الرئيسية / صوت العالم / هل تتجاوز بلدان أمريكا اللاّتينيّة أزمتها الاقتصاديّة؟ // مرتضى العبيدي

هل تتجاوز بلدان أمريكا اللاّتينيّة أزمتها الاقتصاديّة؟ // مرتضى العبيدي

 

تواجه بلدان أمريكا اللاّتينيّة ومنطقة الكارايبي ظروفا اقتصادية عصيبة، قد تكون هي الأسوأ منذ الأزمة المالية العالمية لسنة 2008. فاقتصاديات هذه البلدان لا تشهد حالة من التباطؤ في نسق النمو فحسب. بل إنّ أغلبها يعاني انكماشا فعليا وتقلّصا مرعبا خاصّة في البرازيل وفنزويلا. وهذا الوضع المفزع كان محور اجتماع قمّة بلدان أمريكا اللاتينية ومنطقة الكارايبي المنعقد نهاية الشهر الماضي في كيتو عاصمة الإكوادور، والذي خلص إلى أنه على هذه البلدان أن ترصّ صفوفها وتفعّل جميع إمكانياتها لمواجهة مشتركة لهذا الوضع بما في ذلك تفعيل الاتّفاقات السابقة التي بقيت حبرا على ورق، وبالخصوص منها إحداث “بنك الجنوب” و “صندوق النقد لأمريكا الجنوبية” واستعمال العملات المحلية في التعاملات البينية (تجارة هذه البلدان في ما بينها).

إذن كانت قضايا الاقتصاد والتنمية والتكامل بين بلدان القارّة هي التي هيمنت على أشغال القمة المذكورة والتي انعقدت بالإكوادور بداية من 27 جانفي الماضي. ومنذ مدّة لم يعد خافيا على أحد الحالة الصعبة لاقتصاد هذه البلدان بعد التدنّي المتواصل لأسعار النفط وعديد المواد الأولية الأخرى في الأسواق العالمية.  ففي سنة 2015، شهد الناتج الداخلي الخام لبلدان شبه القارّة الأمريكية انخفاضا قدّر بـ0,4%، حيث لم يتجاوز في مجمل بلدان القارة نسبة 1,6% وهي أسوأ نسبة سُجّلت منذ سنة ،2009 وهو مرشح لمزيد الانخفاض في السنة الجديدة حسب خبراء هذه البلدان الذين يرجّحون أن تكون هذه النسبة سلبية في سنة 2016.

وحسب تقديرات اللجنة الاقتصادية المختصّة المنبثقة عن القمّة، فإنّ نسبة النمو للسنة المنقضية لن تفوق 0,2%. وكان الوضع الاقتصادي أكثر قتامة في البلدان الأكثر تصديرا للمواد الأولية مثل فنزويلا التي زادها تأزّما التخريب الاقتصادي الممنهج الذي مارسته المعارضة البورجوازية وعصابات المافيا والتهريب والتجارة الموازية. وهو ما جعل الرئيس مادورو يؤكد غداة هزيمة حزبه في الانتخابات العامّة أنّ المعارضة هزمتنا في المعركة الاقتصادية.

ممّا لا شك فيه أنّ مرحلة الازدهار التي ارتبطت بتصدير المواد الأولية قد استنفذت جميع إمكانياتها. ففي سنة 2015، تقلّصت تجارة هذه البلدان مع بقية بلدان العالم بنسبة 14%، بينما بلغ هذا التقلّص في التجارة البينية نسبة 21%. كما تسبّب انخفاض أسعار المواد الأولية في الأسواق العالمية في تراجع الاستثمار الخارجي في حدود 20%، خاصّة منه ذاك الذي يوظّف رؤوس الأموال في تلك المواد الأولية التي شهدت أسعارها انخفاضا (الزراعة، الصناعات الاستخراجية، صناعة النفط). وبما أنّ هذه الأسعار لن تشهد تحسنا في السنة الجديدة حسب معظم التوقعات، فإنّ اجتماع القمة تطرّق إلى ضرورة تنويع الإنتاج وإيلاء أهمية خاصة لبعض القطاعات لم تكن تحظى بالعناية الكافية، وذلك بالخصوص للتقليص من حجم الواردات وتحسين الميزان التجاري.

وكان قادة الدول المجتمعة يعلمون أنّه لا مجال لمجرّد النقاش والتداول حول هذه القضايا الحارقة لأنّ أيّ تأخير في معالجته سيكون معناه تعميق الأزمة. فكان عليهم إذن الخروج بقرارات عملية قابلة للتنفيذ على المدى القصير والمتوسط، خاصة وأنهم يعلمون أنهم تحت التهديد المباشر لمناورات الولايات المتحدة الأمريكية. لأنه إذا ما قرّر “نظام الاحتياطي الفيديرالي” لهذه الأخيرة الترفيع في نسبة الفائض على الرصيد الفيديرالي، فإنّ جميع بلدان أمريكا اللاتينية ستواجه صعوبات حقيقية حتى لتوفير السيولة الضرورية. وإذا ما حصل مثل هذا السيناريو، فإنّ المشاكل الاجتماعية ستطفح على السّطح بحدّة وأنّ الملايين من شعوب هذه البلدان ستعود إلى ما تحت عتبة الفقر.

ولمواجهة مثل هذه الاحتمالات المرعبة، يعلم قادة أمريكا اللاتينية أنّه لا خلاص لأيّ من دولهم إذا ما حاولت مواجهة العاصفة بحلول فردية، وعليه فإنه يتحتّم عليهم إيجاد الحلول بصفة جماعية. من ذلك إقرارهم بتفعيل مؤسسة “صندوق النقد لبلدان أمريكا الجنوبية” للحدّ على الأقل في مرحلة أولى من عمليات تهريب رؤوس الأموال المحلية باتجاه بقية بلدان العالم، إذ لا يُعقل وهذه البلدان تعاني ما تعانيه أن يواصل أثرياؤها ادّخار أموالهم في بنوك البلدان الغنية خاصة البلدان السبعة الأكثر غنى (ألمانيا، كندا الولايات المتحدة، فرنسا، إيطاليا، اليابان والمملكة المتحدة) كما هو الحال اليوم.

كما أنّ الاجتماع تطرّق إلى التعطيل الحاصل في انطلاق نشاط “بنك الجنوب” (والمقصود به البنك المركزي لبلدان أمريكا الجنوبية، كما هو الحال بالنسبة إلى البلدان الأوروبية). ومن الواضح أنّ المصالح الضيّقة  لبعض البلدان، خاصة البرازيل، والتعقيدات البيروقراطية هي من الأسباب التي حالت إلى حد الآن دون انطلاق نشاط هذه المؤسسة الإقليمية التي اتّخذ قرار بإنشائها منذ سنوات عدّة، دون أن ننسى بطبيعة الحال الدور التخريبي للولايات المتحدة الأمريكية التي تجتهد في تعطيل إيّ إنجاز قد يحدّ من سيطرتها في ما تعتبره حديقتها الخلفية. فإنشاء مثل هذا البنك سيساعد لا محالة في توفير الاستثمارات الضرورية للنهوض ولو جزئيا باقتصاديات هذه البلدان التي يقدّر الخبراء أنها بحاجة إلى استثمارات بحجم 320 مليار دولار  سنويا وحتى غاية سنة 2020 لمجرد تطوير بنيتها التحتية.

وفيما يتعلّق بالتكامل الاقتصادي بين بلدان شبه القارة، فهو في حاجة إلى قرارات سيادية من مختلف الدول، خاصة الكبرى منها، مثل البرازيل والأرجنتين وفنزويلا. وهي قرارات مؤجلة لهذا السبب أو ذاك. من ذلك أنّ بلدين اثنين من البلدان السبعة التي قرّرت إنشاء بنك الجنوب وهما البرازيل والباراغواي لم يصادقا بعد بصفة نهائية (أي عبر البرلمان) عن الوثيقة المحدثة لهذه المؤسسة، ثماني سنوات بعد وضعها. ورغم أنّ قانونها الأساسي وسياستها وأساليب تسييرها  تمّ ضبطها منذ البداية، إلاّ أنّ هذه المؤسسة مازالت بعد اسما بلا مسمّى. من ذلك أنّه لحدّ اللحظة فإنّ الإكوادور وفينزويلا وبوليفيا هي البلدان الوحيدة التي عيّنت ممثّلين عنها في مجلس إدارة هذا البنك.

وفي الختام، يمكن القول إنّ انخفاض أسعار المواد الأوّليّة في الأسواق العالمية قد أضرّ أيّما ضرر باقتصاد بلدان أمريكا اللاتينية، لكن هذا السيناريو كان محتملا في أيّ وقت من الأوقات. إلاّ أنّ هذه البلدان حتى تلك التي أوصلت الانتخابات فيها إلى سدّة الحكم أحزاب اشتراكية راديكالية أو اشتراكية ديمقراطية، ورغم الإنجازات الكبيرة التي حققتها على الصعيد الاجتماعي بصفة خاصة، بتحسين ظروف عيش مواطنيها وإخراج الملايين منهم من تحت عتبة الفقر، فإنها لم تتّخذ ما يكفي من الإجراءات ولم تضع من السياسات ما يؤسّس لاقتصاد وطني متكامل غير مرتهن بالأسواق العالمية ويوفّر الاكتفاء الذاتي لشعوبها على الأقل في المجالات الحيوية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى