وطني” لإعلان بعث “حزب الجبهة الشعبية”. إننا إذ نقدّر الخلفيات النزيهة والمشروعة التي حرّكت العديد من المناضلين، فإننا اعتبرنا ولا زلنا (وها هي الأيام تؤكد موقفنا) بكون هذه الدعاوي هي دعاوي “طفيلية” وعفوية تنظر نظرة مجردة لأشكال التنظم التي يفرضها تطور الأوضاع في هذه المرحلة أو تلك من تاريخ بلادنا، ويعزل شكل التنظم عن المهمات المطروحة هنا وهناك. إنّ الجبهة وهذا ما ثبت بالتجربة الحسية الملموسة في تجربتنا، هي كيان سياسي/تنظيمي غير متعال عن الأوضاع المادية، بل مرتبط بها ارتباطا عضويا ووثيقا، والجبهة تتحرك صعودا وهبوطا، تقدّما وتأخّرا في علاقة بمعطيين أساسيين: الأوضاع الموضوعية، ووعي مكوناتها ورؤيتهم لهذه الأوضاع واستعداداتهم للعمل المشترك من عدمه. وهو الأمر الحاصل اليوم في الجبهة الشعبية، والتي بعيدا عن أيّ تعاطي عاطفي ومثالي معها، لا تبدو لنا إلاّ كيانا سياسيا يخضع كليا للقوانين التي تحكم تطوّر الظواهر الاجتماعية والسياسية والفكرية.

الجبهة كيان سياسي ينمو ويذبل

الجبهة ليس فكرة مثالية ومتعالية، الجبهة واقعة ووقائع، وبما أنها كذلك فهي تتحرك مثل كل الظواهر التي يخلقها البشر. والجبهة هي تعبير سياسي وتنظيمي أملته ظروف معيّنة ومحددة في التاريخ، والجبهة يمكن أن تتوفّق في إنجاز مهماتها كما يمكن أن تفشل أو تتعطّل. إنّ الاطّلاع على التجربة التاريخية تؤكد أنّ الجبهات هي كيانات سياسية مثلها مثل الأحزاب، بل إنّ العمل صلبها أصعب وأعسر لأنها غالبا ما تحتوي مكونات تربطها علاقات اختلاف، واتفاقها مهما كان حجمه لا يلغي تلك الاختلافات مهما كانت جزئيتها، وإدارة الخلاف والتعاطي معه ليس مهمة سهلة خاصة في الأوضاع المعقدة والدقيقة والصعبة، مع الإشارة هنا أنّ الجبهات غالبا ما تتكون تحت وطأة مثل هكذا أوضاع. والجبهات لا تنجح بالنوايا الحسنة (على أهميتها)، بل تنجح (مثل أيّ كيان سياسي) بقدر اتفاق مكوناتها أو اختلافها سياسيا وعمليا. ونحن نتحدث هنا عن النجاح في استمرار الوجود، لأنّ القدرة على التأثير وإنجاز المهمات وتحقيقها والانتصار يبقى رهين جملة شروط متكاتفة ومتداخلة. علما وأنّ استمرار الكيان الجبهوي ليس مهمّا في ذاته، بل مهمّا في تجلياته وقدراته وفاعليته وارتباطه بالمهمات التي وُجد من أجلها. إنّ الاطّلاع على عديد التجارب المعاصرة في فلسطين وجنوب إفريقيا والفيتنام والجزائر وأمريكا اللاتينية…، تبيّن بكل وضوح أنّ الجبهات غالبا ما تدخل في اختبارات جدية لاستمرارها أصلا أو لفاعليتها وجدواها، في المنعرجات والمنعطفات الصعبة، وهو الحال الذي نعيشه صلب الجبهة الشعبية، وهو ذات الحال (مع حفظ الفوارق طبعا) الذي يعيشه رفاقنا وأصدقاؤنا في السودان الثائرة صلب “قوى الحرية والتغيير”، وتعيشه القوى التقدمية واليسارية المصرية واللبنانية والجزائرية والمغربية… عن كيفية مواجهة الأوضاع والتحديات التي يمليها الواقع، بل وتعيشه منذ عقود قوى اليسار الفلسطيني رغم كل عوامل الضغط الموضوعي من الاحتلال إلى ضغط اليمين الليبرالي (فتح) والديني (حماس والجهاد). صحيح أنّ تجربة الجبهة الشعبية هي تجربة متميزة، وكل رفاقنا في البلدان المذكورة وفي غيرها في العالم، يعتبرون تجربتنا تجربة رائدة ومتميزة، إلاّ أنّ ذلك لا يجب أن يكون تعلّة للتعسف على المعطيات الموضوعية، فالجبهة (مثل أيّ كيان) تعيش خلافا عميقا يجب حلّه، بل أصبح من العبثي مواصلة مواراته والتكتم عليه.

الجبهة الشّعبيّة تعيش صراعا سياسيّا عميقا يجب أن يُحسم

يعرف الجبهويون المرتبطون بهياكل الجبهة أو بمكوناتها الحزبية أنّ خلافا عميقا يشقّ الجبهة ليس حول نموذج التنظيم وآليات التسيير وحول أشكال وطرق المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، بل أيضا وأساسا حول الخط السياسي للجبهة، الخط السياسي في أبعاده الاستراتيجية التي تهمّ مجمل المرحلة، أو التكتيكية التي تهمّ الملفات المباشرة مثل التحالفات والتقاطعات والمشاركة من عدمها في الحكومة…

إنّ هكذا خلاف لا يتعلق بمسائل عرضية أو جزئية، بل يتعلق بمسائل جوهرية وأساسية. وهنا وجب الإشارة إلى أنّ هياكل الجبهة القيادية قد انشغلت بنقاش عديد المسائل التي لم يكن الخلاف حولها دائما بين حزب العمال وحزب الوطد الموحد، بل كان الخلاف والتقابل بين رؤيتين، رؤية ثورية ملتزمة بأرضية الجبهة وخطّها، ورؤية إصلاحية ذات منحى يميني تنزع غالبا إلى الاصطفاف وراء الشق الليبرالي في اليمين الحاكم، وهذه الرؤية لها مسوّغاتها ومبرّراتها وحججها، وهي رؤية كانت مرتبطة بأشخاص مثل منجي الرحوي الذي يتبنّى “بتماسك” هذه الرؤية. لكن مؤخرا أصبحت هذه الرؤية مهيمنة على مواقف الهيئات القيادية لحزب الوطد الموحد، وأيضا عند لفيف هنا وهناك في مكونات للجبهة .إنّ هذا الخلاف لا يمكن أن يظلّ معلّقا، والالتجاء لـ”التوافق” بمعنى تلفيق المواقف أصبح ذي جدوى، ولعل الجمهور الجبهاوي يتذكر جيدا ذلك الموقف/اللاموقف بمناسبة الدور الثاني لرئاسية 2014 والمعروف بموقف “قطع الطريق” (عدم التصويت للمرزوقي، وحرية التصويت للباجي).

 إنّ التعايش بين موقفين مختلفين جذريا أصبح مستحيلا، ولا خيار إلاّ حسم هذا الخلاف. الحسم بالآليات الديمقراطية التي يقتضيها الكيان الجبهوي، أو بفكّ الارتباط بتثبيت حالة الخلاف واستحالة التعايش، وهذا ممكن بل وضروري في مثل حالتنا، ومن المهم أن يكون في إطار الاحترام (أي دون تشهير). ولقد كان نقاش الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية القادمة المناسبة التي “انفجر” فيها هذا الصراع، وهذا أمر ذو دلالة لا بمنطق الصراع بين الزعماء على المقاعد، كما يصوّره خصوم الجبهة وأعدائها، بل لأنّ الاستحقاق الانتخابي يكشف عن حقيقة النوايا واتجاهات التفكير والعمل. إنّ الخلاف حول الرئاسية ليس بين شخصين لهما مطلق الحق في التقدم لحوز ثقة الجبهة في الترشيح، بل هو خلاف بين مشروعين ورؤيتين، مشروع الجبهة بأغلبية مكوناتها، ومشروع منجي (الذي جنّد للأسف الهيئات القيادية لحزبه وراءه) والذي يحمل رؤية سياسية مخالفة هي الرؤية التي ظلّ وفيّا لها منذ صعوده للتأسيسي وانتمائه إلى الكتلة الديمقراطية فيه إلى اليوم، والتي ظل رفاقنا في حزب الوطد الموحد رافضين لها إلى وقت قريب، بل وأصدروا بيانات ضدها، علما وأنّ منجي الرحوي هو عضو المكتب السياسي للحزب.

وبمناسبة الجدل حول الانتخابات راج لغط كثير حول المسألة الديمقراطية في الجبهة وصل حدّ التشكيك في كون آليات التسيير هي منافية للديمقراطية.

المسالة الدّيمقراطيّة في الجبهة

من بين أكثر المسائل التي أسالت حبرا كثيرا هي حول آليات التسيير واتخاذ القرار صلب الجبهة، وهنا يجب التذكير أنّ الجبهة قد احتكمت منذ تأسيسها إلى آليتين هما الاتفاق أو التصويت، وهذا في اعتقادنا أمر معقول وذو جدوى وأثبت نجاعته في عديد المحطات وفي إدارة عديد الملفات. الإشكال هو في مدى التقيّد بالموقف الذي صار حوله الاتفاق أو التصويت وهو ما أثار في عديد الحالات جدلا حول مدى جدية بعض الأطراف في علاقتها بالجبهة وفي تقيّدها بنواميس التعاطي الديمقراطي، كما أنه من الإشكالات الجدية هي تحويل الاتفاق إلى توافق بمعنى توفيق بين آراء ومواقف متباعدة بداعي “الحفاظ على الوحدة حتى إن كانت هشة”. إنّ هذا الحل أفضى في بعض الحالات إلى صياغة مواقف ملفّقة دفاعا عن هذه “الوحدة”، وهي مواقف خلقت – في تقديرنا – صعوبات أكثر ما حلّت من مشاكل. إنّ هذا المنطق غير ديمقراطي وهو منطق يرفض الاحتكام إلى آلية التصويت التي تُفضي آليا إلى أغلبية وأقلية. والسلوك الديمقراطي المتماسك هو القبول بنتائج التصويت مهما كانت. وإذا قدّر طرف ما أنّ نتائج هذا التصويت منافية لمبادئه وخطّه ورؤيته، فقد يكون من الأجدى والأسلم (إذا تكررت هذه الحالات) أن ينسحب من الكيان الجبهوي لا أن يخلق صلبه ازدواجية في الموقف أو في السلوك. وكثيرا ما وجدت سلوكات منافية للمنطق الجبهوي، فالبعض يلتزم في تكريس الموقف حين يوافق عليه، ويعطّله أو لا يتقيّد به، أو يمارس ضدّه إن لم يوافق عليه لأيّ سبب من الأسباب. ونحن وجميع الجبهاويين يعرفون جدّيّا من شكّل قائمات مستقلة أو مناوئة في التشريعية والبلدية في عديد الجهات، ونحن نعرف جميعا السلوك التصويتي للرفاق الوطد في عديد الجهات في رئاسية 2014. والمشكل اليوم حول آلية حسم التقدم للاستحقاقات الانتخابية القادمة، هو مشكل ديمقراطية. فأن لا يقبل طرف مهما كان بالاتفاق أو التصويت، فهذا سلوك غير ديمقراطي، بل معادي للديمقراطية. والأمر يشمل موضوع الرئاسية والتشريعية. إنّ الديمقراطية عند بعض المكونات (الموحد أساسا) هي خضوع جميع المكونات لقرار مكوّن واحد، وهذا منطق مختلّ وغير سويّ ولا يتقدم بالجبهة التي يزايد البعض بموضوع مأسسة هيئاتها في حين أنهم يخلّون بأبسط شروط المأسسة، ويهربون إلى الأمام بتنظيم حملات تشويه تدّعي هيمنة طرف ما على قيادة الجبهة، أو هيمنة الناطق الرسمي على مفاصل قرارها، في حين أنهم يعلمون قبل غيرهم أنّ أصوات كلّ المكونات وتمثيليّتها متساوية، وأنّ الناطق الرسمي يمتنع في عديد الحالات عن التصويت بداعي “أخذ نفس المسافة من كلّ الأطراف”.

ملاحظات حول مسألة الوحدة: أيّ وحدة نقصد ونريد؟

إنّ الوحدة عزيزة وغالية، وحدة الحزب ووحدة الجبهة ووحدة الشعب ووحدة الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء. لكن أيّ وحدة يدافع عنها الثوريون؟ هل الوحدة كما اتفق ومهما كان الوضع والثمن؟ هل الوحدة الشكلية التي يسمّيها بعض أنصار الجبهة (بحسن نية وبكثير من العاطفة)، وحدة أمام أعين الخصوم والأعداء “حتى لا يشمتوا فينا” ؟

إنّ موضوعة وحدة الجبهة هي من القضايا المهمة التي يجب تسليط الضوء عليها. ونحن نرى أنّ وحدة الطبقات الشعبية ضرورة وحتمية، وبالتالي فوحدة تعبيراتها السياسية هي أيضا ضرورية، لكن على أيّ قاعدة؟

نحن نفهم الوحدة فهما علميا جدليا، الوحدة هي اتفاق على كيفية التعاطي مع القضايا التي نشترك في قراءتها، ونتفق أيضا على كيفية التعاطي مع ما نختلف فيه. الوحدة هي سلوك واع، وهي التقاء على مهمات محددة في أطر محددة، هذه الوحدة قد تتطور إن توفرت كل الشروط إلى وحدة أرقى تصل حتّى الاندماج، كما أنها يمكن أن تبقى على حالها حتى لمدة طويلة، كما أنها يمكن أن تتوقف إن تعثرت كيفية إدارة المشترك والمختلف. وفي حال جبهتنا نحن نعتبر أنّ أرضية الجبهة ومقررات ندواتها الوطنية وهيئاتها القيادية هي المحدّد لعلاقة مكوناتها. ووحدتنا هي وحدة مناضلة على قاعدة برنامج نضالي وثوري، فإن أخلّ أيّ مكون إخلالا جوهريا بأيّ تعلة يصبح خارج الوحدة وغير معني بها. وفي هذا الصدد وجب الانتباه إلى أنّ الجبهة (وكل جبهة) ليست “ملكا” حصريا لمؤسسيها أو قادتها وحتى مكوناتها (ولنا في مثال منظمة التحرير الفلسطينية التي تداول على قيادتها الشقيري الذي عيّنه الحكام العرب على رأسها، ثم ياسر عرفات الذي خلفه والتحقت معه تباعا أغلب قوى الثورة الفلسطينية، وقد اتخذت المنظمة عديد المواقف السليمة وكان ميثاقها ثوريا، كما اتخذت مواقف يمينية ثم تصفوية وهي بقيادتها الحالية مناوئة أصلا للثورة الفلسطينية وللعمل المقاوم وللحقوق الوطنية الفلسطينية أصلا).

إنّ الجبهة كيان سياسي وتنظيمي تلتحق به وتنسحب منه قوى سياسية بأيّ تعلّة كانت وتحت أيّ ظرف كان. علما وأنّ الانسحاب إن حدث فتُمليه (عند الطرف الجدّي) عوامل سياسية في الأساس. ونحن في حزب العمال نتمسّك بالجبهة وبالعمل الموحّد صلبها، ونتمسك بوحدتها المناضلة والمبدئية، لكن أيضا لن نتردّد لحظة في الخروج منها إن حصلت لدينا قناعة أنها لم تعد تعبّر عن جزء من أفكارنا التي التحقنا بالجبهة على أساسها، وفي هذا الصدد نحن لا نصادر حق غيرنا في مثل هكذا تصرّف، ومن الأفضل أن تتمّ الأمور بصفة مبدئية وواضحة، لا عبر المخاتلة والابتزاز وازدواجية الموقف والسلوك.

إنّ نظرتنا للجبهة لم تكن في يوم نظرة عاطفية ولا مثالية ولا تقديسية، ومجمل أدبيّاتنا منذ تأسيس حزبنا إلى اليوم تتجه نحو التعاطي السياسي الواعي والمسؤول مع وحدة القوى الثورية والتقدمية عموما، ومع الجبهة الشعبية اليوم، لذلك لا نعتقد أنه يختلف اثنان صلب الجبهة أننا كنّا على الدوام في مقدمة الصفوف في مجمل أنشطة الجبهة وفعالياتها وتحت سلطة كلّ هياكلها بكلّ مكوناتها.

الجبهة جبهات

إنّ القناعة التي تعزّزت لدينا الآن هي أنّ الجبهة جبهات، هي ائتلافات وأشكال تنظيم ونضال تمليها أوضاع محددة باتفاقات محددة هي أرضية وبرنامج وهيكلة، وجغرافيا المكونات يمكن أن تتغير بالزيادة أو بالنقصان بحسب تطور الأوضاع الموضوعية وتطور الوعي (إيجابا أو سلبا) لمكوناتها. ونحن نعي أنّ الجبهة الشعبية لا يجب أن تتواصل بهذه الشاكلة، فالخلاف كما ذكرنا وكما نحن مقتنعون هو خلاف جدّي وعميق، وليس جزئي يهمّ هذا الجانب أو ذاك من النشاط والأداء. قد يعود الخلاف إلى عدم اتفاقنا على معنى الجبهة ومهمّاتها وحدودها. إنّ الجبهة لدينا هي “الحزب المشترك” وهذا المشترك أصبح اليوم مهزوزا ومهتزا. مهتزّا في الخط السياسي وفي التكتيك وفي الرؤية للهيكلة والتنظيم وأساليب التسيير، إنّ مناضلي الجبهة يعرفون جيّدا حدود الوحدة صلبها والتي لا تتجاوز مع بعض المكونات حدود المجلس المركزي، فليس هناك جبهة في عديد الجهات إلاّ ما ندر من المناسبات الانتخابية والتي تمحورت حول من يترأّس القائمة، وهذا أمر يجب مواجهته بصراحة ووضوح. كما أنّ الجبهة تتوقف تماما عند حدود الجامعة والحركة النقابية والحقوقية، وهو ملف فشلنا في إدارته، بل إنّ البعض لم يتردد في القول إنّ الحجر والشجر يمكن أن ينضمّ إلى الجبهة وينضبط لمقرراتها، أمّا النقابيون والطلبة فهيهات. وهذا أمر غير سويّ، ويبدو أنه سيبقى النزيف القاتل لأطراف سياسية لا سلطة لديها على منتسبيها وكوادرها، بما عمّق لدينا فكرة أنّ تحوّل بعض مكونات الجبهة إلى كيانات سياسية أمر لم يـتأكد بعد، بل هي ولادة صعبة في التحول من تيار نقابي إلى حزب سياسي. إنها مهمة مركزية وجب على رفاقنا (في الموحد تحديدا) إنجازها وتحقيقها حتى يسهل لهم العمل السياسي مستقبلا. إننا اليوم مفترقون، وبقطع النظر عن ثمن ذلك وتوقيته وانعكاساته، فالحقيقة الموضوعية هي أننا لا نستطيع في هذه اللحظة المواصلة مع بعضنا. لذلك فالأفضل أن نحتكم إلى مبدأ “وحدة مبدئية أو فراق مبدئي”. فليكن فراق الشجعان دون سقوط أخلاقي.

الاختلاف لا يعني القطيعة

إنّ اختلافنا العميق وفراقنا لا يعني إعداما لأيّ التقاء أو تقاطع أو عمل مشترك في المستقبل وحتى القريب منه، إنّ تفكيرا على هذه الشاكلة هو تفكير قاصر ولا سياسي أصلا، لذلك ندعو كافة الفرقاء إلى عدم السقوط في خطاب التشهير والسب والشتم والتشكيك والتشليك، إنّ هذا هو حجة من لا حجة له. إنّ الصراع الوحيد المسموح به والمشروع هو الصراع السياسي بإبراز خلفيات الخلاف بكل حرية، أمّا الانحراف بذلك إلى ما دونه، سيعمّق قناعة البعض بكون الائتلافات هي خيار خاطئ ولا جدوى منه.

نحن نعي جيّدا أنّ الأوضاع المحلية والإقليمية والدولية صعبة ومعقدة ودقيقة، وانعكاساتها على مختلف القوى أكيدة ومباشرة، وأنّ هذه الصعوبات وإن كانت تعمّق لدى البعض التوجّه الجبهوي التوحيدي للمواجهة والمقاومة وما يقتضيه ذلك من وعي متقدم وسلوك رصين وممارسة ريادية في تكريس الوحدة، فإنها انعكست على قوى أخرى بانهيار المعنويات وبروز النزعات الذاتية والسكتارية والزعامتية، إنها نزعات تغطّي انحرافا خطيرا في النظر إلى الواقع ولكيفيات التعاطي معه. لقد عاشت عديد الحركات الثورية والتقدمية في العالم أوضاعا شبيهة انتهت بها إلى التفسّخ كلّيا والالتحاق إلى وضعية هجينة تتمثل في تعزيز احتياطي الرجعية.

إنّ الصراع الحالي في الجبهة الشعبية، ورغم سلبيات إدارته عند البعض، إلاّ أنه انعكاس تلقائي لما يحدث صلب المجتمع والبلاد من اعتمالات في هذه اللحظة التاريخية الحرجة، وفي هذا المنعرج من الصراع بين قوى الثورة وقوى الثورة المضادة. وبقدر الأسف على فقدان رفاق أعزّاء من صفوف الجبهة، فالقناعة عميقة لدينا أننا سنلتقي أقرب ممّا يعتقد البعض، سنلتقي مع النزهاء والمناضلين الحقيقيين، فكما تعرف الجبهات فرزا، فإنّ الأحزاب تعرف ذات الوضع احتكاما لنفس القوانين الموضوعية التي تتجاوز رغبات الأفراد. وفي مطلق الحالات فإنّ أخلقة الصراع السياسي هي خاصية من خصائص الثوريين والتقدميين والديمقراطيين المتماسكين.

علي الجلولي

15جوان 2019

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى