الرئيسية / الورقية / هل يمكن الحديث عن نقد سينمائي في تونس؟

هل يمكن الحديث عن نقد سينمائي في تونس؟

هذا‭ ‬السؤال‭ ‬يُطرح‭ ‬كثيرا‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬والحال‭ ‬أنّ‭ ‬الإجابة‭ ‬عنه‭ ‬تبدو‭ ‬سهلة‭ ‬وواضحة‭: ‬لدينا‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الصحفيّين‭ ‬الذين‭ ‬يكتبون‭ ‬في‭ ‬السّينما‭ ‬وعن‭ ‬السّينما‭ ‬ولكن‭ ‬يصعب‭ ‬اعتبارهم‭ ‬نقادا‭ ‬سينمائيين‭ !‬؟

أذكر‭ ‬أنّه‭ ‬لمّا‭ ‬اصدرت‭ ‬مجلتي‭ ‬شاشات‭ ‬تونسية‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬الثمانينات‭ ‬شجعني‭ ‬الأستاذ‭ ‬مصطفى‭ ‬نقُبو‭ ‬مدير‭ ‬مجلّة‭ ‬الفن‭ ‬السّابع‭ ‬وقام‭ ‬بالدعاية‭ ‬لها‭ ‬واعتبرها‭ ‬اضافة‭ ‬مهمة‭ ‬للساحة‭ ‬السينمائية‭.. ‬وكنا‭ ‬نلتقي‭ ‬للتفكير‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬النقد‭ ‬السينمائي‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬وخرجنا‭ ‬بقناعة‭ ‬تقضي‭ ‬بضرورة‭ ‬تكوين‭ ‬جمعية‭ ‬للنهوض‭ ‬بالنقد‭ ‬السينمائي‭ ‬وتقاسم‭ ‬عضويتها‭ ‬فريق‭ ‬ممثل‭ ‬للمجلتين‭ ‬الفن‭ ‬السابع‭ ‬وشاشات‭ ‬تونسية‭ ‬وضم‭ ‬أول‭ ‬مكتب‭ ‬مسير‭ ‬للجمعية‭ ‬النوري‭ ‬الجنزوري‭ ‬ونايلة‭ ‬الغربي‭ ‬ومنير‭ ‬الفلاح‭ ‬وهشام‭ ‬بن‭ ‬عمار‭ ‬وعادل‭ ‬موتيري‭ ‬اللّه‭ ‬يرحمه‭ ‬وغيرهم‭ …‬

في‭ ‬النّقاش‭ ‬الذي‭ ‬دار‭ ‬بيننا‭ ‬عند‭ ‬تكوين‭ ‬الجمعيّة‭ ‬ساد‭ ‬الإعتقاد‭ ‬بأنّه‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬لحركة‭ ‬نقد‭ ‬سينمائي‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬متعارف‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬التي‭ ‬تملك‭ ‬صناعة‭ ‬سينمائيّة‭ ‬قائمة‭ ‬الذّات‭ ‬ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬جعلنا‭ ‬الهدف‭ ‬الرّئيسي‭ ‬للجمعيّة‭ “‬النّهوض‭” ‬بالنّقد‭ ‬السّينمائي‭.‬

ففي‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬كان‭ ‬لدينا‭ ‬نقاد‭ ‬قليلون‭ ‬مجتهدون،‭ ‬ولدينا‭ ‬أيضا‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الصحفيين‭ ‬الذين‭ ‬يكتبون‭ ‬في‭ ‬السّينما‭ ‬وعن‭ ‬السّينما‭ ‬ويركزون‭ ‬على‭ ‬الجوانب‭ ‬الخبريّة‭ ‬واجراء‭ ‬المقابلات‭ ‬الصحفيّة‭ ‬مع‭ ‬المخرجين‭.‬

ومستوى‭ ‬الكتابة‭ ‬عن‭ ‬الأفلام‭ ‬يتباين‭ ‬بالطبع‭. ‬فهناك‭ ‬من‭ ‬يكتب‭ ‬من‭ ‬قلب‭ ‬الفيلم،‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬يكتب‭ ‬حول‭ ‬الفيلم‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬خارجه‭ ‬فيما‭ ‬يعتبر‭ ‬أقرب‭ ‬الى‭ ‬التحقيق‭ ‬الصحفي‭ ‬الانطباعي‭. ‬

ويميل‭ ‬أغلبيّتهم‭ ‬الى‭ ‬الفرقعات‭ ‬بتركيزهم‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬حفلات‭ ‬افتتاح‭ ‬المهرجانات‭ ‬ولباس‭ ‬النّجوم‭ ‬وتسريحة‭ ‬شعرهم،‭ ‬ولا‭ ‬يتطرّقون‭ ‬لأمّهات‭ ‬المشاكل‭ ‬التي‭ ‬يتخبّط‭ ‬فيها‭ ‬قطاع‭ ‬السّينما‭ ‬استغلالا‭ ‬وإنتاجا‭ ‬وتوزيعا‭…‬يتحاشون‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬قضايا‭ ‬حارقة‭ ‬تهم‭ ‬القطاع‭ ‬مثل‭ ‬الرقابة‭ ‬ودور‭ ‬الدولة‭ ‬وطبيعة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬السينمائيين‭ ‬والنقد،‭ ‬ونظرة‭ ‬المجتمع‭ ‬الى‭ ‬السينما،‭ ‬ومشاكل‭ ‬دور‭ ‬العرض‭ ‬والجمهور‭ ‬وفلسفة‭ ‬المهرجان‭ ‬السينمائي‭ ‬ودوره‭ ‬الحقيقي‭ ‬كما‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون،‭ ‬ومشاكل‭ ‬معاهد‭ ‬السينما‭ ‬ودراسة‭ ‬السينما‭ ‬بوجه‭ ‬عام،‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬القضايا‭ ‬والاشكاليات‭ ‬الثقافية‭ ‬العامة‭ ‬والقضايا‭ ‬الفكرية‭ ‬ثم‭ ‬القضايا‭ ‬الجماليّة‭.‬

إن‭ ‬النقد‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬السّينما‭ ‬التّونسيّة‭ ‬هو‭ ‬كيان‭ ‬متعدد‭ ‬الأوجه‭ ‬والوظائف‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬النقد‭ ‬السّينمائي‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬يمكن‭ ‬تقسيمه‭ ‬إلى‭ ‬قسمين‭ ‬نقد‭ ‬شفوي،‭ ‬ونقد‭ ‬صحفي‭…‬

فضمن‭ ‬الشق‭ ‬الأول‭ ‬تتمّ‭ ‬جل‭ ‬المطارحات‭ ‬والنقاشات‭ ‬التي‭ ‬تعقب‭ ‬عرض‭ ‬الأفلام‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬فضاءات‭ ‬الأندية‭ ‬السينمائية‭ ‬أو‭ ‬الملتقيات‭ ‬والمهرجانات‭ ‬السينمائية‭ ‬الوطنية‭.‬

وما‭ ‬يعاب‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الصنف‭ ‬من‭ ‬النقد،‭ ‬رغم‭ ‬أهميته،‭ ‬أن‭ ‬مستوى‭ ‬تداوله‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬الفضاءات‭ ‬المغلقة‭ ‬التي‭ ‬تحتضنها‭ ‬مناقشة‭ ‬الأفلام‭ ‬وهو‭ ‬بذلك‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تداوله‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭ ‬بل‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬توثيقه‭ ‬ونقله‭ ‬إلى‭ ‬قراء‭ ‬مفترضين،‭ ‬عكس‭ ‬النقد‭ ‬الصحفي‭ ‬المعتمد‭ ‬على‭ ‬التوثيق‭ ‬سواء‭ ‬تعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالإعلام‭ ‬المكتوب‭ ‬أو‭ ‬المرئي‭ ‬أو‭ ‬المسموع‭.‬

إنّ‭ ‬النقد‭ ‬السينمائي‭ ‬مرتبط‭ ‬أساسا‭ ‬بالسّينمًا،‭ ‬ومنبثق‭ ‬عنها،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬وجود‭ ‬نقد‭ ‬سينمائي‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬صناعة‭ ‬سينما‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬نسبة‭ ‬الإنتاج‭ ‬10‭ ‬أفلاما‭ ‬في‭ ‬السنة‭ ‬فقط،‭ ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬تابعًا‭ ‬لها‭ ‬أو‭ ‬مُلحقًا‭ ‬بها،‭ ‬النقد‭ ‬السينمائي‭ ‬فَنّ‭ ‬قائم‭ ‬بذاته،‭ ‬ومجال‭ ‬واسع‭ ‬وحيوي‭ ‬ومتجدد‭ ‬له‭ ‬كتّابه‭ ‬ونجومه‭ ‬وأبطاله،‭ ‬ودور‭ ‬الناقد‭ ‬السينمائي‭ ‬أن‭ ‬يحلل‭ ‬ويفكك‭ ‬رموز‭ ‬الفيلم،‭ ‬وأن‭ ‬يغطي‭ ‬تحليله‭ ‬كل‭ ‬العناصر‭ ‬الفنية‭ ‬مثل‭ ‬القصة‭ ‬والإخراج‭ ‬والموسيقى‭ ‬والتصوير‭ ‬والإضاءة‭.‬

فالناقد‭ ‬هو‭ ‬الواسطة‭ ‬بين‭ ‬الفيلم‭ ‬وجمهوره،‭ ‬بين‭ ‬الفنان‭ ‬ومتابعيه،‭ ‬ولا‭ ‬ينحصر‭ ‬دوره‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الجوانب‭ ‬السلبية‭ ‬كما‭ ‬يتصور‭ ‬البعض،‭ ‬النقد‭ ‬يوضّح‭ ‬الجوانب‭ ‬القويّة‭ ‬واللافتة‭ ‬في‭ ‬الفيلم‭ ‬تمامًا‭ ‬كما‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬النواحي‭ ‬السلبية‭ ‬فيه،‭ ‬وسيظل‭ ‬النقد‭ ‬السينمائي‭ ‬موجودًا‭ ‬مدام‭ ‬هناك‭ ‬فيلمًا‭ ‬يُنتج‭ ‬ويُعرض،‭ ‬ويتطلب‭ ‬النقد‭ ‬السينمائي‭ ‬شغفًا‭ ‬بالسينما‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬المطالعة‭ ‬والقراءة‭ ‬ومتابعة‭ ‬تيارات‭ ‬السينما،‭ ‬والاطلاع‭ ‬على‭ ‬فنون‭ ‬معرفية‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭ ‬السياسة‭ ‬وعلم‭ ‬النفس‭ ‬والأدب‭ ‬والتشكيل‭ ‬وغيرها‭ ‬الكثير،‭ ‬ولذلك‭ ‬فهي‭ ‬مهمة‭ ‬مُتعبة‭ ‬وشاقة‭ ‬وممتعة‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭.‬

فما‭ ‬هو‭ ‬حال‭ ‬النّقد‭ ‬السّينمائي‭ ‬في‭ ‬تونس؟ومن‭ ‬هم‭ ‬روّاده؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬أهمّ‭ ‬التجارب‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬بلادنا‭ ‬منذ‭ ‬الإستقلال‭ ‬الى‭ ‬الإن؟

للإجابة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬الحارقة‭ ‬سنرتكز‭ ‬بالأساس‭ ‬على‭ ‬الدراسة‭ ‬القيّمة‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬النّاقد‭ ‬والباحث‭ ‬عبدالكريم‭ ‬قْابوس‭ ‬احد‭ ‬الكوادر‭ ‬السّابقة‭ ‬لحركة‭ ‬نوادي‭ ‬السّينما‭…‬

فبعد‭ ‬خروج‭ ‬المستعمر‭ ‬عن‭ ‬بلادنا‭  ‬بقيت‭ ‬بعد‭ ‬الاستقلال‭ ‬ثلاث‭ ‬صحف‭ ‬يوميّة‭ ‬ناطقة‭ ‬بالفرنسيّة‭ ‬هي‭ ‬La‭ ‬Presse‭ ‬،‭ ‬Le‭ ‬Petit‭ ‬Matin‭ ‬و‭ ‬l‭’‬Action‭ ‬وجريدتين‭ ‬باللّغة‭ ‬العربية‭ ‬الصباح‭ ‬والعمل‭…‬

وقد‭ ‬تناولت‭ ‬تلك‭ ‬الصّحف‭ ‬الاخبار‭ ‬السينمائي‭ ‬بطرق‭ ‬مختلفة‭ ‬ولم‭ ‬تبرز‭ ‬صفحات‭ ‬أسبوعية‭ ‬خاصة‭ ‬بالسينما‭ ‬الا‭ ‬في‭ ‬أواسط‭ ‬السبعينات‭ ‬فقد‭ ‬كتب‭ ‬المقالة‭ ‬الخاصة‭ ‬بالسينما‭ ‬عديد‭ ‬الادباء‭ ‬والصحفيين‭ ‬والسينمائيين‭ ‬ومنهم‭ ‬الحبيب‭ ‬بولعراس‭ ‬والتيجاني‭ ‬زليلة‭ ‬والطاهر‭ ‬الشريعة‭ ‬ومصطفى‭ ‬الفارسي‭ ‬والمنصف‭ ‬شرف‭ ‬الدين‭ ‬وأحمد‭ ‬حرز‭ ‬الله‭ ‬وهشام‭ ‬الجربي‭ ‬ومحمد‭ ‬عزيزة‭ ‬واختص‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬ثلاثة‭ ‬عبد‭ ‬المجيد‭ ‬الشرفي‭  (‬وهو‭ ‬صحفي‭ ‬غير‭ ‬الشرفي‭ ‬الباحث‭) ‬وعبد‭ ‬الحميد‭ ‬القْماطي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يوقع‭ ‬باسم‭ ‬ميدوني‭ ‬والمرحوم‭ ‬محمد‭ ‬محفوظ‭ ‬وخاصة‭ ‬محمد‭ ‬الكامل‭ ‬في‭ ‬جريدة‭ ‬العمل‭.‬

وفي‭ ‬أواخر‭ ‬السبعينات‭ ‬برزت‭ ‬جريدة‭ ‬Le‭ ‬Temps‭ ‬التي‭ ‬أعطت‭ ‬أهمية‭ ‬قصوى‭ ‬للسينما‭ ‬بتخصيص‭ ‬صفحتين‭ ‬أسبوعيّتين‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬صحيفة‭ ‬La‭ ‬Presse‭ ‬وقد‭ ‬برز‭ ‬منها‭ ‬أقلام‭ ‬مثل‭ ‬المنصف‭ ‬بن‭ ‬مراد‭ ‬ونجيب‭ ‬عياد‭ ‬والهادي‭ ‬خليل‭ ‬وكان‭ ‬عبدالكريم‭ ‬قْابوس‭ ‬المشرف‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الصفحات‭ ‬الى‭ ‬جانب‭ ‬صفحات‭ ‬التلفزة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يُخصّص‭ ‬لها‭ ‬مقال‭ ‬نقديّ‭ ‬أسبوعيّا‭.‬

وهكذا‭ ‬تركزت‭ ‬السّينما‭ ‬على‭ ‬أعمدة‭ ‬الصحف‭ ‬وتركزت‭ ‬صفحات‭ ‬السّينما‭ ‬الاسبوعيّة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يصمد‭ ‬منها‭ ‬الا‭ ‬صحيفة‭ ‬لابراس‭ ‬التي‭ ‬تنشطها‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرين‭ ‬سنة‭ ‬سميرة‭ ‬الدامي‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬برزت‭ ‬الشروق‭ ‬والصريح‭ ‬والأنوار‭ ‬وTunis‭ ‬Hebdo‭ ‬وLe‭ ‬Quotidien‭ ‬،‭ ‬وغيرها‭ ‬التي‭ ‬ستحوّل‭ ‬مجرى‭ ‬تناول‭ ‬قضايا‭ ‬السينما‭ ‬الا‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬ندر‭ ‬الى‭ ‬الاخبار‭ ‬عن‭ ‬النجوم‭ ‬والمخرجين‭ ‬والاحداث‭ ‬السينمائية‭ ‬دون‭ ‬ممارسة‭ ‬النقد‭ ‬الا‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬استثنائية‭.‬

المجلات‭ ‬المختصة

فقد‭ ‬برزت‭ ‬من‭ ‬حين‭ ‬الى‭ ‬آخر‭ ‬محاولةّ‭ ‬ان‭ ‬تختص‭ ‬في‭ ‬السينما‭… ‬غير‭ ‬ان‭ ‬جلّها‭ ‬لم‭ ‬يصمد‭ ‬الا‭ ‬شاشات‭ ‬تونس‭ ‬التي‭ ‬اختفت‭ ‬هي‭ ‬ايضا‭ ‬في‭ ‬الأشهر‭ ‬الأخيرة‭.‬

وأول‭ ‬دورية‭ ‬مختصة‭ ‬في‭ ‬السينما‭ ‬كانت‭ ‬مجلة‭ ‬Film‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬عام‭ ‬1929‭ ‬وبرز‭ ‬منها‭ ‬عددان‭ ‬فقط‭ ‬وفي‭ ‬مدة‭ ‬الاستعمار‭ ‬لم‭ ‬تبرز‭ ‬الا‭ ‬مجلتان‭ ‬بالعربية‭ ‬وواحدة‭ ‬بالفرنسية‭ ‬اقترنت‭ ‬فيها‭ ‬السينما‭ ‬بالمسرح‭.‬

الاولى‭ ‬تأسست‭ ‬عام‭ ‬1938‭ ‬وهي‭ ‬مجلة‭ ‬الراديو‭ ‬والسينما‭ ‬بمناسبة‭ ‬بعث‭ ‬أول‭ ‬محطة‭ ‬راديو‭ ‬بتونس‭ ‬والثانية‭ ‬كانت‭ ‬طموحة‭ ‬أسسها‭ ‬الصحفي‭ ‬والمترجم‭ ‬محمد‭ ‬رضا‭ ‬الأحمر‭ ‬وهي‭ ‬مجلة‭ ‬المسرح‭ ‬والسينما‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تصدر‭ ‬الا‭ ‬عددان‭ ‬الى‭ ‬جانب‭ ‬مجلتين‭ ‬بالفرنسية‭ ‬الأولى‭ ‬Hebdo‭ ‬وكان‭ ‬يحرر‭ ‬مقالاتها‭ ‬النقدية‭ ‬في‭ ‬السينما‭ ‬الفنان‭ ‬حاتم‭ ‬المكّي‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬أول‭ ‬مدير‭ ‬لمصلحة‭ ‬السينما‭ ‬بوزارة‭ ‬الاخبار‭ ‬والارشاد‭ ‬والثانية‭ ‬Ciné‭ ‬وهي‭ ‬تتناول‭ ‬المسرح‭ ‬والسينما‭ ‬والراديو،‭ ‬وكانت‭ ‬تخصّص‭ ‬مقالا‭ ‬أسبوعيا‭ ‬لكل‭ ‬فيلم‭ ‬يعرض‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭.‬

أما‭ ‬أهم‭ ‬تجربة‭ ‬نقدية‭ ‬سينمائية‭ ‬برزت‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬نوادي‭ ‬السينما،‭ ‬فمنذ‭ ‬بداية‭ ‬الخمسينات‭ ‬كانت‭ ‬حركة‭ ‬نوادي‭ ‬السينما‭ ‬نشيطة‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬صفاقس‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬الطاهر‭ ‬الشريعة‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬وراء‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بمجلس‭ “‬الثلاث‭” ‬اذ‭ ‬كان‭ ‬نادي‭ ‬السّينما‭ ‬بصفاقس‭ ‬ينشر‭ ‬كل‭ ‬أسبوع‭ ‬جدولا‭ ‬لأفلام‭ ‬يقدّم‭ ‬فيه‭ ‬الطاهر‭ ‬الشريعة‭ ‬والنوري‭ ‬الزنزوري‭ ‬صحبة‭ ‬أحد‭ ‬الاساتاذة‭ ‬الفرنسيين‭ ‬تقييمهم‭ ‬للأفلام‭ ‬المعروضة‭ ‬في‭ ‬الاسبوع‭ ‬والنصح‭ ‬بمشاهدة‭ ‬أهمها‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬نادي‭ ‬السينما‭ ‬بصفاقس‭ ‬يطبع‭ ‬ملحقا‭ ‬صغيرا‭ ‬يثبّت‭ ‬على‭ ‬الملصقات‭ ‬العلنية‭ ‬للأفلام‭ ‬ينصح‭ ‬بمشاهدتها‭ ‬وهكذا‭ ‬أدت‭ ‬تلك‭ ‬التجزئة‭ ‬الى‭ ‬بروز‭ ‬أول‭ ‬دورية‭ ‬مختصة‭ ‬في‭ ‬السينما،‭ ‬وهي‭ ‬مجلة‭ ‬نوادي‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬ذات‭ ‬مستوى‭ ‬رفيع‭… ‬صدرت‭ ‬منها‭ ‬اعداد‭ ‬ثم‭ ‬اندثرت‭ ‬حتى‭ ‬أعيدت‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬مجلة‭ ‬أخرى‭ ‬تصدرها‭ ‬الجامعة‭ ‬التونسية‭ ‬لنوادي‭ ‬السينما‭ ‬وهي‭ ‬مجلة‭ ‬شريط‭ ‬لم‭ ‬تصمد‭ ‬سوى‭ ‬عددين‭ ‬الى‭ ‬جانب‭ ‬مجلة‭ ‬أصدرها‭ ‬نادي‭ ‬سينما‭ ‬القيروان‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬جحا‭ ‬حوّلها‭ ‬صاحب‭ ‬الرخصة‭ ‬مصطفى‭ ‬النڤبو‭ ‬الى‭ ‬مجلة‭ ‬الفن‭ ‬السابع‭ ‬التي‭ ‬صمدت‭ ‬وتصدر‭ ‬الى‭ ‬اليوم‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬استطاعت‭ ‬للنشر‭ ‬سبيلا،‭ ‬وأصدرت‭ ‬في‭ ‬باريس‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬محبي‭ ‬السينما‭ ‬مجلة‭ ‬أضواء‭ ‬صمدت‭ ‬ثلاثة‭ ‬أعداد‭ ‬وكانت‭ ‬بالتوازي‭ ‬تصدر‭ ‬نشريات‭ ‬داخلية‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬نوادي‭ ‬السينما‭ ‬مثل‭ ‬Ecran‭ ‬بالمنستير‭ ‬وحمام‭ ‬الانف‭ ‬والعزيمة‭ ‬وهاني‭ ‬جوهرية‭ ‬وغيرها‭.‬

وقد‭ ‬أصدر‭ ‬منير‭ ‬الفلاح‭ ‬ومنيرة‭ ‬يعقوب‭ ‬مجلة‭ ‬شاشات‭ ‬تونسيّة‭ ‬لم‭ ‬تصمد‭ ‬ثم‭ ‬أعيدت‭ ‬الى‭ ‬الوجود‭ ‬وصدرت‭ ‬بإنتظام‭ ‬وبالالوان‭ ‬لكنّها‭ ‬توقفت‭ ‬عن‭ ‬الصدور‭ ‬منذ‭ ‬أشهر‭ ‬لأسباب‭ ‬ماديّة‭.‬

ولا‭ ‬ننسى‭ ‬تجربة‭ ‬مجلة‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬التي‭ ‬اصدرها‭ ‬الطاهر‭ ‬الشريعة‭ ‬المسرح‭ ‬والسينما‭ ‬التي‭ ‬صدر‭ ‬منها‭ ‬أربعة‭ ‬اعداد‭ ‬عام‭ ‬1966‭ ‬وتبقى‭ ‬في‭ ‬تحريرها‭ ‬ومحتواها‭ ‬وتبويبها‭ ‬اهم‭ ‬مجلة‭ ‬مختصة‭ ‬في‭ ‬ميدان‭ ‬السينما‭. ‬واهتمت‭ ‬دوريات‭ ‬مثل‭ ‬إيبلا‭ ‬والحياة‭ ‬الثقافية‭ ‬بتخصيص‭ ‬ملفات‭ ‬حول‭ ‬السينما‭ ‬وكذلك‭ ‬الاسبوعيات‭ ‬مثل‭ ‬المغرب‭ ‬وحقائق‭ ‬وملحق‭ ‬لابراس‭ ‬الاسبوعي‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬أهم‭ ‬تجربة‭ ‬حسب‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬الأستاذ‭ ‬عبدالكريم‭ ‬قْابوس‭  ‬وأكثرها‭ ‬حرية‭ ‬في‭ ‬تعاطي‭ ‬النقد‭ ‬السينمائي‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬الطاهر‭ ‬الشيخاوي‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬جمعية‭ ‬النهوض‭ ‬بالنقد‭ ‬السينمائي‭ ‬وهي‭ ‬تجربة‭ ‬كتابات‭ ‬سينمائية‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬ورقات‭ ‬سينمائيّة‭ ‬وتوقفت‭ ‬بمغادرة‭ ‬الطاهر‭ ‬الشيخاوي‭ ‬رئاسة‭ ‬الجمعية‭ ‬المذكورة‭.‬

كما‭ ‬إعتبر‭ ‬قْابوس‭ ‬بعض‭ ‬الكتب‭ ‬المنشورة‭ ‬المهتمّة‭ ‬بالسّينما‭ ‬حلقة‭ ‬من‭ ‬حلقات‭ ‬النّقد‭ ‬السّينمائي‭  ‬بيبليوغرافيا‭ ‬السينما‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬ككتاب‭ ‬تاريخ‭ ‬السينما‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬لصاحبه‭ ‬عمر‭ ‬الخليفي‭ ‬والذي‭ ‬يبقى‭ ‬مرجعا‭ ‬مهما‭ ‬وتجارب‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭ ‬مؤلفات‭ ‬مومن‭ ‬التونسي‭ ‬وسنية‭ ‬الشامخي‭ ‬وعلي‭ ‬العبيدي‭ ‬ومحمود‭ ‬الجمني‭ ‬وإعتبر‭ ‬قْابوس‭ ‬أنّ‭ ‬أهم‭ ‬تجارب‭ ‬نشر‭ ‬الكتب‭ ‬السينمائية‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬كانت‭ ‬على‭ ‬يده‭ ‬ويد‭ ‬الهادي‭ ‬خليل‭ ‬وخميس‭ ‬الخياطي‭. ‬فالهادي‭ ‬خليل‭ ‬قام‭ ‬بنشر‭ ‬عدة‭ ‬كتب‭ ‬وجمع‭ ‬مقالات‭ ‬أو‭ ‬دراسات‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬نشرها‭. ‬وأهمها‭ ‬كتابه‭ ‬أبجديات‭ ‬السينما‭ ‬التونسية‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬ضخم‭ ‬في‭ ‬نسختين‭ ‬عربية‭ ‬وفرنسية‭ ‬مرفوقا‭ ‬بقرص‭ ‬DVD‭ ‬فيه‭ ‬مقتطفات‭ ‬من‭ ‬الافلام‭ ‬التونسية‭ ‬ويعتبر‭ ‬الهادي‭ ‬خليل‭ ‬أغزر‭ ‬كتّاب‭ ‬السينما‭ ‬كتابة‭ ‬وتحليلا‭ ‬ثم‭ ‬تجربة‭ ‬كتاب‭ ‬السينما‭ ‬1984‭ ‬الذي‭ ‬انطلق‭ ‬سنويا‭ ‬ولم‭ ‬يصمد‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬تأليف‭ ‬قْابوس‭ ‬نفسه‭ ‬وأيضا‭ ‬كتابه‭ ‬المرأة‭ ‬والسينما‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬الذي‭ ‬تم‭ ‬توزيعه‭ ‬عالميا‭ ‬لأنه‭ ‬صدر‭ ‬عن‭ ‬مركز‭ ‬البحوث‭ ‬والدراسات‭ ‬والتوثيق‭ ‬حول‭ ‬المرأة،‭ ‬وأما‭ ‬خميس‭ ‬الخياطي‭ ‬فإنه‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬كتب‭ ‬الكثير‭ ‬وتعدّدت‭ ‬تجاربه‭ ‬فهو‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬نشر‭ ‬كتابا‭ ‬حول‭ ‬النقد‭ ‬السينمائي‭… ‬وينتهي‭ ‬قْابوس‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أهم‭ ‬مدوّنة‭ ‬في‭ ‬النقد‭ ‬السينمائي‭ ‬هي‭ ‬الاطروحات‭ ‬ورسائل‭ ‬البحث‭ ‬التي‭ ‬تنتجها‭ ‬الجامعة‭ ‬التونسية‭.‬

فقد‭ ‬خصص‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬فريد‭ ‬بوغدير،‭ ‬ومحمد‭ ‬حمدان‭ ‬وحاتم‭ ‬الجعايبي،‭ ‬وحمادي‭ ‬بوعبيد‭ ‬وسنية‭ ‬الشامخي‭ ‬وعبد‭ ‬الكريم‭ ‬قابوس‭ ‬أطروحات‭ ‬دكتوراه‭ ‬حول‭ ‬السينما‭ ‬التونسية‭ ‬كما‭ ‬أنّه‭ ‬توجد‭ ‬العشرات‭ ‬أو‭ ‬المئات‭ ‬من‭ ‬رسائل‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬معهد‭ ‬الصحافة‭ ‬وعلوم‭ ‬الاخبار‭ ‬وفي‭ ‬المعهد‭ ‬العالي‭ ‬للتوثيق‭ ‬والمعاهد‭ ‬السينمائية‭ ‬الجديدة‭ ‬ومعاهد‭ ‬الفنون‭ ‬التشكيلية‭ ‬أطروحات‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬نشرها‭ ‬لتعمّ‭ ‬الفائدة‭.‬

منير فلاح

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

إلى الأعلى