الرئيسية / صوت العالم / هل تغيّر المشهد السياسي بعد انتخابات البرلمان الأوروبي؟

هل تغيّر المشهد السياسي بعد انتخابات البرلمان الأوروبي؟

مرتضى العبيدي

أسدل السّتار على انتخابات البرلمان الأوروبي التي جرت في مختلف بلدان القارّة بين 23 و26 ماي الجاري ولم تسفر النتائج المعلنة على تغيير جذريّ في المشهد السياسي الأوروبي رغم ما بشّرت بها معاهد سبر الآراء من فوز ساحق لأحزاب أقصى اليمين المشكّكة في المشروع الأوروبي والمناوئة له. كما أن النتائج سفّهت تكهّنات هذه المعاهد بارتفاع نسبة المقاطعة، إذ تشير الأرقام إلى أن معدّل المشاركة فاق 51℅ في مجمل البلدان الأوروبية متجاوزا بتسع نقاط كاملة النّسبة المسجّلة في انتخابات 2014، وهي أعلى نسبة تسجّل في مثل هذه الانتخابات منذ عشرين سنة.

بصفة ملموسة، توزّعت المقاعد الـ 751  للبرلمان الأوروبي على النّحو التالي: أحزاب اليمين المحافظ (175)، الاشتراكيون الديمقراطيون (148)، أحزاب أقصى اليمين (115)، الأحزاب الوسطية والليبرالية (109)، أحزاب الخضر والأحزاب الجهوية (77)، اليمين القومي (58)، اليسار الراديكالي (41). لكن لا يجب أن نغترّ بهذه التّسميات المُبهمة، إذ أنها تخفي واقعا أكثر تعقيد. فالكتل البرلمانية التي تشير إليها هذه التّسميات تتشكّل كلّ منها من مكوّنات متناقضة ومتنافرة ومتنافسة في بلدانها، لكن الاستحقاق الأوروبي يقرّب بينها لحين الحصول على منفعة ما أو للتصدّي لخصم ما. فوجود كتلة باسم “اللّيبراليّين والوسطيّين” مثلا، وهي التي ينتمي إليها نوّاب حزب ماكرون، لا يعني بتاتا أنّها تحتكر هذه الصّفة وأن بقية الكتل هي غير ذلك فأغلبها يسبّح باسم الليبراليّة بل والليبراليّة المتوحّشة ولا يرى سواها منهاجا ممكنا لأوروبا اليوم وغدا.

فخطّ التّباين في هذه الانتخابات يفصل بين أحزاب آمنت وتؤمن بأهميّة الاتّحاد الأوروبي وبمستقبل أوروبا الموحّدة الذي يجعل منها قوّة قادرة على مواجهة العمالقة، دولا وتكتّلات (أمريكا، روسيا / الاتحاد السوفياتي في السابق، الصين، البريكس…)، والأحزاب التي تولي الأولويّة المطلقة للشأن القومي داخل الحدود القوميّة، وتعتبر أنّ الالتزامات الأوروبيّة من شأنها إضعاف بلدانها. وقد نما هذا الشعور خاصة بعد سقوط جدار برلين والتحاق معظم بلدان أوروبا الشرقيّة بالاتّحاد الأوروبي وما ترتّب عنه من تخصيص اعتمادات كبرى لها لتأهيل اقتصاداتها وتسهيل اندماجها في الفضاء الأوروبي. إذن فإن زاوية النظر لنتائج هذه الانتخابات لا تكون هي ذاتها لأن الرّهانات مختلفة.

وإن تمكّنت ما يسمّى بالأحزاب المشكّكة في المشروع الأوروبي من تسجيل تقدّم كبير في بعض البلدان باحتلالها المراكز الأولى في العديد منها مثل فرنسا حيث أحرز التجمّع القومي (الجبهة القومية وحلفاؤها) على 23,3 ℅ من الأصوات، ورابطة الشّمال بزعامة ماتيو سالفيني على 33,6℅ بإيطاليا متقدّمة على خصومها بفارق كبير، وحزب نيغال فاراج المناصر للبريكسيت في بريطانيا على 31,7℅ من الأصوات، والحزب القومي في المجر الذي فاز بـ 56℅ من أصوات الناخبين، فإنّها لم تحرز الفوز المنتظر الذي من شأنه قلب المعطيات ووضع مستقبل الاتّحاد الأوروبي في دوامة الشّك. إذ أنّ غريمتها أي الأحزاب المناصرة لهذا المشروع، على اختلاف مشاربها (يمين ليبرالي، وسط، يسار تقليدي…)، رغم تراجعها، فقد تمكّنت إجمالا من احتواء الهجمة المضادّة ومن المحافظة على تصدّرها للمشهد السياسي الأوروبي. ففازت بالمراتب الأولى في عديد البلدان الأخرى مثل اسبانيا حيث تصدّر الحزب الاشتراكي نتائج الانتخابات، وحزب الديمقراطية الجديدة المحافظ في اليونان والحزب الاشتراكي الديمقراطي في ألمانيا والحزب العمالي في هولندا. لكن تشتّتها واختلاف مرجعيّاتها وتصوراتها سيجعلها تواجه تحديّات إضافية وتعقيدات كبيرة خلال مفاوضات تشكيل الكتل والمجموعات البرلمانيّة.

فالطّرفان المشكّلان للأغلبيّة السّابقة في البرلمان الأوروبي، أي وسط اليمين الممثّل بـ “الحزب الشعبي الأوروبي” والاشتراكيون الديمقراطيون والحاصلين هذه المرّة تباعا على 175 و148 مقعدا أي 43℅ من جملة المقاعد (مقابل 54℅ في انتخابات 2014 و66℅ في انتخابات 1999)، قد خسرا مجتمعين الأغلبية المطلقة التي تمتّعا بها منذ 1979. وهو ما سيفتح المجال أمام حلفائهم التقليديين أو المحتملين مثل أحزاب الوسط والليبراليين  والحاصلين على 109 من المقاعد، أو الخضر بـ 68 مقعدا للتّرفيع في سقف مطالبهم عند اقتسام المناصب ورئاسة مختلف لجان البرلمان الأوروبي.

والشأن نفسه يسري على المشكّكين في المشروع الأوروبي، فإنّهم وإن حقّقوا تقدّما ملموسا في عديد البلدان، إلا أن الخلافات العميقة التي تشقّ مكوّناتهم  ستجعل من قدرتهم على تشكيل كتلة متماسكة وقادرة على الوقوف في وجه خصومهم أمرا صعب المنال. لكن فوزهم على المستوى الأوروبي ليس همّهم الأول، بل إنه سيساعدهم  فقط على تحقيق أهدافهم على مستوى أقطارهم.

إن انتصار قوى أقصى اليمين في البلدان المذكورة له بالأساس بعد رمزي، إذ أن هذا الفوز يسمح لها وطنيّا بالترفيع في سقف مطالبها والطموح الى لعب الأدوار الأولى في بلدانها والخروج من موقع المعارضة الدائمة. وهو ما جعل مارين لوبان تتّجه مباشرة بعد الإعلان عن النتائج إلى الرئيس ماكرون وتطالبه بالدّعوة الى انتخابات عامة سابقة لأوانها تعكس المشهد الجديد. ورغم أنّ الجبهة القوميّة كانت حقّقت نفس النّسبة في انتخابات 2014 إلا أنّها لم تكن في المرتبة الأولى كما هو الحال الآن. لكن هل أن تقدّمها على حزب ماكرون بفارق طفيف (0,9℅) سيجعلها قادرة على منازلته في الانتخابات الفرنسية، أم أن  هذا الأخير يبقى الماسك الحقيقي بخيوط اللّعبة الانتخابيّة، لوجود لفيف من القوى الوسطيّة المستعدّة لمساندته في صورة وجد نفسه مجدّدا في مواجهة مرشّح الجبهة القومية.

أما أولى انعكاسات الانتخابات الأوروبية فقد جاءت من اليونان حيث دعا أليكسيس تسيبراس، مباشرة بعد الإعلان عن انهزام حزبه أمام غريمه التقليدي حزب الديمقراطيّة الجديدة المحافظ  إلى انتخابات تشريعية مبكّرة مباشرة بعيد الدور الثاني للانتخابات البلديّة التي تجري يوم 2 جوان القادم،  والحال أنّه لم يبق على الموعد القانوني للانتخابات سوى بضعة أشهر. هذا وقد حصل الحزب اليميني على 33,5℅ من الأصوات (7 مقاعد/ 21) بينما احتلّ حزب “سيريزا” المرتبة الثانية بـ 25℅ فقط (6 مقاعد). واحتلّ الحزب الاشتراكي المرتبة الثالثة بـ 7,7℅ (مقعدان) والحزب الشيوعي المرتبة الرابعة بـ 5,5℅ (مقعدان) ولم يحصل حزب “الفجر الذهبي” اليميني المتطرّف إلا على 4,5℅ من الأصوات (مقعدان) مسجّلا تراجعا بـ 5 نقاط مقارنة بانتخابات 2014.

وخلاصة القول أن هذه الانتخابات الأوروبيّة وإن شهدت تقدّما نسبيّا لأحزاب أقصى اليمين في بعض البلدان الأوروبيّة وكذلك لأحزاب الخضر، فإنّها لم تسفر على تغيّرات جوهرية في المشهد السياسي الأوروبي، وبذلك فإنّ نتائجها لا تنبئ بتغيّر ذي بال في سياسات حكّام أوروبا إن على صعيد أوطانهم أو على الصّعيد الدولي، أي السياسات الامبريالية العدوانية والمعادية لحقّ الشعوب في الانعتاق والتحرّر والسّيادة على ثرواتها  ومقدراتها.                                                    

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى