الرئيسية / صوت الوطن / لطفي بن عيسى لـ”صوت الشعب ” : تونس تعيش إصلاحا هيكليا من جيل جديد يعمّق الإصلاح الهيكلي لنظام بن علي ويوسّعه
لطفي بن عيسى لـ”صوت الشعب ” :  تونس تعيش إصلاحا هيكليا من جيل جديد يعمّق الإصلاح الهيكلي لنظام بن علي ويوسّعه

لطفي بن عيسى لـ”صوت الشعب ” : تونس تعيش إصلاحا هيكليا من جيل جديد يعمّق الإصلاح الهيكلي لنظام بن علي ويوسّعه

حاورته فاتن حمدي

رغم الظرف الاقتصادي والاجتماعي الصعب الذي تمرّ به البلاد، والذي كان يتطلّب رؤية اقتصادية واضحة تكون إطارا مرجعيا لميزانية الدولة لسنة 2017 والمقدّرة بـ 32400 مليون دينار إلاّ أنّ حكومة يوسف الشاهد تحاول إقناع جميع الأطراف بأنّ الإجراءات الواردة في مشروع الميزانية فرضتها ضغوطات من قبل صندوق النقد الدولي حتّى تمنح بلادنا قرضا جديدا يساعد في تحسين الأوضاع وتحقيق نسبة نموّ تصل إلى 2.5 بالمائة.14364749_1020889591366597_6782676742261307389_n-620x330

وإلى جانب الاتحاد العام التونسي للشغل الرافض لعدّة إجراءات تضمنها مشروع القانون، تتّجه الأنظار عامّة في هذه الأيام إلى الجبهة الشعبيّة، باعتبارها تقود قاطرة المعارضة السياسيّة لمشروع قانون الماليّة رافضة الإجراءات التقشفية التي تضمنها والذي يزيد في رهن البلاد للصناديق وللدوائر المالية الخارجيّة.

في هذا السياق التقت “صوت الشعب” بالخبير الاقتصادي والمكلّف بالدراسات صلب الجبهة الشعبية السيد لطفي بن عيسى وأجرت معه الحوار التالي:

البلاد تمرّ بأزمة اقتصادية واجتماعية عميقة، فماهي الأسباب حسب رأيكم؟

تشهدالبلاد منذ الثورة وإلى اليوماختلال متواصل للتوازنات العامة،منها المتعلّقة بالتوازنات المالية العموميةكتفاقم عجز الميزانية المقدّربـ 5.7 % وظهور فارق كبير بين الموارد والنفقات في كلّ سنة، بين التقديرات والإنجاز، ما دفع الحكومة كلّ سنة إلى الاعتماد على قانون مالية تكميلي،أي تصحيحي،وهو أمر فضيع لأنّ التقديراتكانت تعدّ وفق معطيات تقريبية وليست دقيقة سواء المتعلّقة بسعر برميل النفط أو سعر العملة أو المتعلقة بتعبئة الموارد الجبائية وغير الجبائية (الأملاك المصادرة والصكوك الإسلاميةوغيرها من الموارد غير المتأكدة).زد على ذلك العجز الجاري المقدّر بـ 7.9 % من الناتج الداخلي الخام والعجز التجاري بـ 9.5 %ونسبة التداين التي بلغت 64 بالمائة. وما نلاحظه أنّ الأوضاع تزداد تدهورا مع كلّ حكومة والخيط الرابط بين هذه السياسات هو الاعتماد على النهج الليبرالي الذي ضبطته الصناديق الدولية والذي يتلخّص في وفاق “واشطن” والذي اعتمده نظام بن علي في الإصلاح الهيكلي الأوّل ولهذا فنحن نعيش اليوم إصلاحا هيكليا من الجيل الجديد يعمّق الإصلاح الذي بدأه النظام البائد ويوسّعه.

لهذا اعتبر أنّ البرنامج الحقيقيلهذه الحكومة ليس ما تضمّنته وثيقة قرطاج وعناوينها الفضفاضة والوفاق المغشوشالذي أحاط بها والذي تلاشى في أول امتحان له وهو النقاش الحالي حول أحكام مشروع قانون المالية،بلالبرنامج الفعلي هوماجاء في رسالة النوايا التي أمضت عليهاالحكومة المتخلية فيشهر أوت 2015 والتي تضمّنت برنامجا دقيقا لمدّة أربعة سنوات أكّد رئيس الحكومة الجديد تبنيه لهكما هو خلال جلسة منحه الثقة من قبل مجلس نوّاب الشعب.

إذن جلّ هذه الخيارات والسياسات الفاشلة أدّت إلى المأزق الذّي نعيشه اليوم في حين ظلّ العنصر الجديد لحكومة يوسف الشاهد هو شبه المصارحة لحقيقة الوضع الكارثي الذي أصبحنا عليه والغاية هي تبرير الإجراءات الموجعة للطبقات الكادحة والوسطى دونالوقوف علىالأسباب وتقييم السياسات وحصر المسؤوليات.

هل تعتبرون أنّ مشروع الميزانية لسنة 2017 والإجراءات الواردة فيها قادرة على إنقاذ الاقتصاد وتحقيق نسبة نموّ أفضل؟ 

تضمّنت ميزانية الدولة لسنة 2017 أكثر من50 إجراء مالي وجبائي، كما تضمّنت ألياتحول التشغيل تمّ اختبارها سابقا حتى في نظام بن علي ولم تؤدّيإلى نتائج جيّدة على غرار آلية عقود التشغيل والإعداد للحياة المهنية والتي تزعم أنها تهدف إلى تشغيل العاطلين عن العمل ولكن ما نجده هو تشغيل عدد ضئيل خاصة في القطاع الخاص، فصندوق عقد الكرامة الذي أعلنت عنه حكومة الشاهد والذي تدّعي من خلاله تشغيل العاطلين عن العمل في المؤسّسات الخاصة من خلال تقديم تحفيزات لهذه المؤسّسات سيدفع تدريجيا نحو تخلّي الدولة عن دورها في خلق مواطن شغل والسماح للقطاع الخاص بلعب هذا الدور في المقابل أثبت التجارب السابقة أنّ هذا لن يحصل حقيقة بل سيتمّ تشغيل عدد ضئيل في أحسن الحالات مقارنة بعدد العاطلين عن العمل المقدّر بـ 650 ألف وطلب إضافي سنوي من خرّجي الجامعات المقدّر بـ 70 ألف إضافة للمنقطعين عن التعليم في مستويات مختلفة المقدّر بـ 100 ألف سنويا.

من جانب آخر فإنّ قانون المالية باعتباره أداة لتكريس سياسة تنمويّة كان من المفروض أن ينخرط في تصوّر لمرحلة كاملة لكن ما نلاحظه أنّ أغلب الإجراءات تتعلّق بمسائل فنية لمساعدة الإدارة خاصة على المستوى الجبائي، في المقابل نجد بعض الإجراءات الجزئية المقترحة من قبل الحكومة على غرار رفع السرّ البنكي دافعت عنه كتلة الجبهة الشعبية بالبرلمان لأنه مدخل أساسي لمكافحة الفساد والتهرّب الجبائي،لكن تمّ إسقاطهما من قبل حزبي النداء والنهضة ما اعتبره تذبذبا وتضاربا للمصالح في الائتلاف الحاكم.

الحكومة تتحدّث عن التضحيات، فهل تعكس الميزانية المقترحة هذا الشعار؟

لا يمكن مطالبة جميع الأطراف بتقديم التضحيات بنفس الحجم. كيف يستوي من يدفع الضرائب المطالب بها كاملة من خلال آلية الخصم من المورد، والمقصود هنا هم الأجراء في القطاع العام والقطاع الخاص الذين يدفعون نصف الضريبة الموظّفة مباشرة على كل أصناف دخل الأفراد والشركات بما فيها الشركات الكبرى في قطاع النفط والقطاع المالي وقطاع الاتّصالات (4110 م.د من جملة 7795 م.د سنة 2016)، ومن يتهرّب من دفع الضرائب سواء كان ذلك في القطاع المنظّم على غرار عشرات آلاف المنخرطين في النظام التقديري أو المهن الحرة أو الشركات المتوسطة وفي القطاع الموازي الذي لا يدفع شيئا.

لا يمكن تحميل تبعات السياسات الاقتصادية الفاشلة للحكومات المتعاقبة للشغّالين والنقابات التي تدافع على حقوق منظوريها. الحكومة تطالب الموظفين بالتضحية بالزيادات المشروعة في أجورهم بعنوان سنة 2017 وفي نفس السياق توقف الانتدابات ولا تعوّض المحالين على التقاعد وتحدّ من الترقيات وتقلّص من منح الساعات الإضافية وهو أمر مرفوض.

لقد طالبنا بمراجعة جدول الضريبة على الدخل لتخفيف العبء الجبائي على أصحاب الدخل الضعيف والمتوسط غير أن الإجراء الحكومي المقترح في هذا الصّدد سعى إلى تقليص عدد المستفيدين والحد من عائداته بالنسبة إلى الشرائح الوسطى خاصة.

أما الإجراءات الأخرى المتعلقة بالمهن الحرة فالمبدأ هو أن يصرّح هؤلاء بحقيقة مداخيلهم ويضاعفوا مساهماتهم مع مراعاة خصوصية أنشطتهم وبالنسبة إلى المساهمة الاستثنائية المطلوبة من الشركات فهنالك ما يبرّرها، غير أننا نشاهد مناورات من اتحاد الأعراف لإفراغها من محتواها من خلال مطالبته بمراجعة قاعدة احتسابها.

الحكومة تقول أنّ غياب الموارد المالية قد يدفعها إلى اتّخاذ سياسة تقشّفية في السنوات المقبلة. فإذا كانت الميزانية تعكس هذا، فكيف سيكون التقشّف مستقبلا؟

بعد الثورة تعطّل محركا الاستثمار والتصدير وزادت فترة حكم الترويكا الطين بلّة بسببالمناخ السياسي الذي ساهمت في خلقه والذي اتّسم بالعنف والتّضييق على الحريات، وقد بلغ ذروته مع الاغتيالات السياسية والإرهاب الذي استهدف في ما بعد قطاع السياحة. إذن لم يبق سوى محرك الإستهلاك الأسري والإداري الذي حمل طيلة السنوات الست الماضية النمو بمعدل نسبة 1.5 %. غير أنالحدّ من القدرة الشرائية للمواطن من ناحية والضغط على نفقات الإدارة من ناحية أخرى سينجرّ عنه تعطيل لكل محركات النمو وهو انزلاق سيدفع بالحكومة إلى مزيد من الإجراءات التقشفية من سنة لأخرى، وهو ما هدّد به رئيس الحكومة في خطاب نيل الثقة حيث لوح بالسيناريو اليوناني في صورة عدم تحسن الأوضاع الاقتصادية، أي التسريح الإجباري في القطاع العمومي وتقليص الأجور وجرايات التقاعد والزيادة في الضرائب وغيرها من الإجراءات المؤلمة.

لو توضّح لنا لماذا رفضت الجبهة الشعبية هذه الميزانية المقترحة؟

هذه الميزانية تعتمد وصفة فاشلة بكل المقاييس باعتبارها تراهن بصفة رئيسية على قطاع خاص ليس مؤهلا حاليا للاضطلاع بدور القاطرة  في العمل التنموي والمجهود الإستثماري والتشغيل باعتبار أن منابه لا يتجاوز 7% من نسبة الإستثمار العامة في الناتج الداخلي الخام التي تقهقرت من 23% الى 19 %، كما تراهن على سياسة تقشفية لن يقبل بها الشعب الكادح والشرائح المتوسطة من المجتمع التي انتظرت طويلا استحقاقات الثورة الاجتماعية، و كذلك على مزيد الإنصهار في الاقتصاد المعولم من خلال اتفاقات شراكة لا متكافئة لن يخلّف تطبيقها إلّا مزيد نسف القطاع العمومي والنسيج الصناعي والفلاحي والخدماتي المحلي بعد تجريده من كل حماية جديّة من المنافسة الخارجية. كما أنها تعمل على مزيد التبعية للجهات المقرضة من خلال سياسة تداين تفقد البلاد استقلالية قرارها وسيادتها على خيراتها.

بصفتك أحد خبراء الجبهة الشعبية ذكرت في دارسة لك بعنوان “رهانات قانون المالية لسنة 2017” أنّ الإجراءات الجبائية تحمل عناوين فضفاضة، لو توضّح لنا كيف؟

 

 الباب الأول من الأحكام الجبائية عنوانه “استرجاعنسقالنموعبردفعالاستثماروتشجيعالمبادرةالخاصة” ونجد ضمنه إجراء يعفي مجدّدا المؤسسات المصدّرة من الضريبة بعد ما تحملت الضريبة هذه السنة، في حين نعلم جيدا أن المؤسسات الأجنبية المنتصبة في بلادنا أصبحت مهدّدة بتحمل الضريبة في بلد المنشأ في صورة مواصلة انتفاعها بالإعفاء التام أي ما بات يصنف كملاذ جبائي أو “جنة جبائية”. كذلك نجد عنوان “تحسيناستخلاصالأداءوتدعيممواردالميزانية”،لكن على مستوى المضمون لا نجد إجراءات جدية من شأنها أن تمكّن الدولة من استعادة الأموال الضائعةفي ثنايا الفساد والتهرب الجبائي والتهريب والأملاك المصادرة وغيرها من الموارد التي نحن في أمسّ الحاجة إليها، عدا ربما الإجراء المتعلق بالمساهمة الإستثنائية، وكنت قد ذكرت محاولات الحد من مردودها الجبائي وقد تنحصر في آخر الأمر أساسا في المؤسسات الناشطة في القطاعات الكبرى والمنشآت العمومية.

الحكومة تقول أنّ هناك ضغوطات فرضت عليها خاصة من قبل صندوق النقد الدولي لوقف الانتدابات في الوظيفة العمومية وإيقاف الزيادة في الأجور لسنتين، فما هو تعليقكم على مثل هذه الإجراءات؟

الحكومة مستبطنة لخيارات صندوق النقد الدولي وما يعيشه اقتصادنا اليوم من وضع حرج هو من مخلّفات العقيدة الليبرالية التي تستند إليها السياسات العمومية المتّبعة في بلادنا منذ انطلاق برنامج الإصلاح الهيكلي في أواسط الثمانينات من القرن الماضي برعاية صندوق النقد الدولي والتي قامت ضدّها في ما بعد ثورة الحرية والكرامة، وتتواصل اليوم بصيغ متجددة.

هذا الخطاب الإيديولوجي الذي يذكّر في كل الظروف، وخاصة زمن الأزمات، أن لا بديل عن الليبرالية الجديدة المتوحّشة بديل يدعو الدّولة إلى الانسحاب من الدورة الاقتصادية وترك مقود العمل التنموي والاستثمار بين أيدي القطاع الخاص،ما يعني مزيد التفويت في المنشآت العمومية، على غرار شركة العجلات المطاطية وشركة الفولاذ وخاصة المؤسسات الكبرى كالكهرباء والغاز والماء والمحروقات والتبغ والخطوط الجوية وغيرها.

في حين أننا نرى أنّ حدّة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الحالية وتفاقم واقع البطالة والتهميش يستوجب من الدولة:

–  تعزيز دورها المباشر في الإستثمار وإنتاج الثروة خاصة في الجهات الداخلية من خلال بعث مشاريع كبرى ذات طاقة تشغيلية عالية.

–   دعم تدخلها في القطاعات الإستراتيجية (الطاقة والمناجم والفلاحة…)

– إصلاح المؤسسات العمومية على قاعدة الحوكمة الرشيدة والجدوى الإقتصادية وتحسين مردوديتها والترفيع من قدرتها التنافسية(معمل الحلفاء بالقصرين ومعمل الفولاذ بمنزل بورقيبة ومعمل العجلات المطاطية في مساكن …) من خلال التوزيع المحكم للموارد البشرية وتعصير الإدارة وعقلنة أدائها بوضع آليات التصرف الشفاف وردع الفساد وتحسين ظروف العمل مهنيا وماديا.

– إصلاح منظومة التربية والتكوين المهني في اتجاه ملاءمتها مع مقتضيات التنمية الشاملة والمندمجة وحاجيات جهاز الإنتاج من الكفاءات

– منع عمليات خوصصة المؤسّسات العمومية بأي شكل من الأشكال لا سيما في القطاعات الاستراتيجية (المناجم والطاقة والكهرباء والغاز والماء والبنوك والنقل وغيرها)

– التدقيق في كافة رخص وعقود لزمات قطاع استغلال النفط والغاز الطبيعي المسندة للشركات الأجنبية ومراجعتها

– مراقبة الأسواق والأسعار وتنظيم مسالك نقل وجمع وتوزيع المواد الأساسية والتشجيع على انتشار شبكات تعاضديات الإستهلاك  في كل الجهات.

–  حماية القدرة الشرائية للأجراء وتطوير قوانين العمل بما يضمن الشغل اللائق وديمومته.

– مقاومة الفساد والإقتصاد الموازي والتهريب وفق خطة محكمة تركّزعلى مصادره الأساسية والمنتفعين الرئيسيين منه.

لماذا اقتصرت الجبهة الشعبية على تحرك وحيد بتنظيم وقفة احتجاجية وحيدة بشارع الحبيب بورقيبة للتعبير عن رفضها لميزانية سنة 2017؟ وهل تقومون بالتنسيق مع الأطراف الأخرى الرافضة للتصدّي لهذه الميزانية؟

الوقفة الاحتجاجية التي نظمّتها الجبهة الشعبية وحضرها مجلسها المركزي وكتلتها بالبرلمانومناضليها إضافة إلى مشاركة عدد محترممن المواطنين كانت رمزية ورسالة إلى الرأي العام بأنّ الجبهة ترفض سياسة التقشف وإملاءات الخارج فالمطلوب هو إرضاء الشعب التونسي وتحقيق انتظاراته وليس إرضاء صندوق النقد الدولي وغيره من المؤسسات المالية المقرضة. وطبيعي أن تركّز كتلة الجبهة الشعبية أعمالها داخل اللّجان البرلمانية دون إهمال العمل الميداني فقد شرعت الجبهة في إعادة هيكلتها في مختلف الجهات وفي ذات السياق ترك المجلس المركزي للجبهة حرية المبادرة للجهات والمحلّيات للتحرك بالأشكال المتاحة بحضور القيادات المركزية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
×