الرئيسية / صوت العالم / مناخ حربي بالخليج بعد حصار قطر: قوّات عسكريّة تركيّة وغذاء إيراني لإنقاذ قطر وتحصينها

مناخ حربي بالخليج بعد حصار قطر: قوّات عسكريّة تركيّة وغذاء إيراني لإنقاذ قطر وتحصينها

أعلنت كلّ من السعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة واليمن ومصر وجمهورية المالديف وحكومة شرق ليبيا الواقعة تحت تأثير مباشر لخليفة حفتر وبدوره المدعوم من قبل النظام المصري عن قطع العلاقات الدبلوماسية والقنصلية مع قطر انطلاقا من يوم الاثنين 5 جوان 2017. كما تلت هذه الخطوة إجراءات تخصّ إغلاق المنافذ الجوية والبحرية والبرية من وإلى قطر، خاصة من قبل السعودية والبحرين والإمارات. كما توقفت شركات الطيران من البلدان التي أعلنت بداية الحصار عن تأمين الرحلات نحو قطر.

وانطلقت السعودية في حجب إمداداتها لقطر بالغداء ممّا تسبّب في حالة هلع لدى القطريين الذين سارعوا إلى المحلات التجارية لحيازة أكثر ما أمكن من الأغذية، علما وأنّ قطر تستورد حوالي 90 بالمائة من تلك المواد من خطوط الإمداد السعودية في حين تُؤمّن فقط ما نسبته 5 بالمائة من إنتاجها المحلّي.

مقابل ذلك رحّبت عدة دول وتنظيمات سياسية بالوطن العربي وبقية العالم بهذا الإجراء، وانطلقت في تنظيم حملات عدوانية ضدّ قطر قصد الإطاحة بنظامها السياسي. ولكن تجاوز التوتر ذلك إلى اعتداءات على مواطنين قطريّين متواجدين ببعض دول منطقة الخليج بطريقة همجية.

في حين عارضته بلدان أخرى وندّدت به واعتبرته إعلان حرب ضدّ دولة ذات سيادة. لقد تطوّر موقف المحور الداعم لقطر بسرعة حيث سارعت إيران بمدّ قطر بالأغذية، وبسرعة كذلك انعقد البرلمان التركي لإقرار تفعيل معاهدة الدفاع المشترك مع قطر، وبالفعل دفعت بقوات كتيبة “طارق بن زياد” المتكون من فرق طلائعية عسكرية لتأمين العاصمة القطرية. في حين سارعت الكويت إلى لعب دور الوسيط بين الطرفين.

أمّا الأسباب التي أوردتها الدول المنفّذة للحصار فتتلخّص ظاهريا في نقطتين، أوّلها دعم الإرهاب والتآمر على أمن دول الخليج، وثانيها التعاون مع العدو المشترك في إشارة إلى إيران.

صراع تحت الرّاية الأمريكيّة

لم تكتف الدول المتّفقة على حصار قطر دبلوماسيا بالإجراءات البروتوكولية للضغط الدبلوماسي، وإنما اتخذت إجراءات شبه حربية. فالسعودية التي تقود هذه العملية أطلقت خلال الأيام السابقة للحصار صحافتها وخاصة صحيفة “الرياض” لمهاجمة قطر وإعلانها عن إمكانية انقلاب سادس ضدّ تميم بن حمد أل ثاني في إشارة تهديد للنظام القطري. كما ذكر مصدر سعودي رسمي” أنّ المملكة قرّرت قطع العلاقات الدبلوماسية والقنصلية مع دولة قطر، كما قرّرت إغلاق كافة المنافذ البرية والبحرية والجوية، ومنع العبور في الأراضي والأجواء والمياه الإقليمية السعودية، والبدء بالإجراءات القانونية الفورية للتفاهم مع الدول الشقيقة والصديقة والشركات الدولية لتطبيق ذات الإجراء بأسرع وقت ممكن لكافة وسائل النقل من وإلى دولة قطر، وذلك لأسباب تتعلق بالأمن الوطني السعودي”.

من الواضح أنّ كافة الدول التي اتخذت إجراءات الحصار قد اتفقت على نفس الخطوة التصعيدية والتي يمكن تلخيصها في الإجراءات التالية:

أوّلا، قطع العلاقات مع قطر بما فيها العلاقات الدبلوماسية وإمهال البعثة الدبلوماسية القطرية 48 ساعة لمغادرة البلاد.

ثانيا، منع دخول أو عبور المواطنين القطريين لكل من البحرين والسعودية والإمارات واليمن وتمهل المقيمين والزائرين منهم مدة 14 يوما للمغادرة.

ثالثا، منع مواطني تلك الدول من التوجه إلى قطر.

صحيح أنّ سنة 2014 قامت كلّ من السعودية والبحرين والإمارات بسحب سفرائهم من قطر ولكن حجم التوتر وإعلان حصارها هذه المرة تجاوز كلّ الأزمات السابقة.

لقد وجدت مصر الفرصة مناسبة، لأنّ قطر دعّمت نظام مرسي واعتبرت ما قام به السيسي انقلابا، واستقبلت قيادات اخوانية ومكّنتها من كافة وسائل الحماية والنشاط. أمّا البحرين والإمارات فإنّ قطر لم تكفّ عن دعم الأقليات الشيعية بها والتحريض ضدها. من جهة السعودية وبالإضافة إلى التدخل في شؤونها الداخلية، فقطر تدعم الحوثيين ممّا جعل حلف السعودية ونظام عبد ربه منصور هادي يتحوّل إلى تحالف استراتيجي لمواجهة الخطر الشيعي اليمني الحوثي الإيراني. أمّا حكومة الشرق الليبي فإنّ الصراع بينها وبين قطر يتمثل في دعم قطر لعدة فصائل ليبية مناوئة لخليفة حفتر ومن ورائه مصر. كما أنّ الصراع الدائر بكلّ من العراق وسوريا متّصل تمام الاتصال بالصراع بمنطقة الخليج من ناحية وعلاقته بإيران من ناحية أخرى.

يبدو أنّ مصالح تلك الدول قد التقت في اللحظة الراهنة للانقضاء على قطر التي لا تكفّ عن دبلوماسية التدخل بكافة مناطق التوتر عبر شبكات سياسية وإجرامية مستعملة في ذلك القوة المالية. وهو نفس الأسلوب المعتمد من قبل بقية دول الخليج المتورطة في تغذية الصراعات القبلية ودعم المجموعات الإرهابيّة وتمويل الحرب الجارية بعدّة مناطق من العالم.

لكن يبدو أنّ السبب المباشر لهذه الخطوة التصعيدية وإعلان حصار قطر يعود أساسا إلى القمة السعودية الأمريكية التي جرت في السعودية خلال شهر ماي المنقضي. فخلال القمة أعطى دونالد ترومب الضوء الأخضر لدول الخليج بقيادة السعودية للانطلاق في تحجيم الدور الإيراني في المنطقة، وهو ما رأت قطر نقيضه حيث أنها متورّطة مع إيران لأنّ لها مصلحة مباشرة بها من خلال استعمال الشيعة بدول الخليج واليمن لترويض تلك الأنظمة. فكلّما تصاعد التّوتّر باليمن والإمارات والسعودية والبحرين إلاّ وكان لقطر دور في ذلك. لقد لعبت قطر أدوارا قذرة بدعمها الإسلام السياسي ودعّمت المرتزقة لتنفيذ مهمات قتالية بكلّ من العراق وسوريا واليمن وتدخّلت لدعم أنظمة وتيارات اسلاموية بما في ذلك في تونس. كما أنها أحد أهمّ مموّلي “داعش” والقاعدة، وهي اليوم تقع في مواجهة أنظمة لا تقلّ قذارة عنها.

إنّ الصراع الجاري بمنطقة الخليج يمكن أن يتطور إلى نزاع حربي مباشر أو إلى حرب تكسير العظام بين أنظمة رجعية تتمعّش من الحروب وإراقة الدم. ومن بين ما يمكن أن ينجرّ عن هذا الحصار هو تنظيم انقلاب عسكري أو سياسي بقطر لصالح موقف مغاير يخدم مصلحة السعودية وحلفاءها أو إجبار قطر على عدة تنازلات ولعلّ من بينها التخلي عن دورها في قيادة حلف روسيا، الصين، وإيران بمنطقة الخليج العربي.

انعكاسات الحصار على دول شمال افريقيا

لقد استمرّ تدخّل بعض دول الخليج وخاصة بعد الثورة التونسية والإطاحة بنظام القذافي إلى اليوم من التدخل المباشر في دعم الإسلام السياسي بكافة شقوقه، سواء الذي يدّعي العمل السياسي المدني مثلما هو في تونس أو المجموعات الإجرامية في ليبيا وجزء من موريتانيا وبالصحراء الكبرى وكذلك محاولات إرباك النظام الجزائري عبر حملات متتالية. كما أنّ شبهات تمويل عدة عمليات إرهابية استهدفت مؤسسات أو شخصيات سياسية ما تزال تحوم حول دور قطر في ذلك. ولا يخفى على أحد دور الإمارات في دعمها لأطراف أخرى لغاية نقل الصراع بمنطقة الخليج إلى بلداننا مثلما نقلوه إلى منطقة الشرق الأوسط ومناطق الحروب الأكثر تخلّفا وبربرية. لقد سارع كلّ من أتباع قطر أو الإمارات بتونس إلى دعم الطرف الذي يصطفّ وراءه دون إعلاء المصلحة التونسية التي تكمن في عدم التدخّل في شؤونها وخاصة في الاستحواذ على مؤسساتها من قبل هؤلاء الأتباع. وجرى بليبيا الأمر على نفس النحو، حيث أنّ أتباع محور مصر السعودية والإمارات عمدوا إلى تكثيف الهجوم العسكري والسياسي ضدّ أتباع قطر. فالصراع الجاري اليوم بين تلك الأقطاب لن يزيد منطقة الخليج إلاّ تخلّفا وتبعيّة إلى الأطراف الدولية الراعية له.

أمّا نحن في تونس فإنّ موقفنا المبدئي برفض حصار أية دولة لدولة أخرى لا يخفي عنا طبيعة الصراع الرجعي وأنّ الاصطفاف مع محور ضدّ الآخر ما هو إلاّ إسناد لقوى متورطة في الإرهاب ضدّ أخرى بنفس قدر الإجرام الذي يمارسونه. فطريق نهضة تونس وتقدّمها يمرّ عبر استقلالية قرارها ودعمها فقط للقضايا العادلة. أمّا من الناحية السياسية المباشرة فإنّ هذا الصراع يمكن أن يُضعف كلا الطرفين في تونس وبقية منطقة شمال إفريقيا، وهو أمر لصالح شعوبنا التواقة إلى التقدم والسلام.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى