الرئيسية / صوت العالم /     هل دخلنا عصر الثّورات العربيّة؟

    هل دخلنا عصر الثّورات العربيّة؟

فيما مضى كنا نتابع ما يحدث في العالم الغربي لنستبشر بإمكانية حدوث تغييرات قد نستفيد منها ونستلهم العزيمة والقوة لفعل عمل ما في بلادنا حتى نرتقي إلى مصاف تلك الدول فننعم مثلها بالديمقراطية والحرية ونحلم باقتصاد قوي يوفّر لنا دخلا محترما وعيشا رغدا على غرار الشعوب المتقدمة. الصورة المثالية كانت هناك رغم أنّ تاريخنا حافل بالصراعات الاجتماعية والنضالات السياسية والفكرية التي أثّثها أسلافنا سواء في الزمن القديم أو خلال فترة الاستعمار المباشر أو بعده في ظلّ دولة الاستعمار الجديد.

أمّا اليوم ومنذ 2011 بعد أن أطرد الشعب التونسي الطاغية بن علي وفرض الحريات السياسية وبات مؤثّرا في صنع القرار من خلال الشارع أساسا فإنّ الوجهة تحوّلت نحو الداخل حيث باتت تونس هذه الجغرافيا الصغيرة وجهة كلّ التّائقين إلى الانعتاق والتحرّر.

ما حصل في تونس في 2011 ألهم الشعوب العربية والأوروبية لتسترجع إمكانية الحلم، حلم التغيير وفرض المكاسب الجديدة والمراكمة من أجل مجتمعات جديدة ملؤها المساواة والعدالة الاجتماعية والحرية والسيادة الوطنية. بل إنّ بعضها انخرط في مسار نضالي من أجل التغيير وأنهى حكم الدكتاتوريات العسكرية والمدنية على حد سواء فسقط من سقط ووضع البعض في وضع لا يحسد عليه وبات آيلا للسقوط وهبّت الشعوب بكلّ ثقة في نفسها وقدراتها لقلب الأوضاع لصالحها.

الصّراع يتواصل ويتّسع جغرافيا

ما يحدث اليوم في الجزائر والسودان وبدرجة أقل في المغرب الشقيق يؤكّد لكلّ متابع نزيه أنّ المسألة لا تتعلق بأعمال مخابراتية وتدخلات أجنبية تستهدف الوطن العربي من أجل إضعافه وإدخاله في حالة من الفوضى والسيطرة عليه. بل إنّ شعوبا استشعرت الخطر وهبّت للنضال من أجل تغيير واقعها، واقع الدكتاتورية والفساد والاستغلال والتبعية مستلهمة من التجربة التونسية رغم الصعوبات والمنعرج السيء الذي تمرّ به هذه الثورة. نحن إزاء ربيع حقيقي سيُزهر بالتأكيد مجتمعات ونظم جديدة. والأكيد أنّ نجاح الشعبين السوداني والجزائري في إسقاط منظومتي الفساد والاستبداد سيفتح الطريق واسعا أمام باقي الشعوب لتنهي حكم الدكتاتوريات بما فيها الخليجية صنيعة الامبريالية والصهيونية.

إنّ تجربة الثورات العربية تؤكّد أنه كلما كانت هذه الثورات سلمية ومدنية كلما نجحت في لف أوسع الجماهير حولها كشرط ضروري لخلق ميزان قوى لصالح قوى الثورة، وكلّما صعبت على القوى الخارجية إمكانية التدخل وإفشال المسار. وفي المقابل تؤكّد الوقائع أنّ العسكرة أعطت فرصا أكبر للتدخل الخارجي وتحويل وجهة الثورة نحو التفتيت والتخريب والتقسيم مثلما حصل في سوريا واليمن وهمّشت الشعوب إن لم تلغ دورها نهائيا لتصبح ضحية الأعمال الإرهابية والاقتتال بين الجماعات المسلّحة والميليشيات.

نعتقد أنّ البلاد العربية دخلت مرحلة الثورات وأنّ حكم العسكر وكل الدكتاتوريات العميلة مهما كانت مدنية لم يعد مقبولا لدى شعوب المنطقة. والأكيد أنّ مدى هذه الثورات سيتّسع ويتجذّر ليشمل كلّ أجزاء الوطن العربي الذي يرزح تحت نير الدكتاتوريات الفاسدة والعميلة وضحية التخلف الاقتصادي والعلمي والثقافي.

البلاد العربية دخلت إذا مرحلة المخاض وحتما ستلد نخبا جديدة ومجتمعات جديدة بقيادات جديدة تُنهي أوضاع التبعيّة والاستبداد والتخلّف. أمّا سرعة الإنجاز ونسق التغييرات المنتظرة ومداها فمرتبطة بمدى جاهزية النخب الثورية والتقدمية والديمقراطية الوطنية وقدرتها على قيادة الشعوب الثائرة التي لم تعد تقبل بالعيش مثلما كانت في السابق.

القوى الثورية في قلب العمليّة

لم تخل الحركات الاحتجاجية في الوطن العربي منذ 2011 من القوى اليسارية الثورية التي شكّلت النواتات الأساسية لقياداتها في أغلب الأقطار التي عاشت حراكا شعبيا. ففي تونس كان الدور الأهم من حيث التسليح بالشعارات والتوجيه للقوى التي شكلت فيما بعد الجبهة الشعبية وفي مقدمتها حزب العمال ولو أنّ هذا الدور لم يرتق إلى قيادة سياسية وتنظيمية للثورة. وفي المغرب الشقيق نسجّل الدور الكبير الذي لعبه ويلعبه النهج الديمقراطي في مختلف المحطات وخاصة حراك الريف الذي أسقطته دكتاتورية المخزن مبكّرا عبر القمع والمحاكمات الجائرة. أمّا في السودان الشقيق حيث تكتسح الاحتجاجات الشعبية السلمية المدن والقرى نسجّل الدور المحوري للحزب الشيوعي السوداني الذي نجح إلى حد الآن إلى جانب فعاليات شبابية ونسائية وقوى سياسية أخرى في تفكيك مناورات مراكز قوى النظام القديم والعمل على استمرار وتجذّر الحراك ورسم الأهداف بواقعية وتبصّر.

لقد أكّدت الوقائع أنه كلّما كانت القوى الثورية حاضرة صلب قيادات الحركات الاحتجاجية كلما استمرت هذه الأخيرة في الحياة وتجذّرت وحافظت على سلميّتها ومدنيّتها ونجحت في استقطاب أوسع الجماهير حولها.

القوى الثورية هي صمّام أمان الثورات وبوصلتها، فهي من يطرح البدائل ويضبط التكتيكات ويوحّد حولها الجماهير ويبلور أشكال النضال الأكثر تأثيرا حتى تصبح مهمّتها المباشرة فتناضل بلا هوادة من أجل تحقيقها.

نحن في عصر الثورات العربية التي يرتهن نجاحها بدور أكبر وأكثر فعالية للقوى الثورية التي ترفض التردّد والمساومات وتخطّط للمضي حتى النهاية في تحقيق الأهداف وتحسن التخطيط لذلك بحكم خبرتها السياسية والنقابية، مثلما هي بحاجة إلى دور أكبر للنخب الثقافية والفكرية والفعاليات الشبابية والنسائية التي تؤسّس للجديد من رحم القديم المتهالك وتوسّع تأثيره وتراكم من أجل تجاوزه فالقضاء عليه وفرض الجديد بدلا عن القديم.

علي البعزاوي

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى