الرئيسية / صوت الوطن / ملاحظات حول مسالة توحيد اليسار // الاستاذ محمود مطير

ملاحظات حول مسالة توحيد اليسار // الاستاذ محمود مطير

حضرت في السادس من شهر فيفري الحالي فعاليات الندوة الفكرية التي عقدها حزب الوطد الموحد بتونس العاصمة بمناسبة الذكرى الثالثة لاغتيال شكري بلعيد وقد كان الموضوع مثيرا إذ تعلّق بتوحيد اليسار. وقد خرجت ببعض الملاحظات أسوقها تباعا دون تنظيم:

1-   هناك اهتمام كبير بمسألة توحيد اليسار التونسي. وهذا الاهتمام لا يخصّ المنتمين إلى أحزاب اليسار فحسب. بل يشمل أيضا الكثير من غير المنتمين إلى أحزاب  وخاصة الشباب والنساء.

2-   رغم هذا الاهتمام – الذي أصبح همّا يشغل الكثيرين- هناك غموض كبير حول المفاهيم وعدم وضوح رؤية لدى الكثيرين حول المقصود باليسار وحول المعنيّين بعمليّة التّوحيد وحول مفهومي الحزب والجبهة.

3-   هناك خلط كبير بين دور الحزب (أو الأحزاب) الذي يهدف أساسا إلى الوصول إلى السّلطة وإدارة الشّأن العام ودور النقابات التي تدافع عن مصالح منظوريها والجمعيات التي تعمل من أجل هدف محدّد (مثل نشر ثقافة الديمقراطية أو الدفاع عن حقوق المرأة…)

4-   هناك شرخ عميق بين الأجيال (شيوخ/شباب) وبين الأجناس (رجال/نساء) وهو شرخ نابع من غياب وضوح الرؤية وعدم فقه المفاهيم وغياب الوحدة والعمق الثقافي المطلوب.

ورغبة منّي في المساهمة في التوضيح وفي تقديم وجهة نظري حول موضوع توحيد اليسار التونسي باعتباره من المواضيع التي تهمّني شخصيا ألاحظ ما يلي:

–         إنّ مفهوم اليسار مفهوم فضفاض ومتحرّك ودون الدخول في التفاصيل فإنّ المقصود باليسار المراد توحيده في إطار حزبي واحد هو اليسار الماركسي/اللينيني. لكن هذا لا يمنع اليسار العروبي (القوميون العرب) من التوحد في إطار مماثل. بل إنّ ذلك من المحبّذ ويجب أن نشجّعه.

–         إنّ التوحيد المقصود هو التوحيد الحزبي باعتبار الحزب طليعة لقيادة النضال الوطني الديمقراطي مرحليا. لكن هذا لا يلغي الوحدة على المستوى النقابي العمالي أو الطلاّبي أو باقي مستويات العمل الجماهيري مثل الحركات الشبابية أو النسائية أو الثقافية. وليس هناك أيّ تضارب أو تناقض. فهي أعمال مكمّلة لبعضها البعض وذلك على عكس ما لاحظته بالندوة المذكورة آنفا عند بعض الشباب والنسوة.

–         هناك مستويات مختلفة للتوحيد ويتمثّل المستوى الأوّل في الوحدة الحزبية وهذه لا تكون إلاّ على أساس فكري ايديولوجي لأنّ الوحدة الفكرية تضمن وحدة المسار وصلابته، أمّا غيابها فيضمن الصراعات العقيمة والانقسام والتّشتّت.

أمّا المستوى الثاني للوحدة فيكون بالتحالف بين الأحزاب على أساس برامج سياسية وهذا ممكن في إطار جبهوي وهو ما يتمّ حاليا في إطار الجبهة الشعبية التي تجمع أحزابا مختلفة فكريا ولكنها تتقاسم مع بعضها رؤية للمرحلة وبرنامجا سياسيا قصد توفير الحلول المناسبة لما بعد أحداث 2010/2011 في البلاد.

ويمكن لهذا العمل الجبهوي أن يتواصل بين حزب ماركسي لينيني جديد موحّد يجمع أساسا المنضوين حاليا تحت راية حزبي العمّال والوطد الموحّد وغيرهما من الأحزاب التي تحمل نفس الفكر من جهة وحزبا يجمع القوميين العرب من أمثال الطليعة والبعث والتيار الشعبي وغيرها من الأحزاب المشابهة لها.

ويمكن للتحالفات أن تتوسّع أكثر ويمكن للعمل الجبهوي أن يطال أطرافا أخرى على أساس مهام ظرفية، إذ من أهمّ خصوصيات العمل السياسي فنّ حبك تحالفات تخدم مصلحة المتحالفين مرحليّا.

لكن إلى جانب العمل الحزبي والوحدة الحزبية أو الجبهة الحزبية يمكن بعث جبهات على مستويات أخرى تهمّ العمّال أو الطلبة في النقابات وتهمّ المثقّفين أو النساء والشباب في جمعيات أو أيّ شكل آخر من العمل الجماهيري.

فالمطروح اليوم تشكّل جبهة نقابية تجمع العمّال النقابيين اليساريين مهما كانت مرجعيّتهم الفكرية صلب الاتحاد العام التونسي للشغل وذلك لمواجهة الوحدة النقابية اليمينية التي تجمع البيروقراطية النقابية بمختلف التسميات والإسلاميين وغيرهم…

كما يحتاج الطلاب اليساريون إلى توحيد رؤيتهم وبرنامج عملهم  صلب الاتحاد العام لطلبة تونس ليكون مثلما كان في الماضي قوّة ضاربة ورديفا للحركة التقدمية عموما في البلاد.

ويمكن أن نقول نفس الشيء بالنسبة إلى عموم الشباب والنساء والمثقفين اليساريين المطالبين أيضا، كلّ في ميدانه، بالعمل على التّوحّد. إذ يمكن تكوين جبهات يسارية على كلّ المستويات.

ويبقى دور الحزب أو جبهة الأحزاب قيادة كلّ هذا الطيف اليساري ويمكن المشاركة في الانتخابات أو التحركات النضالية كوحدة صمّاء رغم التنظيمات المختلفة.

أخيرا لا بدّ من القطع مع مسألة ما يسمّى “المستقلون” إذ لا يوجد مستقلون في العمل السياسي. كلّ ما هنالك هو أنّ هؤلاء الذين يسمّون أنفسهم “مستقلون” لا ينتمون إلى أحزاب، وبالتالي فهم غير متحزّبين فحسب. ويعني القطع أن يتغلّب كلّ من هؤلاء على نرجسيته وينخرط في الحزب الذي يعتبره قريبا منه ويصارع من أجل تحقيق رؤيته صلب هذا الحزب لأنه لا مستقبل للعمل السياسي الفردي.

وأختم بالقول إنه إذا لم تتوضّح هذه الرؤى المفاهيمية ومستويات العمل المختلفة (الحزب والجبهة والنقابة والجمعية…) ولم يتمّ الاقتناع بخصوصية كلّ تنظيم فسيبقى الحلم حلما وسيبقى واقع التشتت مهيمنا.

 ولكن من دور كلّ مثقّف وكلّ ناشط سياسي “يساري” واع بضرورات المرحلة، ومن دور الأحزاب المعنيّة أيضا أن يقوم كلّ بدوره للرفع من مستوى الوعي لدى المهتمّين بمسألة وحدة اليسار ممّا يخلق الظروف الذاتية المناسبة للشروع في التنفيذ الفعلي للوحدة المنشودة.

                                                                            الاستاذ محمود مطير

المحامي لدى التعقيب والمستشار الجبائي                                                            

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى