الرئيسية / صوت الوطن / عيطة وشهود … في حفل بيع البلاد “بالقطعة” // جيلاني الهمامي
عيطة وشهود … في حفل بيع البلاد “بالقطعة” // جيلاني الهمامي

عيطة وشهود … في حفل بيع البلاد “بالقطعة” // جيلاني الهمامي

untitled-1على امتداد يومي 29 و30 نوفمبر المنصرم انعقد المؤتمر الدولي للاستثمار في تونس، الذي كان مبرمجا من قبل حكومة الحبيب الصيد السّابقة لشهر مارس الماضي. وقد سبق انعقاده حملة ترويج ودعاية في الداخل والخارج لتقديمه إلى الرأي العام على أنه الوصفة السحرية التي ستنقذ الاقتصاد التونسي من الأزمة الحادة وأنه المخرج الوحيد لإنعاش الاستثمار و”إعادة تونس إلى موقعها المتميز على الساحة الدولية” وبالتالي على أنه مفتاح كل المشاكل الاجتماعية التي يعاني منها المجتمع التونسي.

واستمرّت حملة التّرويج هذه أيام انعقاد المؤتمر وبعدها وتفنّنت وسائل الإعلام في تضخيم إيجابياته السياسية والديبلوماسية وفي التّنويه بنتائجه المالية محاولة التّغطية على مغزاه الحقيقي وعلى الأغراض الحقيقية لأصحاب هذه الفكرة ومراميهم من تنظيمه.

 

بيع في المزاد العلني

أعدّت الحكومة جملة من المقترحات لعدد من المشاريع الإنتاجية في مختلف القطاعات والمتّصلة بالبنية الأساسيةعرضتها على المشاركين من مستثمرين وأوساط سياسية مشاركة في المؤتمر قصد اقتلاع موافقتهم على ضخّ الأموال اللازمة للاستثمار في هذه المشاريع. وممّا لا شك فيه أنّ الحكومة التي، في مثل هذا الظرف الذي يتّسم بعزوف الرأسماليين عن المجازفة بالاستثمار في تونس للأسباب الاقتصادية والاجتماعية والأمنية المعروفة، والتي لا يهمّها غير العثور عمّن يعلن رغبته في هذا المشروع أو ذاك، كانت مستعدّة للانحناء أمام جميع الشروط والابتزازات، لا فقط لاستجلاب الاستثمارات ولكن أيضا لتسوّل قروض وهبات من مؤسّسات المال العالمية. لقد عرضت، ودون حياء،الاقتصاد التونسي للبيع “بالقطعة” في سوق المزاد العلني لتؤكّد مجدّدا استهتارها بواحد من أهم مقومات استقلال البلاد وقرارها الوطني ألا وهو استقلال اقتصادها واستعدادها للتفويت في مقدرات البلاد ومزيد رهن تونس لإرادة مؤسسات التّسليف.

 

مزيدا من التّداين

أعلن رئيس الحكومة في اختتام المؤتمر أنّ تونس حصدت من هذه التظاهرة ما يزيد عن 34 مليار دينار استثمارات جديدة، أي ما يفوق مجموع ميزانية هذه السنة. وينقسم هذا المبلغ إلى صنفين: الأوّل يتمثل في مبلغ 19 مليار دينار كتعهّدات أي مجرّد إعلان نوايا استثمار، حوالي نصفها نوايا قروض قد تقع الموافقة عليها في مدى الخمس سنوات القادمة من البنك الإسلامي للتنمية (5 مليار دينار) أومن طرف سويسرا في السبع سنوات القادمة (560 مليون دينار).

أمّا الصنف الثاني فيتمثّل في مبلغ 15 مليار أغلبها اتفاقيات قروض من البنك الأوروبي للاستثمار والبنك العربي للإنماء والبنك الافريقي للتنمية. بلغة أخرى فإنّ الغالبية العظمى من كل التعهدات المعلن عنها هي وعود بتمكين تونس من قروض جديدة وليست تعهّدات بإنجاز استثمارات مباشرة، عدا بعض الوعود بهبات (500 مليون دينار من البنك الأوروبي للاستثمار و220 مليون دينار من السعودية و30 مليون دينار من ألمانيا و25 مليون دينار من فرنسا). وهذا ما يعني أنه في حالة ما إذا وفى أصحاب هذه الوعود بوعودهم فإنّ مديونية تونس قد ترتفع إلى ما يقارب 80 مليار دينار أي ما يزيد عن 70 % من الناتج الداخلي الخام بعد سنتين أو ثلاثة من الآن. ومعلوم أنّ تونس خلال هذه السنوات ستواصل تحقيق نسب نمو ضعيفة لن تزيد عن 1.5 % مقابل الارتفاع الجنوني لنسبة الديون، وهو ما سينجرّ عنه انخرام أخطر في المالية العمومية وبالتالي استفحال الأزمة الاقتصادية.

لذلك فإنّ الأرقام التي تتباهى بها الحكومة كحصيلة لمؤتمر الاستثمار هي في الحقيقة ورطة جديدة على المدى المباشر للاقتصاد التونسي هذا إذا ما قدّر لهذه الوعود أن تتجسّم. أما على المستوى المتوسط والبعيد فإنّ هذه القروض ستتحول أكثر فأكثر إلى اعتمادات لسدّ العجز في الميزانية ولتسديد الديون لا لبعث مشاريع منتجة للثروة وبالتالي لتحقيق النمو.

 

الخلاص في مقدّرات البلاد

حكومة الشاهد تسير على خطى سابقاتها ولكن هذه المرّة بنسق أسرع في بيع البلاد وإغراقها في الديون وسط حملة دعائية وقحة تجرؤ على تحويل مثل هذا الجرم إلى بطولة. وفي المقابل من ذلك تصرّ أكثر على صمّ أذانها عن الدعوات التي ترفعها أوساط سياسية ومدنية ما انفكت تتّسع تطالب بالكف عن هذا النهج والتّعويل أكثر على إمكانيات البلاد الاقتصادية والبشرية.

إنّ تعبئة 10 أو 15 مليار دينار إضافية أمر ممكن في تقدير عدد كبير من الخبراء والاقتصاديين لو كانت الحكومة جادّة في استخلاص مستحقّاتها لدى المتهرّبين من الواجب الضريبي، ولو اتّخذت الإجراءات اللّازمة للتّحكم في القطاع الموازي والتهريب ولو كانت بالفعل تريد القضاء على الفساد المالي والإداري علاوة على ترشيد التوريد والتحكم في مصاريف البذخ في الإدارة وتوقيف نزيف تسديد الديون بما في ذلك الديون الكريهة التي تتكبّد البلاد تبعاتها رغم أنها ذهبت إلى جيوب زبانية النظام السابق وحتى حكومات ما بعد الثورة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
×