الرئيسية / أقلام / أيّ جبهة شعبية نريد ؟
أيّ جبهة شعبية نريد ؟

أيّ جبهة شعبية نريد ؟

على البعزاوي 

مباشرة بعد مؤتمر حزب العمّال المنعقد في أواخر ديسمبر 2018 تحت شعار “إلى الثورة” وبالموازاة مع توجّه القيادة الجديدة لاستنهاض المناضلين والهياكل والمنظّمات الحزبية في مختلف الجهات جرى الاهتمام بملفّ الجبهة الشعبية وضرورة الخروج بها من حالة التعطّل والتذيل للأحداث إلى جانب الشروع المبكّر في الإعداد لانتخابات 2019.

وقد انطلق المجلس المركزي فعلا في تشخيص الحالة التّي باتت عليها الجبهة الشعبية والتداول بشأن مسائل التنظيم والأرضية والخطّ السياسي والبرنامج العام والخطّ التكتيكي وخطّة الناطق الرسمي ,ووقع تدوين ما هو محلّ اتّفاق  وما هو مختلف عليه من أجل الذهاب به إلى الجهات لتعميق النقاش حوله في الفترة الممتدة بين 10 و31 مارس وحسم الخيارات والتوجّهات حتىّ يصبح للجبهة الشعبية برنامج واضح ونظام عمل واضح يمكنّانها من مزيد التأثير والانغراس في الأوساط الشعبية خاصّة في ظلّ تراجع وفشل وعجز منظومة الحكم الحالية. وضبط تاريخ 31 مارس موعدا للندوة الوطنية الرابعة للجبهة الشعبية. وكان هذا باتّفاق كلّ المكوّنات.

لكن تجري الرياح بما لا تشتهي سفن الجبهاويين، حيث حصل تعطيل من حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد بدعوي انتظار انعقاد لجنته المركزية التي فاجئت الجميع بإعلانها ترشيح المنجي الرحوي للرئاسية قبل عرضه على قيادة الجبهة، بل أكثر من هذا، شرع الرفاق في الموحّد في الدعاية لهذا الترشّح بشكل يؤكّد أنّه يريد وضع الجبهة أمام الأمر الواقع وفرض خياراته الحزبية الضيّقة على باقي المكوّنات. وفهم الجبهاويون جميعا أنّ للموحّد أجندا جاهزة وأنّ إكراهات داخلية تفرض على قيادته التمترس حول هذا الموقف وعدم القبول بموقف أغلبية المكوّنات التي حسمت الأمر في علاقة بمرشّح الجبهة للرئاسية ( 8 ضدّ 1 لصالح الرفيق حمة الهمامي) ورأت أفضلية إرجاء مسألة الناطق الرسمي لوقت لاحق يمكن أن يكون قبل الموعد الانتخابي.

وقد رفض حزب الوطد الموحّد القبول بترشيح الرفيق حمة الهمامي للرئاسية والتفاعل إيجابيا مع موقف الأغلبية مثلما رفض أن يتعهّد الرحوي بسحب ترشّحه مشيرا إلى أنّه بالإمكان أن تقدّم الجبهة مرشّحين مثلما تبنّت في سنة 2014 تحت إكراهات الحزب نفسه وحفاظا من باقي المكوّنات على “وحدة الجبهة” – وأيّ وحدة-موقفا مزدوجا هجينا يتمثّل في قطع الطريق أمام منصف المرزوقي حتّى لا يمرّ، والخيار بين التصويت للباجي قائد السبسي أو وضع ورقة بيضاء.

وبهذا اضطرّت الأغلبية إلى المرور إلى مناقشة الانتخابات التشريعية مرجئة البتّ في مسألة الناطق الرسمي وموعد الندوة الوطنية الرابعة إلى ما بعد الانتخابات نظرا لضيق الوقت. ورفض الوطد الموحّد مرّة أخرى الإمضاء على الاتّفاق والالتحاق بالنقاش متمترسا وراء أجندته الخاصة. وراح يطوف الجهات ليطرح مسالة الخروج من الجبهة كأحد خياراته. علما وأنّ الورقة التي قدّمها الموحّد في إطار تقييمه للجبهة الشعبية تضمنّت مواقف ملتبسة تدعو إلى الانفتاح على أطراف أخرى وضرورة تغيير خطاب الجبهة والدفاع عن تكتيك دفاعي بالنظر لاختلال موازين القوى لصالح الرجعية الحاكمة دون الأخذ في الحسبان حالة الاستعداد لدى الجماهير وانتقاد دعوات الناطق الرسمي لإسقاط حكومة الشاهد والحال أنّ الموقف قد اتّخذته هياكل الجبهة وليس الناطق الرسمي.

الخلاف سياسي بامتياز

الواضح من خلال سلوك الموحّد منذ 2014 إلى اليوم وخاصّة الهجمات المنظّمة على الناطق الرسمي والدعوات المتكرّرة بمناسبة وغير مناسبة بضرورة استبداله ورفض تفعيل مقرّرات الهياكل القيادية للجبهة وخاصّة الدعوة لانتخابات رئاسية وتشريعية سابقة لأوانها، حيث تدخّل النائب والقيادي بحزب الموحّد المنجي الرحوي عبر قناة “الحوار التونسي” ليؤكّد أنّ الجبهة الشعبية لم تطرح انتخابات رئاسية سابقة لأوانها واضعا الرفيق الأمين العام للتيّار الشعبي ضيف القناة آنذاك في حرج أمام الرّأي العام.

وكذلك الموقف من مبادرة الجبهة الشعبية الأخيرة الداعية إلى إسقاط حكومة الشاهد باعتبارها عنوان الأزمة العميقة التي تعيشها البلاد وباعتبارها تمثّل خطرا على شفافية ونزاهة الانتخابات بعد أن قرّر الشاهد تأسيس حزب مستغلاّ صفته كرئيس حكومة لانتداب كوادر الدولة ومسؤوليها ووزرائها لتأثيث هذا الحزب الذي أطلق عليه مؤسّسوه اسم “تحيا تونس”.

الوطد الموحّد كان دائما عنصر جذب إلى الوراء وتعطيل للأنشطة الميدانية المشتركة. وكانت حساباته مركّزة على أنّ كلّ نجاح لعمل الجبهة هو نجاح لحزب العمّال ولحمة الهمامي شخصيا وللخطّ الثوري للجبهة الذي يختلف معه الموحّد وعبّرعنه في أكثر من مناسبة، وما ورد بالوثيقة التقييمية خير دليل على ما نقول.

الموحّد يعيش أوضاعا داخلية صعبة

عديد مناضلي الموحّد غادروا الحزب ليلتحقوا بحزب عبيد البريكي بحثا عن مواقع في أجهزة الحكم خاصة وأنّ عبيد البريكي قد عمل وزيرا للوظيفة العمومية في حكومة الشاهد وهو يخطّط من خلال تأسيس حزب “تونس إلى الأمام” للعودة إلى الحكومة والظفر ببعض المناصب مقابل إضعاف الجبهة الشعبية التي باتت تقلق الائتلاف الحاكم وتهدّد بقاءه في الحكم. ولعلّ مهمّة المهمّات بالنسبة لعبيد البريكي هو ضرب الجبهة وتقسيمها.

وعديد القيادات وفي مقدّمتها المنجي الرحوي باتت تنظر للمّ شمل العائلة الوطنية الديمقراطية في إطار تنظيم اشتراكي ديمقراطي يعتمد تكتيك الدخولية والمشاركة في الحكم بدون شروط. وقد سبق للمنجي الرحوي أن عبّر عن نيّته الالتحاق بحكومة الشاهد كوزير للمالية وقد كان على وشك الانضمام لولا معارضة حزبه ورفض الجبهة لتكتيك الدخولية اليميني الانتهازي. لذا بات الحلّ بالنسبة للموحّد من أجل معالجة أوضاعه الداخلية السطو على الجبهة الشّعبية من خلال الاستحواذ على خطّة الناطق الرسمي وترشيح المنجي الرحوي ذراع الحزب اليمينية للانتخابات الرئاسية بدلا عن الناطق الرسمي للجبهة الشّعبية حمة الهمامي والذهاب بالجبهة نحو اليمين والتعاون مع اللّيبراليين بدل القطيعة معهم وهي الشروط الأساسية لاسترجاع من غادر من المناضلين بمن فيهم عبيد البريكي نفسه رئيس المؤتمر التأسيسي الأوّل للوطد الموحد.

إنّ الخطّ التنظيمي لحزب الوطد الموحّد يحتمل تواجد التيّارات المختلفة، ولم يحسم في اتّجاه الوحدة الفكرية والتنظيمية لذا بقي مفتوحا لصراع الكتل والتياّرات التّي أضعفته لتصبح الغلبة اليوم للتيّار اليميني الإصلاحي داخله وذلك على حساب التيّار اليساري الثوري المؤمن بالجبهة والذي يمثّله الأمين العام زياد لخضر.

الجبهة الشعبية ثورية او لا تكون

أولا لابد من التأكيد على ان تراجع الجبهة الشعبية وتعطلها مرده النزعات اليمينية الاصلاحية التي مثلت عنصر جذب الى الوراء. لذا لم تتمكن الجبهة من استثمار حالات النهوض الشعبي في أكثر من مناسبة لأنها لم تخطط لذلك ولم تكن مهيأة ولا موحدة حول سلوك تكتيكي ثوري ينزع نحو المراكمة من اجل تعديل موازين القوى ضد الرجعية الحاكمة.

لهذا لا نكاد نرى الجبهة الا في المحطات الانتخابية حيث تشتد المنافسة حول رئاسة القائمات بحثا عن خدمة الحزب/ الاحزاب لا خدمة المشروع. وعلى سبيل الذكر وللتأكيد على هذا المنحى الذي فرض نفسه داخل الموحد فان هذا المكون خطط لترؤس 15 قائمة من جملة 33 ليس لأنه حزب منتشر ومنغرس وموجود في كل الجهات بل لإرضاء مختلف الكتل داخله حتى يتمكن من استرجاع من غادروا واعادة الاعتبار والثقة في الحزب.

ثانيا نعتقد انه لا قيمة للجبهة الشعبية إذا سيطر عليها الخط اليميني وقادها نحو التعاون مع الرجعية الحاكمة بحثا عن المواقع تحت يافطة المشاركة غير المشروطة في الحكم. وقوة الجبهة لن تكون في توسيع عدد مكوناتها أو حتى الحفاظ على المكونات الحالية في انتظار استقطاب اطراف وفعاليات اخرى بل في تجذر خطها الثوري ولف اوسع الجماهير حول برنامج تغيير حقيقي يضع حدا للتبعية السياسية والاقتصادية والثقافية التي تميز علاقة منظومة الحكم الحالية بالقوى الخارجية ويعيد الاعتبار للاقتصاد الوطني المنتج المعتمد على القطاعات الاستراتيجية كالفلاحة والصناعة والبنية التحتية والموجه اساسا لإنتاج الحاجيات الاساسية للداخل بدل الاعتماد على سياسة التصدير التي تبقى رهينة تقلبات السوق العالمية التي تحكمها المضاربات وتدخل الدول الكبرى لحماية منتجاتها الوطنية رغم اقرارها بحرية السوق. مع مبادرة الدولة وتعهدها ببعث المشاريع المنتجة ذات الكثافة التشغيلية وتوزيع عادل للمشاريع بين الجهات والاخذ في الاعتبار التمييز الايجابي الذي اقره الدستور للنهوض بالمناطق الداخلية والحدودية. يضاف الى هذه المحاور الجانب الاجتماعي المتمثل في التشغيل والخدمات الاساسية من تعليم وصحة وثقافة وبيئة والتي من المفروض التركيز عليها استجابة لإنتظارات الشباب المهمش والمعطل الذي بات عرضة لمخاطر الحرقة والكحولية والالتحاق بالتيارات التكفيرية وعصابات الجريمة المنظمة.

الجبهة ثورية او لا تكون والمشروع الوطني الديمقراطي الاجتماعي الشعبي الذي تناضل من اجله هو صمام امانها وشرط انغراسها وتأثيرها في اوسع القطاعات الشعبية بقطع النظر عن عدد مكوناتها. بهذا يمكن ان تراكم الجبهة ويتسع تأثيرها وتتغير موازين القوى تباعا لصالحها لان الشعب التونسي لا يقبل التردد والمجاملة وانصاف المواقف وانصاف الحلول. فأما ان تكون الجبهة جسما ثوريا حيا فاعلا متحركا مناضلا ومستقطبا للفئات الشعبية التي لها مصلحة في التغيير ولفها حول برنامج تغيير حقيقي واما الترهل والتردد والتطبيع مع منظومة العجز والفشل والبحث عن مواقع هنا وهناك ستنتهي بالجبهة الشعبية ان عاجلا ام آجلا الى التفكك والاندثار.

الجبهة الشعبية بالروح السائدة داخلها اليوم وبسلوكها السياسي وادائها وتأثير النزعات اليمينية داخلها توقفت عن التطور نحو الافضل ونحو تبوؤ مكانة الفصيل القادر على القيادة باعتباره البديل عن منظومة الحكم الحالية.

الجبهة بحاجة الى خط سير جديد وروح ثورية حقيقية قوامها برنامج ثوري وخط سياسي ثوري وتنظيم نشيط وفاعل.

عاشت الجبهة الشعبية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
×