الرئيسية / أقلام / صوت الشّعب: أمَا لِتعنّت الأعراف من حدٍّ؟
صوت الشّعب: أمَا لِتعنّت الأعراف من حدٍّ؟

صوت الشّعب: أمَا لِتعنّت الأعراف من حدٍّ؟

صوت الشعبشهدت الأشهر الأخيرة جلسات تفاوضيّة ماراطونية بين منظّمة الأعراف والاتّحاد العام التونسي للشغل. ولكن هذه الجلسات لم تحقّق هدفها المتمثّل في تحديد نسبة الزيادة في أجور عمّال القطاع الخاص الذين يصل عددهم إلى مليون ونصف مليون عامل. فكلّ الجلسات التفاوضية تعثّرت وانتهت إلى مأزق، الأمر الذي فاقم حالة الاحتقان والتّوتّر الاجتماعيين، ممّا دفع بالمنظمة النقابية، إلى التحرك وإعلان سلسلة من الإضرابات الجهوية، التي تمّ تعليقها إثر الاعتداء الإرهابي الذي أودى، في أواخر نوفمبر الماضي، بحياة عدد كبير من أعوان الحرس الرئاسي.

وقد ذهب في اعتقاد بعض الملاحظين أنّ المخاطر التي تتهدّد البلاد والمرونة التي أظهرها الاتحاد العام التونسي للشغل في المفاوضات، ستجعلان منظمة الأعراف تبدي أكثر تفهّما لمطالب العمّال وتتخلّى عن مواقفها المتشدّدة والأنانيّة.

ولكنّ منظمة الأعراف ظلّت رافضة لأيّ تنازل، رغم أنّ مبلغ الزيادة الذي يطالب به الاتحاد العام التونسي للشغل لا يكفي لتغطية التدهور الذي شهدته المقدرة الشرائية للعمّال والأجراء خلال الأعوام الأخيرة. بل إنّ منظمة الأعراف لم تقبل حتى  بنسبة زيادة شبيهة بالنسبة التي أعطتها الحكومة لأجراء القطاع العمومي. وعندما اقترحت الحكومة في الأيام الأخيرة زيادة بأربعين دينارا، وهي زيادة دون التي يطالب بها اتحاد الشغل، فقد قبلها هذا الأخير على مضض، ولكنّ منظمة الأعراف رفضتها.

وحين ذكرت يوم الأربعاء بعض وسائل الإعلام أنّ هذه المنظّمة تراجعت عن موقفها المتعنّت هذا وقبلت مقترح الحكومة، سارعت بتفنيد ذلك مشيرة إلى أنّ رئيس الحكومة قدّم مقترحا غير المقترح الذي كان تقدّم به إلى اتّحاد الشّغل وهي ستنظر فيه.

هذا الموقف زاد في كشف الأهداف الحقيقية للقائمين على رأس منظّمة الأعراف. فهم يتخفّون وراء الصعوبات الاقتصادية وتراجع الإنتاجيّة للاستمرار في دهورة ظروف العمل والتّنكّر لحقوق العاملات والعمّال في الحصول على أجور تضمن لهم الحدّ الأدنى من مقوّمات العيش الكريم والسعي إلى تحميلهم تبعات أزمة اقتصادية لا مسؤولية لهم فيها، لأنّ الاختيارات التي ولّدتها تقرّرت دون مشورتهم وكانت على حسابهم.

فما هو موقف الحكومة من تعنّت منظمة الأعراف؟

إنّ الحكومة التي تمثّل الرباعي الحاكم تسير في اتجاه واحد وهو العمل على ترضية الأعراف بالضغط المستمر على الاتحاد العام التونسي للشغل ودفعه إلى مزيد التنازل. والمتتبّع للشأن العام يلاحظ الليونة التي تتعامل بها معظم وسائل الإعلام مع تعنّت منظمة الأعراف، وهي ليونة لا علاقة لها بالحملات العدائية التي تُشنّ ضدّ المركزية النقابية كلما رفعت مطلبا لفائدة منظوريها أو دعتهم إلى التحرك للدفاع عن مصالحهم المشروعة.

إنّ تعنت منظمة الأعراف طوال هذه المدة من المفاوضات يبيّن مرّة أخرى أنها لا تفكّر إلاّ في مصالح منظوريها الضيّقة، وأنّ حديث مسؤوليها عن الوطن والوطنية لا هدف منه سوى صدّ العمّال والأجراء عن الدّفاع عن حقوقهم وفرض وتائر استغلال شديدة عليهم، فالتضحية لا ينظر إليها إلاّ من زاوية واحدة، زاوية العامل والأجير، أمّا صاحب رأس المال فلا حديث إلاّ عن الامتيازات والتشجيعات التي يجب أن تقدّم إليه حتى “يستثمر” بل حتى “لا يهرب”. أمّا العامل والأجير فلا مهرب لهما، فهما باقيان، في كلّ الظروف في وطنهما.

وفي كلّ الأحوال فإنّ العمّال والأجراء التونسيين أكّدوا دائما أنهم لا يتخلّون عن مطالبهم وحقوقهم، مثلما أنهم لا يتخلّون عن وطنهم لفائدة مصلحة خاصة، ولا نعتقد أنّ تعنّت منظمة الأعراف ستوقف مسيرتهم، فلا حديث اليوم لعاملات وعمّال القطاع الخاص إلاّ عن العودة إلى التّحرّكات التي كانت أوقفت بسبب الإرهاب.

(افتتاحيّة صوت الشّعب: العدد 190)

    

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
×