الرئيسية / أقلام / افتتاحيّة صوت الشعب: “مسار العدالة الانتقاليّة بين الشكّ واليقين”
افتتاحيّة صوت الشعب: “مسار العدالة الانتقاليّة بين الشكّ واليقين”

افتتاحيّة صوت الشعب: “مسار العدالة الانتقاليّة بين الشكّ واليقين”

Moqadema-yossrبعد أن دبّ الشك في إمكانية إنجاز مسار العدالة الانتقالية بسبب تردي المناخ السياسي العام، تبدأ يوم 18 نوفمبر الجاري أولى جلسات الاستماع إلى ضحايا انتهاكات الحريات وحقوق الإنسان في تونس. وتأتي هذه الجلسات بعد ما يقارب الـ6 سنوات من سقوط الدكتاتورية، وما يزيد عن العامين من تعيين هيئة الحقيقة والكرامة التي عهد إليها السهر على ملف العدالة الانتقالية. وقد حدّدت لها مدة 4 سنوات قابلة للتمديد بسنة واحدة لحسم هذا الملف وكشف حقيقة انتهاكات حقوق الإنسان ومساءلة المسؤولين عنها ومحاسبتهم وجبر ضرر الضحايا وردّ الاعتبار لهم بما يضمن عدم تكرار الانتهاكات والانتقال بالبلاد والمجتمع إلى مرحلة جديدة تقطع مع الاستبداد. وتمتد المرحلة التي يشملها مسار العدالة الانتقالية من الأول من شهر جويلية 1955 إلى نهاية ديسمبر 2013. وهي مرحلة طويلة نسبيا. وقد تجاوز عدد الملفات التي وصلت هيئة الحقيقة والكرامة الـ60 ألف ملف تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان وبالفساد المالي طيلة المدة المذكورة.

ويكمن السؤال الأساسي والجوهري اليوم، مع انطلاق جلسات الاستماع، فيما إذا كانت هيئة الحقيقة والكرامة ستتمكّن في النهاية من القيام بالمهمة المنوطة بعهدتها أم لا؟ فمنذ البداية ظلّ مسار العدالة الانتقالية يواجه عراقيل مهمّة تهدّد بنسفه في أية مرحلة من مراحله. فبالإضافة إلى النقائص التي شابت قانون العدالة الانتقالية الذي صاغه المجلس الوطني التأسيسي بأغلبية “نهضوية” وإلى عقلية المحاصصة الحزبية التي قادت تكوين هيئة الحقيقة والكرامة، على حساب مبادئ الكفاءة والاستقلالية، وما نجم عن ذلك في فترة لاحقة من تطاحن صلب الهيئة ومن إقالات واستقالات ونشر غسيل في العلن، فإنّ المناخ السياسي السائد اليوم غير ملائم، إن لم نقل معاديا، لإنجاح مسار العدالة الانتقالية وتحقيق الأهداف المرسومة له على محدوديتها.

إنّ الائتلاف اليميني الحاكم الحالي، لا مصلحة له في نجاح هذا المسار، لأنّ رأسيه، “النداء” و”النهضة”، مورّطان في جرائم سياسية ومالية تشملها العدالة الانتقالية: “النداء” بحكم سيطرة العناصر “الدستورية ـ التجمعية” القديمة عليه، و”النهضة” بحكم الجرائم التي ارتكبتها في فترة حكمـها (2011ـ2013). وهو ما يجعل من مصلحتهما، وقد أصبحا حليفين في الحكم، إيجاد تسوية لطيّ صفحة الماضي دون قراءتها. وهو ما يفسّر كل العراقيل التي واجهتها هيئة الحقيقة والكرامة خاصة ومسار العدالة الانتقالية عامة منذ قيام الائتلاف اليميني الحاكم حاليا على إثر انتخابات 2014 التشريعية والرئاسية. فالسلطة التنفيذية والإدارة تعرقلان عمل الهيئة بألف وسيلة ووسيلة (رفض التعامل، عدم تقديم المعطيات الخ…) لما لهما من مصلحة في كتم الحقيقة. وحتى رئيس الدولة حاول انتزاع جزء من صلاحيات الهيئة بتقديم مشروع للمصالحة الاقتصادية والمالية لتبييض الفساد، ولولا معارضة القوى السياسية والمدنية الديمقراطية لكان مرّر منذ مدة.

ومن جهة أخرى فقد عملت الأطراف الحاكمة على إثارة الخلافات والنزاعات داخل الهيئة. كما أنّها عملت على استغلال أيّ خلاف أو نزاع داخلها لتغذيته وتضخيمه وتوظيفه لإضعافها بهدف ضرب مسار العدالة الانتقالية كجزء لا يتجزّأ من ضرب المسار الثوري ككل، والعودة ببلادنا إلى مربع الاستبداد والإفلات من العقاب.

ومع اقتراب جلسات الاستماع شهدت بلادنا حملة إعلامية شعواء ضد رئيسة الهيئة بشكل خاص، وضد أعضائها الآخرين بشكل عام. ولم يكن خافيا على كلّ ذي بصيرة أنّ شيطنة سهام بن سدرين أو أي عضو آخر من الهيئة، ليس الغرض منه تقويم مسار العدالة الانتقالية والتسريع في نسقه وإنجاحه، وإنما عرقلته وإجهاضه حتى لا تتمّ أية مساءلة أو محاسبة. ولا ينبغي الاعتقاد بأنّ المناورات والمؤامرات ضد مسار العدالة الانتقالية ستنتهي بمجرد بدء جلسات الاستماع، بل على العكس فالأقرب إلى الظن أنها ستشتدّ لأنّ شهادات الضحايا ستمسّ رموزا ما تزال في الحكم أو يُراد إعادتها إلى الحكم ومؤسّسات لم يشملها أيّ إصلاح، ومصالح كبرى ارتبطت بعدُ بالحكّام الجدد للبلاد وأصبح من الصعب زعزعتها.

إنّ المسؤولية كلها تعود اليوم إلى القوى الثورية والتقدمية في مواصلة التصدي لمحاولات إجهاض مسار العدالة الانتقالية التي تندرج في إطار محاولات إجهاض المسار الثوري الذي تعرفه بلادنا منذ ديسمبر 2010. لقد كانت هذه القوى وعلى رأسها الجبهة الشعبية، عبّرت عن احترازها من قانون العدالة الانتقالية وما شابه من نقائص. كما أنها لم تصوّت لفائدة تركيبة الهيئة الحالية للحقيقة والكرامة لقيامها على أساس المحاصصة الحزبية الضيقة والفئوية، وانتقدت ما ارتكبته هذه الهيئة من أخطاء وتجاوزات. ولكن الجبهة الشعبية والقوى الديمقراطية قامت بذلك انتصارا لمسار عدالة انتقالية سليم وحقيقي، يطوي صفحة الانتهاكات والتجاوزات، وليس من أجل نسف هذا المسار. لذلك يبقى من مصلحة الجبهة الشعبية، كما من مصلحة كافة القوى الديمقراطية والتقدمية، إفشال كلّ مسعى لإجهاض مسار العدالة الانتقالية بأيّ ذريعة من الذرائع وخاصة منها اليوم توظيف الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للالتفاف على هذا المسار تحت غطاء “الوحدة الوطنية”، والضغط على هيئة الحقيقة والكرامة كي لا تتراجع أو تساوم على حساب كشف الحقيقة ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات ومحاسبتهم.

إنّ المعركة حول مسار العدالة الانتقالية هي جزء لا يتجزّأ من المعركة العامة من أجل الحفاظ على المسار الثوري وتحقيق أهداف الثورة التونسية التي يشكّل كشف حقيقة الانتهاكات والجرائم المرتكبة على مدى ستة عقود من الحكم الدكتاتوري ومساءلة المسؤولين عنها ومحاسبتهم، بندا مهما من بنودها.

وما من شك في أنّ أكبر ضمان للجبهة الشعبية وللقوى الديمقراطية والتقدمية للنجاح في هذه المعركة هو تحويلها بأكبر قدر ممكن إلى معركة شعبية وإخراجها بالتالي من القاعات والمكاتب. إنّ الوحدة الوطنية الحقيقية لا تؤسَّس على طمس الجرائم المرتكبة في حق الشعب وتشريع الإفلات من العقاب، بل على تشريح الماضي وفهمه وتحديد المسؤوليات عمّا ارتُكِب فيه من انتهاكات حتى يتسنّى وضع خطة للقطع معها ووضع أسس حياة جديدة للطبقات والفئات الكادحة تضمن لها الحرية والكرامة.

(جريدة صوت الشعب: العدد 220)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
×