الرئيسية / الورقية / من أجل إعلان حالة طوارئ صحيّة الآن وهنا

من أجل إعلان حالة طوارئ صحيّة الآن وهنا

يتواصل انتشار وباء “كورونا” في أغلب أرجاء المعمورة. وقد انتقل مركز ثقل هذا الوباء الآن إلى أوروبا حيث ينتشر بشكل تصاعدي خصوصا في إسبانيا وإيطاليا وبسرعة أقل في فرنسا وألمانيا وإنجلترا. ويحصل هذا بعد أن تمكنت الصين من احتواء المرض، ومن وقف انتشاره تقريبا (161 إصابة جديدة في الأسبوع الأخير)، وبعد أن تمكنت أيضا دول آسيوية أخرى (كوريا الجنوبية واليابان وسنغافورة…) من تخفيض سرعة انتشاره.

وما يزال، إلى حدّ الآن، انتشار الوباء ضعيفا في بلدان جنوب المتوسط ومنها تونس، حيث تقدّم الإحصاءات الرسمية 39 إصابة بالفيروس، منذ اكتشاف الحالة الأولى في 2 مارس الجاري، منها 25 حالة “مستوردة” (أي قدمت من الخارج) و14 حالة وصلتها العدوى داخليا. وتتساوى نسب الإصابة في صفوف الذكور والإناث.

ولكن، من المؤكد أن عدد الحالات الحقيقية في بلادنا يفوق كثيرا الحالات المحصاة رسميا وذلك بالنظر إلى سرعة تطور العدوى بفيروس الكورونا 19. كما أنه يُخشى بشكل جدّي أن يرتفع عدد الإصابات في المدة القادمة بشكل لافت خاصة إذا لم يقع اتخاذ الإجراءات الوقائية الضرورية بالسرعة المطلوبة ولم تُضبَطُ الخطة اللازمة لمواجهة كل الاحتمالات وخاصة أخطرها أي اتساع دائرة الإصابات بما يفوق الإمكانات المتوفرة حاليا.

استراتيجيات مقاومة الفيروس:

يمكن الحديث في هذا المجال عن ثلاث مقاربات في الحرب على “الكورونا”، وهي التالية:

أوّلا: “الوقف الفوري” للوباء عبر الحجر التام وهو ما اعتمدته الصين. إذ قامت السلطات بعزل جزء من سكانها، إضافة إلى إجراء الاختبار الطبي على الأشخاص منذ ظهور الأعراض الأولى. هذه الاستراتيجيات مكّنت الصين إلى حدّ الآن من التحكم في الوباء وإيقافه، إلا أن احتمال عودة الفيروس وحصول انتكاسة يبقى واردا نظرا لعدم توفر المناعة ضدّه لدى الغالبية العظمى من السكان من ناحية، وفي غياب اللقاح المُضادّ له إلى حدّ الآن من ناحية أخرى.

ثانيا: خلافا للعزل الجماعي في الصين، اعتمدت كوريا الجنوبية طريقة استباقية ونشيطة تقوم على المواجهة المبكرة للفيروس بواسطة اختبارات مكثفة لمحاصرة البؤر الجديدة للوباء. وقد بلغ معدّل الاختبارات في هذا البلد 10.000 اختبار يوميا (18.000 يوميا عند بلوغ الذروة). أمّا العدد الجملي للاختبارات فقد ناهز 300.000 اختبار. وقد تحقّق ذلك بفضل توفّر 500 مركز اختبار منها أربعون مركزا متنقلا لتفادي العدوى.

كما تمّ اعتماد الاستهداف الممنهج (ciblage systématique) لمحيط المصابين، إذ يقع تتبّع تحركاتهم قبل إصابتهم استنادا إلى بطاقاتهم البنكية وهواتفهم الجوالة وكاميرات المراقبة (المنتشرة كثيرا هناك)… ثمّ إعلام المحيط ونشر هوية كل مصاب للعموم (!!) والبحث بطريقة آلية عن كل أقارب المصاب وعلاقاته وإخضاعهم للاختبار. يحدث ذلك مع كل إصابة جديدة. أمّا على المستوى الجماعي فقد تمّ اعتماد الحجر الذاتي لمحاصرة بؤر الوباء.

ثالثا: “فسح المجال لتطور المرض” (عكس ما تشير به منظمة الصحة العالمية) والرهان على نشأة “مناعة جماعية” في غضون بضعة أشهر تمكّن من السيطرة على الفيروس وحتى التخلّص منه نهائيا، وهو ما اتبعته مثلا إنجلترا وفرنسا رغم المراجعات الأخيرة لهذه الخطة خصوصا في فرنسا أين تمّ إقرار العزل الذاتي التام تقريبا. ولا بدّ من الإشارة في هذا السياق إلى أنه في فرنسا، وخلافا لما جرى في الصين، لا يُجْرى الاختبار الطبي إلّا على المشتبه فيهم بالإصابة بالمرض بعد تأكيد من الإسعاف ومختص في الأمراض المعدية.

منظومة صحية منهكة وقرارات لم تكن دائما صائبة: فرنسا مثالا

مع تحوّل مركز الوباء إلى أوروبا بانت سريعا هشاشة المنظومات الصحية في أغلب بلدانها من حيث ضعف التجهيزات والنقص الفادح في الإطارات الطبية وشبه الطبية. هذا الوضع هو نتاج للمنطق الرأسمالي الليبرالي المتوحّش القائم على التخلي عن الصحة كمرفق عمومي غير خاضع لمنطق الربح والمتاجرة بحياة البشر. ففي فرنسا مثلا واصل ماكرون سياسة غلق أقسام الاستعجالي ومراكز التوليد والحدّ من “تكلفة” الصحة العمومية غير عابئ باحتجاجات الأطباء والممرّضين وعموم القطاع الصحي. وقد وصلت تلك الاحتجاجات في منتصف جانفي الماضي إلى حدّ تقديم استقالات جماعية لأكثر من 1200 رئيس قسم من خططهم الإدارية رفضا لسياسات التقشف في مجال الصحة العمومية.

تلك هي الأسباب العميقة لأزمة الصحة العمومية، وبذلك لم يعد مطروحا اليوم الانتصار على فيروس “كورونا” والسيطرة عليه في المواجهة الجارية، بل أصبحت المعادلة قائمة على الحدّ ما أمكن من الخسائر البشرية من جرّائه.

إنّ الهدف من الإجراءات التصاعدية التي وقع اتخاذها في فرنسا هو كبح نسق انتشار الفيروس والعمل على تأجيل بلوغ الذروة وتلطيفها ما أمكن لتمكين المنظومة الصحية من الصمود قدر الإمكان واستيعاب أكثر ما يمكن من الحالات الحرجة التي تتطلب العناية المركزة والإنعاش.

ولا نغالي في شيء إذا قلنا إنّ وقتا ثمينا قد ضاع وأنّ الاجراءات كان يجب أن تكون أكثر سرعة وحزما منذ البداية، وهو ما يقرّ به ضمنيا حتى ماكرون وحكومته. ولا أدلّ على ذلك من القرار الخاطئ بإجراء الدور الأوّل للانتخابات البلدية في وقتها، أي يوم الأحد الفارط، رغم الدراسات والأرقام التي دقت ناقوس الخطر والمتوفرة قبل اتخاذ قرار عدم التأجيل، ليقع بعد ذلك اتخاذ قرار في الاتجاه المعاكس بتأجيل الدور الثاني. وإلى حدّ أمس، ما يزال عديد الأطباء في القطاع الخاص كما في المستشفيات العمومية يشكون نقصا في الكمامات وفي مواد التطهير، ممّا يعرضهم بدورهم إلى الإصابة بالفيروس ونقله. كما ما يزال عدد الاختبارات المتاحة دون المطلوب.

الدراسات التي دقت ناقوس الخطر، ووقع اعتمادها لإقرار الإجراءات الأخيرة، تشير بأن انتشار فيروس كورونا يمكن أن يؤدّي إلى إصابة نصف سكان فرنسا، والسيناريو الأكثر تشاؤما يقدّر عدد الأموات بين 300.000 و500.000 في حالة غياب إجراءات وقائية وحمائية من الوباء (أي دون أخذ الإجراءات الجارية بعين الاعتبار) ويستلزم توفير بين 30.000 و100.000 سرير عند بلوغ الوباء ذروته.

يتضاعف عدد المصابين بكورونا كل 72 ساعة تقريبا في فرنسا، وقد تمّ قبول أكثر من 921 مريضا في الإنعاش إلى حدود الساعة. وهو ما يعني أن طاقة استيعاب المستشفيات الفرنسية ستكون أقل بكثير من الحاجة رغم تأكيد السلط الطبية على توفّر 5000 سرير في الإنعاش و7364 سرير في العناية المركزة. ينضاف إلى ذك النقص الكبير في الإطار الطبي والشبه طبي والإنهاك الكبير الذي سيلحقه جراء مواجهة الوباء.

هذه فكرة موجزة عن انتشار الوباء في العالم وعن استراتيجيات مقاومته ودرجات نجاعتها من خلال بعض الأمثلة. فما هو الحال في بلادنا؟

تونس: من أجل إعلان حالة طوارئ صحيّة الآن وهنا

يُجمع المختصون على أنّ عدد المصابين في تونس يفوق بكثير ما تقدمه الإحصاءات الرسمية، ولا أدلّ على ذلك من عدم تناسق رسم تطوّر الإصابات (انظر الموقع الرسمي https://covid-19.tn/statistiques-ar/) من جهة، والعدد المحدود للاختبارات التي أجريت إلى حدّ الآن (611) من جهة أخرى، علما أنّ تونس إلى حدّ الآن لا تتوفر سوى على مركز اختبار وحيد في العاصمة، مع ما يعنيه ذلك من صعوبة في المتابعة الدقيقة لانتشار الوباء.

أمّا بخصوص طاقة استيعاب أقسام الإنعاش في المستشفيات العمومية، فإنّ عدد الأسرّة الإجمالي لا يتجاوز الـ240 سريرا حسب تصريح وزير الصحة، جزء منها مشغول بحالات أخرى. وهو ما يعني أنها ستبلغ حدّها الأقصى خلال الساعات القادمة.

كل ذلك ينذر بكارثة كبرى ستحل ببلادنا بالنظر إلى سرعة انتشار فيروس الكوفيد 19. نقول ذلك ليس تهويلا ولا لنشر الهلع في صفوف أهالينا، بل من باب المسؤولية ودقّ ناقوس الخطر لعلّ حكامنا يتحمّلون مسؤوليتهم في هذا الظرف العصيب. وكذلك من باب دعوة عموم التونسيات والتونسيين إلى الوعي بدقة المرحلة والالتزام التام باحترام الإجراءات الصحية.

إن تأخر غلق الحدود وعدم فرض العزل على القادمين من المناطق الموبوءة، وكذلك عدم إقرار العزل العام إلى حدّ الآن يدفع بنا نحو المجهول، ومقاومة الوباء لن تكون بالخطب الفضفاضة والتصريحات اللامسؤولة، بل تتطلب إعلان حالة طوارئ صحية فورا في كامل البلاد.

وهو ما يستلزم :

1. الشفافية التامة ومصارحة التونسيين بالمعطيات الحقيقية، أي نشر الأرقام والفرضيات والدراسات المعتمدة (إن وجدت) لاتخاذ مختلف القرارات الرسمية في مواجهة الوباء.
2. بعث مجلس علمي استشاري متعدد الاختصاصات، يضم أطباء وبيولوجيين وعلماء رياضيات ومختصين في تحليل المعلومات وغيرهم من الكفاءات العلمية.
3. الغلق التام للحدود، ما عدا الحالات الاستثنائية، وفرض الحجر الصحي على العائدين من المناطق الموبوءة تحت رقابة رسمية في فضاءات مخصصة للغرض.
4. فرض الحجر العام ومنع الجولان عدا قضاء الحاجات الضرورية، واتخاذ كل الإجراءات المناسبة في هذا المجال وفقا لتطوّر المعطيات الميدانية.
5. غلق كافة الفضاءات العمومية والمحلات التجارية عدا تلك التي تؤمّن توزيع المواد الغذائية والخدمات الصحية.
6. التسخير الفوري لقطاع الصحة الخاص، تجهيزات وإطارات، وإدماجه إلى جانب الصحة العمومية في إطار خطة صحية لمواجهة كورونا.
7. وضع مخابر التحليل الخاصة على ذمة الدولة إلى جانب المخابر العمومية والشروع فورا في تكوين العاملين فيها لتوفير اختبار الفيروس في كل الجهات.
وضع شركات إنتاج مستلزمات الوقاية تحت تصرّف الدولة وتوزيع تلك المستلزمات مجانا (الكمامات للمصابين، المعقمات…).
فرض رقابة مباشرة للدولة على كافة مسالك توزيع المواد الغذائية والصحية وإعلان الحرب على المحتكرين والمستثمرين في الأزمة (المضاربة بالسلع، رفع الأسعار الخ…)
10ـ الإعفاء الوقتي من الأداءات والمساهمات في الصناديق الاجتماعية للمؤسسات وإلزام البنوك بتجميد مؤقت للاقتطاعات الخاصة بقروض الأجراء وتأجيل خلاص صكوك المؤسسات الصغرى والمتوسطة…
11ـ تكفل الدولة بضمان مستلزمات الحياة الدنيا للفئات الضعيفة والهشة وضمان أجور العاملات والعاملين بالقطاع الخاص وخاصة المياومين منهم.
12. فرض ضريبة استثنائية على الثروات الكبرى ورؤوس الأموال وخاصة على الشركات الكبرى العاملة في قطاعي البترول والاتصالات والفضاءات التجارية الكبرى والمؤسسات البنكية وشركات التأمين.
13. تعليق تسديد المديونية لتوفير الاعتمادات الضرورية لمواجهة الوباء الطارئ.

حزب العمال
خلية الأزمة المركزية لمقاومة فيروس كورونا
تونس في 19 مارس 2020

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى